الاسلام هو الدين الحق

 

 

بقلم : العالم الياباني الدكتور ناوكي كومورو

ترجمة : ميسرة عبد الراضي عفيفي

 

القرآن هو لب الإسلام :

 

يتزايد المسلمون في أمريكا بمعدل مرتفع للغاية. وأتوقع أن  ينتشر في روسيا وغيرها من الدول لأنه دين في غاية الوضوح والبساطة.ً

هناك حقيقة تاريخية تعطينا إنطباع هائل، وهي أنه لا يوجد بلد  من البلاد التي دخلت في الإسلام تحولت بعد ذلك إلي

البوذية. ولكن العكس حدث بكثرة. فكل البلاد التي يمر بها طريق الحرير كانت بوذية وتحولت إلى الإسلام.

والبلاد التي تحولت من المسيحية إلى الإسلام كثيرة جداً، ولكن حتى العصور الوسطى لا تكاد توجد بلد تحولت من الإسلام إلى المسيحية، إلا فيما ندر.ً

لأنه لا توجد في الاسلام تعاليم غامضة مثل "فداء المسيح للخطيئة الأصلية" أو منطق "الفراغ" أو "الإدراك الأوحد" كما في البوذية.

وبذلك كان من الطبيعي أن تتحول الدول الأفريقية من المسيحية إلى الاسلام.

في الأصل عند الحديث عن مقارنة الأديان يجب البدء بشرح الإسلام ليس فقط لأنه في الاسلام تتوحد تماماً تعاليم الدين مع تقاليد المجتمع مع قوانين الدولة، ولكن ايضا لأن معرفة الاسلام هي الطريق إلى معرفة اليهودية والمسيحية، بل والبوذية أيضاًَ.

لكن يقول أغلب اليابانيون إنه لا يوجد بالقرب منا مسلمون بالإضافة أنه لا توجدأي كتب تشرح لنا الاسلام بطريقة سهلة  ومفهومة. صحيح أن عدد اليابانيين المسلمين قليل جدا.ولكن الكتاب الذي يشرح الاسلام بطريقة سهلة موجود وسهل الحصول عليه في اليابان. أعتقد أن أغلب القراء قد فهم ما أعني إنه "القرآن". عند الذهاب إلى أي بلد عربي، نجد أن اليوم يصطبغ  منذ الإستقاظ في الصباح إلى الخلود إلى النوم في المساء

بلون  واحد هو "القرآن". لايستطيع اليابانيون تخيل ذلك ولكن حتى  التحيات بين الناس هي قرآن. أثناء المشي في الطريق قرآن.

أغلب البلاد العربية لا ينقطع فيها صوت قراءة القرآن. حتى الأطفال  يبدءون الدراسة بحفظ آيات القرآن. بالفعل إن حياتهم قرآن

في قرآن في قرآن.

ورغم أن اليابانيين لم يقرأوا القرآن ولو مرة واحدة، إلا أنهم يحجمون عن قراءته بحجة أنه غير مألوف لديهم. مع أن قراءة القرآن هي أفضل طريقة لفهم الاسلام. أفضل من الإستماع إلى أحد.

يعتقد اليابانيون أن القرآن صعب فهمه ولكن الحقيقة غير ذلك على الأطلاق. الحقيقة أنه يصعب الحصول على "كتاب مقدس" في الأديان

الأخرى له وضوح وسهولة وجذابية القرآن.

لنعطي مثال واحد على وضوح المنطق القرآني.

من أهم التعاليم في المسيحية هي ما يطلق عليه "عقيدة نيقية"

وهي أن عيسي المسيح هو إله وفي ذات الوقت إنسان كامل.

وتوجد في المسيحية أيضا عقيدة الثالوث المقدس. بمعنى أن الآب والابن والروح القدس متحدون في واحد. أشياء يصعب فهمها،

ولكن  هذه أهم تعاليم الدين المسيحي الصحيح من وجهة نظر اليابانيين.

تعاليم غاية في الصعوبة ولا يمكن فهمها على الأطلاق.

ولكن من ينكر ذلك بمنتهى الوضوح هو الإسلام. عيسي في الإسلام لا يزيد عن كونه بشر. ليس إله على الإطلاق. بالطبع هو نبي

عظيم.

لكن لايزيد ذلك. وبالمثل أيضا محمد هو مجرد بشر. لايزيد على إنه  أفضل الأنبياء جميعا.

ينكر الإسلام ايضا"عقيدة الثالوث" بالكامل، ويقرر أن الرب هو الله

الواحد الأحد لا ثاني له ولا ثالث. الأرباب هم ثلاثة

ولكن الثلاثة

متحدون في واحد هو محض إفتراء، والاسلام لا يوجد به هذا

الإبهام.

