بعـــد إنتخابات الحقيقة مـاذا عن الحقيقة نفسها

 

 

 

بقلم :د. محمد احمد النابلسي

nabulsy@cyberia.net.lb

 

   أكدت لجنة التحقيق الدولية في إغتيال الحريري واقعة حدوثه بتفجير شاحنة من نوع ميتسوبيشي تحمل نصف طن من المتفجرات التقليدية بدون أية تكنولوجيا غير عادية. وبالنظر لما هو معروف عن حماية موكب الرئيس الحريري فإن إحتمال تفجير هذه الشاحنة عن بعد هو إحتمال مستحيل. بما يؤكد أن عملية الإغتيال كانت إنتحارية.

 

بذلك تصبح رواية أبو عدس ،وشريطه المعروض على الجزيرة، أكثر الروايات المطروحة صدقية وموضوعية وحقيقية. وهذا ما كان قد أكده المناضل والمحلل السياسي أنيس النقاش في مقابلته مع الجزيرة ( للإطلاع أنظر: http://www.aljazeera.net/NR/exeres/2A3445CD-96A7-48A5-9194-CBD90E9A9CCF.htm).

 

وهذا يطرح قائمة من الأسئلة حول سلوك جنبلاط وفرضياته التي فرضها على الناطقين بإسم آل الحريري بل وعلى عائلة الحريري نفسها. فقد جهد الجميع بدعم آلة إعلامية ضخمة لإنكار إحتمال التفجير فوق الأرض. وخرج الجميع لإقناعنا بنظرية التفجير تحت الأرض بما يبطن توجيه التهم الى الرئيس كرامي وحكومته. وهو ما يبرر رفض آل الحريري للمشاركة الرسمية. لكن الأكثر إستهتاراً بالحقيقة وعقول الناس كان النائب محمد القباني الذي شرح التكنولوجيا على طريقة أبو العبد البيروتي فأقنعنا بالنقاط العبقرية التالية:

 

1.    أن التفجير لايمكنه أن يكون فوق الأرض.

 

2.    أن مكان التفجير أغلق لبضعة أيام لزرع المتفجرات تحت الأرض.

 

3.    أن السلطة متورطة في التفجير لإغلاقها المكان تسهيلاً لتفخيخه.

 

4.    أن الحكومة ورئيسها مجرد أدوات في يد الأجهزة الأمنية أو ربما هم متورطون وقتلة.

 

5.    أن لهيب الإنفجار الأصفر لا بد له من أن يكون ناجماً عن تمازج متفجرات متطورة مع مياه البحر المالحة.

 

6.    أن الجميع متهمون بقتل الحريري لغاية ثبوت العكس.

 

7.    أنها لحظة الإنتقام من كل معارض لتزعم الحريري لمعارضة التمديد.

 

8.    إستبعاد كل الدوافع العقائدية والسياسية الخارجية والإقتصادية.

 

        المشكلة أن تقرير اللجنة لتفجير فوق الأرض جاء خلال الإنتخابات وكاد يطيح بجولات التنويم المغناطيسي – المخابراتي للناخب اللبناني. فلو أعطي هذا الناخب فرصة طرح الأسئلة ،ومراجعة تصريحات قباني وغيره، لجاءت نتائج الإنتخابات مخالفة تماماً لرغبات السفارتين الأميركية والفرنسية ومتحالفيهما. لذلك كان من الضروري أن تأخذ اللجنة خطاً موازياً في نحقيقاتها فتعود لإستجواب الأجهزة الأمنية وللإيحاء بإتهامها. علماً بأن الأجهزة الأمنية لا تترك عملية كهذه للصدف ولتردد شخص في تنفيذ عملية تؤدي الى موته. فالعمليات الإنتحارية لا يمكنها أن تكون إلا عقائدية. وقلق الإنسان من الموت لا يقهره سوى إيثار التضحية بالذات لأجل أهداف يعتبرها الإنتحاري سامية وتستحق منه تقديم حياته ثمناً لها. ويستحيل على أجهزة المخابرات إقناع شخص بتقديم مثل هذه التضحية. ومن هنا فإن البحث عن منفذ عملية إغتيال إنتحارية يجب أن يتوجه نحو الفئات العقائدية التي ترى في الحريري وما يمثله إنتهاكاً لعقيدتها. وفي طليعة هذه الجهات نذكر التالية:

 

1.    القاعدة ،ومتفرعاتها السعودية، التي تعادي الحريري بصفته رأس حربة للسياسة السعودية.

 

2.    المقاومة العراقية ،بشقيها الديني والعلماني، التي تعادي الحريري بسبب مواقفه من العراق بل الحرب وبعدها.

 

3.    الجماعات الإسلامية المتطرفة في لبنان التي ترى في الحريري متعاوناً مع جهات مشبوهة.

 

4.  المعارضات الإقليمية ( السورية والسعودية والإيرانية) المهتمة بإحداث تغييرات قسرية في التوازن السياسي في لبنان والمنطقة.