عند النظر بحيادية لابد من الإعتراف أن القرآن في هذا

الموضوع 

هو الذي يتماشي مع العقل والمنطق.

إذن ماذا عن نظرية القدرية المسبقة التي تعتبر من أكبر

سمات

المسيحية؟ يوجد في الاسلام شئ شبيه بها، وهي مشيئة الله

أو القدر

"مشيئة الله" هي المتحكمة في كل شيئ بين السماء والارض

بدون

"إستثناء" الله القدير العليم هو الذي بيده مصير الانسان

في

الماضي و الحاضر والمستقبل. ويمكن أن نطلق على هذه

المقولة 

"نظرية القدرية المسبقة" ولكن الشئ الذي يختلف تماما عن

المسيحية هو أن الإسلام يقرر أن من يفعل خيرا ينجو من

عذاب

 الآخرة. وهذه علاقة سببية ليس في ذلك شك.

لا يوجد في تعاليم المسيحية الأصلية أي عبارة تـأمر بفعل

الخير.

أكثر من ذلك فإن البروتستانت يعارضون بشدة أي شيئ غير

التعاليم الأصلية للمسيح.

مارتن لوثر لا يصنف الكتب التي بها أوامر فعل الخير ضمن

الكتب

المقدسة. لماذا لأنها من وجهة نظر المسيحية الأصلية،

هرطقة لا شك فيها. في الأصل لا تطلب المسيحية من الناس

إلا الإيمان بالله.

في حين أن القرآن من أوله إلى آخره يمتلئ بأوامر فعل

الخير.

وشئ آخر مميز للقرآن، هو أن الشريعة الاسلامية هي التي

تحدد

ما هو هذا الخير.

الشريعة الإسلامية هي التي تحدد الخير من الشر، الأمر

والنهي.

ماذا يحدث إذا فعل الإنسان الخير؟

سيكون مصيره نعيم ما بعده نعيم، يسمى في الإسلام الجنة.

وأما

إذا فعل السيئات فسيسقط في الجحيم.

وأحد السمات التي تميز الإسلام أن الجنة وكذلك الجحيم

يصوران

ويعبر عنهما بشكل حسي مادي.

في البوذية مثلا يوجد شئ شبيه بالجنة والنار ولكن

البوذية تنكر

وجودهما المادي. وبالتالي فإن الكلام عن الجنة والنار في

 

البوذية ليس إلا مجرد أمثلة تذكر من أجل هداية الناس

وإرشادهم

إلى عدم وجودهما في الواقع.

أما في المسيحية، ففي أسفار العهد الجديد تستخدم الجنة

والنار

كأمثلة. ولكن الإيمان بوجودهما المادي الحسي هو قمة

الهرطقة.

أما ما يحمله اليابانيون من تصورات عن الجنة والنار في

المسيحية فقد أتى من أعمال أدبية مثل "الكوميديا

الإلهية".

الشئ القاطع كما يفًًَهم من صراع بلاغيوس العقائدي أن

المسيحية لا تقر بإرادة حرة للإنسان.

القدر في الإسلام يختص فقط بالحياة الدنيا. أي أن سعادة

الانسان

أو شقاءه في هذه الدنيا قررها الله سلفا. أما في الآخرة

فيتقرر

 ذهاب الانسان إلى الجنة أو إلى النار على أفعاله في هذه

الحياة، هل فعل خيرا أم فعل شرا. أي أن هناك سببية في

هذا

الموضوع، وهذه النقطة شبيهة بالبوذية.

بمعنى أنه مهما يكن الانسان تعيسا في هذه الحياة، إذا لم

يضعف

وحافظ على تعاليم الله وأوامره وطبق شرعه الصحيح، سيسعد

في

الآخرة ويدخل الجنة، وإذا لم يفعل سيذهب إلى الجحيم.

ليست القدرية التي يؤمن بها أتباع "كالفن" من

البروتستنات. لا

يوجد الخوف والإرتباك الذي يصوره "بانيان". أو التفكير

هل قد

أختير من الناجين أم لا. إذا كان هناك وقت للإرتباك يجب

إستغلاله

في عمل الخيرات. من يفعل ذلك سيدخل الجنة في الآخرة.

لقد ذكرت بعض النقاط الهامة، ولكن يمكن تلخيص أهم النقاط

فيما

يلي:

يقدر الإسلام اليهودية والمسيحية تقديرا كبيرا, ولكنه

يؤكد على أن التفسير الصحيح والنهائي لهما هو ما يوجد في

القرآن.

 

 

ماذا تؤمن في الإسلام:

 

يختلف منطق القرآن مع منطق اليابانيين إختلافا كبيرا

جدا، لذلك سأنبه إلى بعض الملاحظات عند قراءة القرآن حتي

لا تصبح قراءته بلا فائدة بسبب عدم معرفة طريقة قراءته.

أولا أهم نقطة هي طريقة الإيمان بالله تتختلف كيفيتها عن

ما يألفه

اليابانيون. يقول أكثر رجال الدين مثالية في اليابان

سايغيو

هووشي (1118~1190) في بيت من الشعر :

<لا أدري من المعبود ولكن يفيض الدمع لهذا الجلال>

أي ياباني يشعر من خلال هذا الشعر الإيمان العميق الذي

يحمله

سايغيو هووشي، ولكن في الإسلام لايدخل هذا في دائرة

الإيمان بأي

حال.

كتب سايغيو هووشي هذا الشعر أثناء زيارته لمعبد كووتاي

جينغوو

لديانة الشنتو في مدينة إسه اليابانية. لايعقل أن سايغيو

هووشي

لا يعرف من الذي يعبد في معبد كووتاي جينغوو. بالطبع

يعرف أنه

الإله "أماتراسو أووكامي" يعرفه إلى الحد الذي لو طلب

منه

إلقاء محاضرة عن "أماتراسو أووكامي" يستطيع أن يحاضر

ساعات

طويلة عنه، ومع ذلك يقول <لا أدري ... الخ>.

ماذا يعني أن تؤمن بالله في الاسلام؟

يذكر القرآن في كل مواضعه صفات وقدرات وأسماء لله.

ويتطلب

الإيمان بالله الإيمان بكل هذه الأسماء والصفات من أعمق

أعماق

القلب. فالله هو القوي المتين خالق السموات والأرض. الله

هو الذي

وهب الحياة للإنسان وهو الذي يميته. الله مستمر بلا

إنقطاع. الله

واحد أحد موجود صمد قوي متين شديد الحساب. ويذكر بعضهم

أن

القرآن يذكر 99 إسما وصفة لله إذا لم يؤمن الإنسان بها

جميعا

لا يعتبر أنه آمن بالله.

في اليابان أيضا يوجد للإله"أماتراسو أووكامي" عدة صفات

ومميزات، مثل أنه أكبر الألهة، وأنه الجد الأكبر

للإمبراطور، إلى

غير ذلك، ولكن لاتكتب على الورق ويصبح من لا يؤمن بها

جميعها لا يعتبر مؤمنا بالإله "أماتراسو أووكامي"

اليابانيون لايؤمنون

بهذ الكيفية.

حتي المسيحية ليست بهذا الإلحاح. بداية هناك ثلاثة أشياء

هامة

في المسيحية، أولها أن تؤمن أن الله هو خالق السموات

والأرض وما

بينهما. ثانيها أن الله عليم وقدير. آخرها أن الله موجود

في كل

زمان ومكان. إذا آمن الإنسان بهذه الأشياء الثلاثة،

يستطيع

بسهولة أن يؤمن بالمعجزات الكثيرة التي أتى بها المسيح.

الخطية الأولى بتحمل المسيح لها تم غفرانها، ونال

الإنسان

الحياة الأبدية. في الحياة الدنيا أذا أحببت الله وأحببت

جارك

وقمت بالصلاة لله، يتحقق لك كل ما تتمناه. الإيمان بهذه

الأشياء

هو العقيدة المسيحية. بالطبع أسماء الله ال99 في الإسلام

من ضمنها

خالق السموات والأرض والعليم القدير والواسع. لكن

بالمقارنة

بباقي الأديان، يجب الإشارة إلى أنه في الإسلام يجب

الإيمان بهذه

الأسماء والصفات جميعها.

الشئ الآخر الذي أريد الإشارة إليه هو أن القرآن يركز

ويشدد

على رحمة الله الواسعة، وهي أكبر مميزات الاسلام.

أكثر الأشياء اللاهوتية تعقيدا في العهد القديم هي أن

الرب عاقب

الامم التي لم تحافظ على وعدها معه، بل ووصل العقاب إلى

حد

الإبادة الجماعية. شعب اسرائيل ايضا خالف وعوده مع الله

أكثر من

مرة. وفي كل مرة ينزل الله عقابه الشديد بهم. ولكنه لم

يبيدهم

كما فعل مع قوم نوح الطوفان، ومع عاد وثمود.  لا تستطيع

اليهودية تقديم سبب مقنع لذلك. في حين أم الإسلام يشرح

لنا

السبب. هو إن الله هو الحليم واسع المغفرة، حتي لو أخطأت

فمن

الممكن أن يغفر لك أخطاءك.