 

5.  المخابرات الأجنبية التي تحقق إختراقات هامة للفئات العقائدية المحلية. وفي طليعتها المخابرات الأميركية والموسـاد.

 

        بعد كل هذه المعطيات ألا يبدو هزلياً إصرار تحالف جنبلاط – الحريري على توجيه الإتهامات بما يضلل التحقيق؟. ومن نكات هذا الإصرار توزيع جنبلاط – تلفزيون المستقبل لشائعة وجود مسدس من نوع ساغ في مسرح الإغتيال وإختفاءه بعد ذلك. وهو نوع تستعمله الأجهزة اللبنانية. فهل تم الإغتيال بمسدس وهل يعجز مهربو الأسلحة عن تأمين مثل هذا المسدس!؟. لقد تخطت الأمور حدود العجرفة وجبروت الإتهام والمال والتنويب والتسييس الى نوع من تخطي لياقة احترام عقول الناس وكراماتها. وهو تخطي حاولنا فهمه في كلمة السيدة بهية الحريري في جلسة الثقة لكننا لم نعد قادرين على فهمه على ضوء هذه المعلومات الجديدة. فهل سيتم السماح للجنة الدولية بإعلان الحقيقة أم أن رواج تجارتها سيحول دون إعلانها؟. فقد جنى المتاجرون بالحقيقة ربحاً حراماً ومخالفاً للطبيعة فلم يعودوا مهتمين بحقيقة الحقيقة التي تقضح كذب حقيقتهم وتهدد أرباحهم المحرمة.

 

مهما يكن فإن الحلال يذهب وحده أما الحرام فيذهب هو وأهله. وهكذا ستهوي مكاسب هيستيريا الفولارات والتظاهرات المبرمجة مخابراتياً. ومعها الشائعات المفبركة إستناداً الى إستغلال عواطف الجمهور بعد غسيل دماغه عبر التلفزة والإعلام. والأهم الإستسلام لمشيئة سعادة السفير – المندوب السامي الأميركي وتعليماته. حتى نجح سعادته في نقل طموح الديمقراطية المتأمركة من العراق ، حيث فشلت هناك، الى لبنان حيث يرتبط نجاحها بإبعاد ما يمكن إبعاده من الزعامات الوطنية والعروبية اللبنانية وإبدالها بطاقم موظفين مطيعين تقودهم طموحات مرضية متضخمة وإنتهازية تتجاوز عتبة الإلتزام بأية قيمة غير رغبة الربح والتكسب. لكن توجيه عدوانية الربح هذه يبقى في يد السيد الأكبر الذي يضحي بأي موظف منهم إذا أصبح عبئاً عليه. وهذا ما نستشفه في تقنية التفجير الأكثر تطوراً في التفجيرات اللاحقة لإغتيال الحريري.

 

عودة الى زعامات الطائفة السنية التي إغتالتها معنوياً هيستيريا النموذج الأميركي نذكر بأن الرئيس كرامي قد ساجل فيلتمان ومانعه ولم يأبه بثمن هذه المواجهة. وهو رفض التدخل الأجنبي في التحقيق الذي لم يفعل سوى تأكيد معلومات حكومة كرامي. كما أنه كان بعيداً عن قبول حضور المحققين الأميركان ( أف.بي. آي.) قبل الدرك اللبناني الى أماكن التفجيرات. وهو ورغم مرارة عميقة من السلوك السوري تجاهه لم يقبل إطلاق المؤامرة على سوريا من لبنان. فلم يكن مستغرباً تخليه عن جناح البعوضة المسمى مجازاً نيابة بعد تخليه عن رئاسة الحكومة في حركة لياقة أمام كلمة أخت الشهيد المكلومة. وهي كلمة تمكن مارجعتها على العنوان التالي للحكم على لياقتها:

 

http://www.daralhayat.com/arab_news/levant_news/03-2005/Item-20050228-5a63bad7-c0a8-10ed-001c-22ffa2abdc23/story.html

 

      في النهاية فقد خرج لبنان من هذه الفوضى الأميركية بمجلس معظم أعضائه من المنوبين فلا هم مندوبين يعينهم الإستعمار ولا نواباً يستحقون نيابتهم. ومثل هذا المجلس لا يحكم وله سوابق في مجالس الأعوام 1947 و1957 حيث على المنوبين غسل تنويبهم على غرار غسيل الأموال القذرة. وإلا وقعوا في عار إنفضاح الغش في تصنيعهم ليكونوا مجلساً يسلم لبنان الى المخابرات الأميركية لتحوله مسخاً رمزياً لنموذج الديمقراطية الأميركية. وهو تحول ممهد لإطلاق العدوانية الأميركية ضد دول المنطقة من لبنان. كما أنه يؤمن غسل عار الفشل الأميركي في العراق. لكننا نعلم جميعاً أن شراء أصوات التنويب هو غيره شراء الموافقة على أمركة البلد فمعوقات ذلك كثيرة بل أكثر من المتوقع.