الإيمان بكل هذه الصفات، بمعنى يجب الإيمان هكذا, ويجب

الإفصاح

عن الإيمان هكذا. كل شئ مقرر بشكل محدد وواضح. هذا هو

أهم شئ

في الموضوع.

في الإسلام بماذا يجب أن تؤمن؟ ستة أشياء محددة بشكل

واضح. يجب

الإيمان بها. يجب أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله

واليوم الآخر

والقدر.

أول الأشياء الستة هو الإيمان بالله، وقد شرحت معناه

آنفا.

الثاني يجب الإيمان بالملائكة. وعند ذكر الملائكة يتبادر

إلى ذهن

الكثيرين صورة الملاك في المسيحية. ولكن مقارنة

بالمسيحية التي

لا توضح بشكل محدد وضعية الملائكة نجد الإسلام يحددها

بمخلوقات

بريئة صافية تعمل في خدمة وعبادة الله، وأن لها مستويات

في علو

المكانة، أعلاها هو جبريل الذي بلغ الوحي الإلهي إلى

محمد.

ثم يليه الأقل فالأقل على مستويات محددة بدقة. والإيمان

بالملائكة

هو فرض علي المسلم.

ثالث شئ هو الإيمان بالكتب السماوية, وهي الكتب التي

أوحاها

الله إلى البشر من عباده عن طريق الملاك جبريل. ويقال أن

عددها

مائة وأربع. منها الأكثر قداسة وفي مقدمتها القرآن

العظيم ثم

التوراة التي نزلت على موسى والمزامير التي أعطيت لداود

ثم

الأنجيل الذي نزل على عيسي.

رابع شئ هو الإيمان بالرسل. والرسول هو إنسان بعثه الله

إلى

الناس لكي يبلغهم رسالة ربهم. ومن أهم الرسل آدم ونوح

وإبراهيم وموسى وعيسى ثم أعظمهم وخاتمهم محمد. ولن يظهر

رسول

بعده. وهذه نقطة هامة جدا وقاطعة في الإسلام.

خامس شئ هو الإيمان باليوم الآخر. والعالم الآخر ليس كما

في

البوذية ولادة من جديد. العالم الآخر في الإسلام يشير

إلى مصير

الإنسان بعد الحساب إما إلى الجنة أو إلى النار. أعمال

الإنسان

في هذه الدنيا سيتم الحكم عليها بكل دقة وعدل، إذا كان

صالحا

سيدخل الجنةالتي شرحنا محتواها فيما سبق. وإذا أدين

سيذهب

إلى النار. ذهابه إلى الجنة أو إلى النار ليس بالروح

فقط،

ولكن بالروح والجسد معا.

آخر شيئ هو الإيمان بالقدر. أن كل شئ في السموات والأرض

وما

بينهما يتم بمشيئة الله بلا إستثناء، لابد من الإيمان

بذلك.

 

أوامر عديدة في الإسلام:

 

يحدد الاسلام أيضا بوضوح الأعمال والعبادات، خلافا على

المسيحية

التي لاتكاد تكون فيها أوامر.

الاسلام يوجب على كل مسلم أعمال وعبادات لابد له من

فعلها.عقيدة

الاسلام هي إيمان في القلب وهو فعل داخلي، مع عمل بهذا

الإيمان،

وهو فعل خارجي. عندما يجتمع الفعلان معا يصبح المرء

مسلما.

والأعمال هي :

الشهادة والصلاة والصيام والزكاة والحج. هذه هي أركان

الإسلام

الخمسة. أولها الشهادة، وهي أن تشهد بأنه لا إله إلا

الله وأن

محمد رسول الله. يجب النطق بهذه الشهادة باللسان بلا

إنقطاع.

ثاني الأركان هو الصلاة، يوجب الإسلام على المسلم أن

يصلي متوجها

إلى الكعبة خمس مرات في اليوم. وبخاصة يوم الجمعة وهو

يوم

مقدس يجب الذهاب فيه إلى المسجد والصلاة جماعة.

بالمناسبة

يطلق البعض على المسجد الإسلامي لفظ المعبد الإسلامي

وهذا خطأ

فادح. لا يوجد كهانة في الإسلام وبالتالي لا يوجد معابد.

الصحيح

أن يطلق عليها مصلى أو جامع. لأنه لايوجد رهبان في

الإسلام.

إسمحوا لي بتعليق صغير هنا، فرضت الصلاة في الإسلام عن

طريق

القرآن، ولكن لا يذكر القرآن الطريقة التفصيلية للصلاة.

القرآن هو الوحي الأوحد في الإسلام، ولكنه لا يغطي كل شئ

إلى تفاصيل

التفاصيل، لذلك هناك مصادر عدة للتشريع الإسلامي أولها

هو

القرآن، إذا لم نجد فيه حكما، نذهب إلى ثاني المصادر ثم

إلى الثالث، وهكذاإلى المصدر العاشر للتشريع. وسأحكي

بالتفصيل

عن هذه المصادر فيما بعد، ولكن أكتفي هنا بذكر أن

الطريقة

المفصلة لكيفية الصلاة نجدها في المصدر الثاني من مصادر

التشريع وهو السنة.

ثالث أركان الإسلام هو الصيام، يجب على المسلم صيام شهر

رمضان

وهو الشهر التاسع من التقويم الإسلامي. منذ بزوغ فجر

اليوم إلى

غروب الشمس محرم تناول أي طعام أو شراب. فريضة قاسية

جدا،

ولكنها تختلف عما يتصوره اليابانيون عن الصيام، فالصيام

عند

اليابانيين هو صيام الوصال، إذا كان إسبوعا فهو صيام

متواصل

لمدة سبعة أيام ليلا ونهارا، ولكن في الإسلام إذا غربت

الشمس

يصبح مباح أكل أي شئ. حتي أن القرآن يذكر أنه يمكن

مباشرة

الزوجة في ليلة الصيام. طبعا سيتخيل البعض أن الموضوع

سهل

إذن. لكن فريضة الصيام صعبة جدا، حتى أن بعض الناس يتأثر

جسمانيا منها. لذلك هناك بعض الإستثناءات التي تسمح

للحامل

والمريض والمسن بعدم الصيام. وحتي المسافر أيضا يباح له

الفطر. إذا بالغنا في القول، لو لم تتحمل جوع الصيام فمن

الممكن أن تذهب في رحلة.

الصفات المميزة لأي دين له قواعد وأوامر، أنه علي قدر

شدة هذه

الأوامر بقدر ما توجد بعض السبل للفكاك منهابشكل شرعي

وقانوني.

إذا كان محرم أكل بعض الأطعمة، فأكل ما عداها مباح.

أما الأديان التي ليس بها قواعد وأوامر كالمسيحية فعند

القيام بأي فعل ممكن أن تثور ثارة المشاكل والصراعات.

قمة المشاكل هي

الديانة اليابانية، لا يتضح في الديانة اليابانية هل

هناك

أوامر وقواعد أم لا، تسير الأمور بشكل عائم. مثلا قواعد

ما يأكل

وما لا يأكل، يبدو للوهلة الأولى أنه ليس هناك أي مانع

أو محظور

ولكن عالم الأديان الياباني شيتشيهيه ياماموتو إكتشف أنه

توجد قواعد، مثلاً ذوات الأربع من الحيوانات. حتى نهاية

عصر إدو 1867

كان اليابانيون عادة لا يأكون لحم البقر أو الخنزير. في

الوقت

الحالي لا يأكل اليابانيون لحوم القطط أو الكلاب، ولكن

ليس لأنها

محرمة. لماذا ليست محرمة؟ لأن اليابان ليس بها حلال

وحرام.

لكن في عصر إدو كان هناك من يأكل لحم الخنزير البري.

ولكي

يتم تمرير هذه المسألة أطلقوا عليه إسم لحم حوت الجبل أي

سموا

الخنزير البري حوت الجبل. كانوا يأكلون الأرانب أيضا بعد

أن

صنفوها ضمن الطيور. حتى اليوم يتم عد الأرانب بطائر،

طائرين،

ثلاثة طيور وهكذا. هذا الشكل العائم من طرق الضبط لا

يمكن تخيله في الإسلام. الإستثناءات محددة بشكل واضح

وقاطع، وعند إستخدامها

يجب أن توافق المنطق.

نعود إلي رابع أركان الإسلام وهو الزكاة. توجد زكاة في

البوذية

ولكن الإختلاف الكبير أنه في البوذية الزكاة غير ملزمة.

ولكن

في الإسلام الزكاة وإعانة الفقراء والتصدق عليهم فريضة

دينية

في المجتمع الإسلامي، الفريضة الدينية هي الواجب

الاخلاقي، هي

الإلتزام القانوني، لذلك تحمل الزكاة والصدقات صفة

الضرائب.

لكن الإختلاف هو أنه لا يوجد تهرب من الزكاة ولا تحتمل

الغش فيها.

الزكاة هي إلتزام أمام الله، فلا يوجد التفكير في توظيف

محاسب

ضريبي مهمته تقليل المدفوع إلى أقل ما يمكن. أما الغش

فيها

فأمر غير وارد على الإطلاق. ولأن الزكاة هي قانون الدولة

فهي

محددة بدقة منتاهية 2,5 في المئة من الدخل. ويجب

الإنتباه هنا

أن المقياس علي الدخل وليس على الثروة. وأن يحدد الإسلام

ذلك

فهو ما يدل على دقة شديدة في الشريعة الإسلامية. أيضا

توجد غير

الزكاة الصدقات وهي ليست إجبارية، ولكن في الغالب تكون

ما بين

العشرة إلى الخمسة عشر في المئة من الدخل، ولكن بالطبع

ليست

محددة بدقة، ومتروكة للمسلم يقررها بنفسه. والفكرة هي

أخذ ما

يحتاج إليه المسلم مما يرزقه الله به والباقي يرده عن

طريق

الصدقات، لذلك لايوجد التفكير في الفصال في هذا المجال.

(خان يوسف ضاي "ما أعرفه عن العرب وعن اليابان"  سوني

للنشر)

هناك قضية أخرى أن العلاقة بين المسلمين لا تحدد بمن

يعطي

الصدقة ومن يأخذها. كلاهما يعمل عملا طيبا. في البلاد

الإسلامية

إذا أعطيت المتسول حسنة يدعو لك الله أن يرزقك. أحد

اليابانيين

يقول أنه أحس من تعبير وجه المتسول وكأنه يقول سأتفضل

عليك

بأخذ صدقتك من أجل أن يرضي الله عنك. يبدو أن اليابانيين

من

الصعب عليهم تقبل هذا النوع من الدعاء.

آخر الاركان هو الحج. وهو الذهاب إلى مكة في الشهر

الثاني عشر

من التقويم الإسلامي وإقامة شعائر الحج التي أهمها

الطواف حول

الكعبة. المسلم الراشد يكفيه الحج مرة واحدة في العمر.

ولكنها

فريضة لمن يستطيع. فمن ليس لديه متسع من المال والصحة

والقدرة

لا يفرض عليه الحج. ولكن المؤمن المستطيع يشارك في الحج

عدة

مرات ولو حبوا على الأرض. وإذا لم يستطع هو يرسل أبناءه

وأخلاءه

ولا يتواني في تقديم المساعدات المالية لذلك. ومن ينتهي

من

الحج يلقى إحتراما كبيرا.

أثناء الحج إذا كنت مسلما فلا فرق بين عدو وصديق، الكل

يصبحون إخوانا. وتذوب الفروق الإجتماعية والعرقية.

يتساوى الملوك مع

عامة الناس. في الحج تتولد بين الجميع وليجة تستوجب

الإعجاب.

سأعرض عليكم كيف يصف ذلك صحفي جاء من العالم الإسلامي

ويعيش في

اليابان الذي يصفها بشكل جيد فيقول:

<من يشارك في أداء الحج وينهيه يطلق عليه لقب حاج. وهو

يشبه

إلى حد كبير لقب سنسيه(الاستاذ) في اليابان. فكما نقول

للإستاذ

صباح الخير يا سنسيه، فمن أدى الحج يقابله أهل بلده

بصباح

الخير يا حاج. وهو شئ يبعث في نفس أي مسلم على الإرتياح

والنشوة. فلقب الحاج لن يستطيع أي فرد آخر الحصول عليه

بأداء

أي فريضة أخري غير فريضة الحج. وكذلك أيضا لأنه دليل

صادق على

صفاء وعمق إيمان صاحبه.(...) كل من يذهب إلى الحج بغض

النظر

عن لون بشرته أو فقره أو غناه يستريح نفسيا في تلك

الخيمة

المتواضعة.

بالفعل فكل من يذهب إلى الحج من الرجال يلف حول جسده

قطعة

واحدة من القماش الطويل. والنساء يزيدن عليها قطعة أخرى،

فتغطي جسدها كله أبتداء من الرأس فيما عدا الوجه فقط

تظهره.

لذلك لا يمكن التمييز هل الذي امامك غنيا أم هو رئيس

جمهورية

أم هو مجرد فرد من عامة الناس.

أثناء الحج الفارق الإقتصادي بالطبع، وكذلك إختلاف

الجنسية

وإختلاف لون البشرة سواء أسود أو أبيض أو أصفر أو أحمر،

هذه

الفروقات جميعها لا تثير أي مشكلة على الأطلاق.

الجميع يرتفع فوق الفروقات ويتوحدون مع بعضهم البعض،

ويصلون

متجهين إلى قبلة واحدة. هذه التجربة تؤثر على من عايشها

فردا

فردا تأثيرا عظيما جدا. الإنسان في العالم الإسلامي لا

يهتم كثيرا

بمسألة الجنسية كما يفعل اليابانيون، والسبب إنه على أرض

الواقع هناك مواضع مثل الحج يتواصلون فيها مرتفعين فوق

إختلاف

جنسياتهم. >  (يوسف ضاي، المصدر السابق)

 

من هذا المثال يتضح لنا أن الحج يولد تواصل مثالي بين

المسلمين. بذلك يمنع حدوث الأنومي أو عدم التواصل. قوة

الإسلام

في هذه النقطة.

كان في اليابان ايضا عادات الحج إلى المعابد، وكانت

مزدهرة

ظاهرة الحج إلى معبد إسه، ولكن لم يتساوى فيه عامة الناس

مع

القادة العظام. في مثل هذه الحالة يصبح التواصل شئ صعب

جدا.

عندما يلتزم المسلم في أفعاله بما جاء في القرآن وأولها

أركان

الإيمان، وأركان الإسلام الخمسة، حينئذ لأول مرة يعتبر

من أتباع

الدين الإسلامي.

في عالم الصحافة وغيرها يتم إستخدام كلمة فندمنتاليست

للتعبير

عن المتطرفين الإسلاميين، وتم ترجمتها في اليابان إلى

كلمة

الأصوليين, وهو إستخدام خاطئ. فالأصولية فندمنتالزم كلمة

تخص

المسيحيةفقط.

الأصولية المسيحية في الوضع الطبيعي ليس لها علاقة

بالسياسة.

فالإلتزام التام بما جاء به الإنجيل, وأن <إيمانك هو

الذي

يداويك> ليس له أي علاقة بالسياسة.

لكن الإيمان في الإسلام لابد أن يتبعه فعل. ففي الإسلام

السياسة

المثالية هي التي يحددها علماء الدين والعارفين بالقرآن.

كما قلنا تعاليم الدين وعادات المجتمع وقوانين الدولة

كلها

متوحدة ونابعة من الشريعة. فمن الطبيعي أن تكون السياسة

أيضا

كذلك نابعة من الشريعة.

 

المعنى الأكبر لقراءة القرآن:

 

ذكرت في بداية الكلام أن أهم طريقة لمعرفة الإسلام هي

قراءة

القرآن. وسأبدأ الأن في شرح كيفية قراءته.

في البداية الفاتحة. وإذا كنت تريد قراءة القرآن فمن

الأفضل

حفظها:

 

<بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين

الرحمن الرحيم

مالك يوم الدين

إياك نعبد وإياك نستعين

اهدنا الصراط المستقيم

صراط الذين أنعمت عليهم, غير المغضوب عليهم, ولا

الضالين.>

 

أولا نص بسم الله الرحمن الرحيم هذا يأتي في بداية كل

سورة من

القرآن. ربما يعتقد اليابانيون بسبب تعودهم على كلمة

الرحمة

في البوذية، أن ذلك شئ مفروغ منه. ولكن في الواقع مقارنة

بوضع الأديان في العالم كله يعتبر هذا شئ يثير العجب.

سفر التكوين في العهد القديم يبدأ بخلق الله للسماء

والأرض،

ويبدأالأنجيل في العهد الجديد بأن المسيح هو من نسل داود

الذي

هو من نسل النبي إبراهيم. لكن القرآن يبدأ بالرحمة.

كلمة الرحمة في الإسلام هي نفسها كلمة الرحمة في

البوذية، لكن

معناها يختلف إختلافا كبيرا. في اليابان يقال إن بوذا ذو

رحمة

واسعة. ويعلم جيدا منطق السببية، ولذلك يعلًٌٍَُِم

أتباعه الافعال

والعبادات التي تجعلهم يحافظون على الأخلاق الحميدة. لكن

لا

يستطيع بوذا أن يغفر لمن إقترف ذنب من الذنوب، لا تصل

قدراته

إلى هذا الحد.

لكن في الإسلام الرحمة هي أن الله قادر على غفران الذنوب

لمن وقع في الذنب. الرحمة تؤدي في النهاية إلى ذلك.

هذه مسألة مهمة في كيفية قراءة القرآن.

إذا تاب الإنسان توبة من القلب يغفر له. وهو ما يحتوي

على

تناقض من وجهة نظر علم الأديان. بمعنى إذا كان الله قادر

على

المغفرة، فهذا يعني أنه لا يمانع من فعل الذنوب. ولكن

لابد من

التوبة والندم، يجب قراءة ذلك.

إله اليهود لا يغفر أي ذنب. يبيد من يخالف أوامره من

الأمم على

أخرهم. المسيح لا يسأل عن الأفعال هل فعلت خيرا أم شرا,

كل ما

يركز عليه هو الإيمان وكفى. في الديانتين توجد كلمة

توبة.

ويتم التركيز عليها كثيرا، لكن ماذا يحدث بعد التوبة؟

الأمر

متروك عائما بلا تحديد. لكن اليابانيون يملأهم الأعتقاد

بأن من

يتوب ويندم من أعماق قلبه لابد أن يغفر له. والأدهي أنهم

يظنون

أن ذلك –أي الغفران- شيئا طيبا، لكن في الواقع طريقة

تفكير

اليابانيين تلك غير مألوفة على مستوى العالم والتاريخ.

لنعطي بعض الأمثلة. عندما تولى كونفوشيوس مؤسس الديانة

الكونفوشية الوزارة في عهد الملك روه، أول ما فعله كان

القضاء

على الوزراء الأشرار. ليس بطريقة هينة، ولكنه نفذ فيهم

حكم

الإعدام. طبعا أول سؤال يتبادر إلى ذهن اليابانيين، أن

شخص مثل

كونفوشيوس ألم يجد وسيلة أخرى غير الإعدام؟ ألم يكن

الأفضل

الإكتفاء بإبعادهم بالنفي مثلا؟ القديس يجب أن يكون صاحب

شعور

إنساني رفيع، ويمد يد العون إلى الناس حتى المحكوم عليهم

بالإعدام. هكذا يفكر اليابانيون. لكن الأمر على العكس،

القديس

هو من يعدم من يستحق الإعدام بلا تردد.

لنعطي مثال آخر. من سربوا غاز الخردل في القطارات وقتلوا

العشرات من النا، لم يعدموا، ولم تطالب وسائل الإعلام

بوجوب

إعدامهم بلا تردد. لو حدث ذلك في أمريكا، لأنقلبت البلاد

رأسا

على عقب بلا أي شك. في القانون الامريكي، القاعدة هي أن

القاتل

يعدم، والإستثناء هو عدم الحكم بالإعدام. هذا هو الوضع

المألوف

في مختلف أنحاء العالم.

لهذا السبب تمر كلمة الله الرحمن الرحيم على آذن

الياباني مرور

الكرام، ولكن الغربيين إذا سمعوها يصيحوا <يا له من إله>

مبدين دهشتهم لوجود مثل هذا الإله. إله يستخدم منطقي

السببية

والقدرية معا.

وتستمر الدهشة.

 

< إن الذين كفروا سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم

لايؤمنون،

ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم

عذاب

عظيم>

هي قدرية مزدوجة، بمعنى هي نفس الفكرة النظرية لبولس

التي

شرحها كالفن. من يؤمن ومن لا يؤمن مقرر من البداية.

وهناك بشر

من الضروري إيقاع العقوبة عليهم. وهو ما يشير إلى أن

البشر

ليس لديهم إرادة حرة، وأن كل شئ يقرره الله. وهي نظرية

القدرية

بلا أي شك. لكن فكرة القدرية محصورة في هذه النقطة فقط.

ولا

تسيطر على المنطق الإسلامي كله. والجزء السالف الذكر من

القرآن

بعد أن تستمر اللآيات على هذا المنوال، تأتي العبارات

التالية:

< وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات >

ولا نري في هذه العبارات إلا المنطق السببية وهو ما يدل

على أن

القراءة السابقة غير كاملة. المسألة الهامة هنا أنه

المطلوب

إيمان مع عمل. الفعلان، الفعل الداخلي والفعل الخارجي.

دعونا نلخص ما ذكرناه. المسيحية في أصلها الأصيل، تضع

المشكلة

في الجانب الإيماني فقط وليس للفعل المادي أي علاقة.

الكونفوشية على العكس تماما، يكفي حسن الافعال فقط. من

يعمل

عمل القديسين هو بالفعل قديس. دون النظر إلى إيمانه. ليس

لهذه

الديانة أي فكر يتعلق بما داخل القلب. إلى هذه الدرجة

المبالغ

فيها يشرح بعض الباحثين الديانة الكونفوشية.

أما البوذية فلها تفاسير عدة، ولانستطيع حصرها في شئ

واحد.

بعض المنظرين المعارضين لنظرية توحد الإرادة يعتقدون

بصحة

الانسان إذا ما كانت أفعاله صحيحة بغض النظر عما يكنه في

قلبه.

والبعض الآخر يرى أنه إذا سبح الإنسان بإسم بوذا في قلبه