عراق
الصابرين وجدارة الانتصار
بقلم : فرج شلهوب
عراق الصابرين هو من يصوغ
الواقع السياسي للأمة، من الماء الى الماء، ليس في هذه
اللحظة فحسب، بل ولوقت قادم قد لا يكون
بالبعيد.
فالدم العراقي الزكي الذي
يسيل في الانبار وبغداد، في القائم وبعقوبة والفلوجة، هو الذي ردع امريكا
عن ان تتمادى
في غيها، وان تتوغل اكثر في احتلالها للجغرافيا
العربية، المهددة بالحصار والتركيع، لصالح هيمنة المشروع الصهيوني، ولولا هذا الدم،
وقدرته الاستثنائية على التحدي وتجريع الامريكان
كؤوس الذل مترعة، لكان بامكان الجميع ان يرى المارينز الامريكي يعبث بالعديد من
عواصم العرب، يمتهن الكرامات، ويعيد تشكيل
النظم السياسية فيها على هواه.
الدم العراقي الباسل، الذي
آمن بالأمة واحترف الاستشهاد حتى نهاية القوس هو الذي نصب الجدار عالياً امام اطماع امريكا، وهو الذي علمها
درساً بان احتلال العواصم العربية، مكلف وباهظ الثمن، وهو الذي اشغلها ويشغلها عن ان
تدير صراعاً آخر لصالح مشروعها الاستعماري شرقاً وغرباً، وقبل هذه وتلك مرغ وجه امريكا في
التراب، حيث تعجز القوة الكونية الأكبر بعد اكثر من
ثلاثين شهراً، عن تركيع شعب الرافدين، او تمنع
القتل عن جنودها وعملائها على حد سواء.
لقد اعادت
مقاومة العراقيين، للمنطقة العربية بهاء وجهها، الذي طمسته انحناءات النظم
الرسمية وانكساراتها واسترزاقها من كف الاجنبي، تماماً مثلما اعادت انتاج صورة الانسان العربي، فارساً
يتحدى الموت ولا يمكن قهره او اركاعه، مهما كانت قوة العدوان
وكثافة حشوده والساعين بين يديه.
لقد برهنت بغداد، انها من بين عواصم قليلة في هذه الدنيا، الاقدر
على اعادة صياغة التاريخ، وكسر ارادة الغزاة، فرغم كل الدمار والموت والقصف العشوائي
وحملات الدهم، ما زالت ارادة العراقيين قادرة على التحدي، ومواصلة درب الجهاد، وبدلاً من ان تتقاصر قامات العراقيين، في
مواجهة الغارات والذبح الجماعي، اذا بهم يتعملقون، ويمرغون انف امريكا في التراب، فهي التي تبحث الآن عن مخرج، وهي التي تبحث بين المجاهدين عمن يحاورها، وهي التي تعيش
الازمة ويتململ شعبها من
مشاهد القتل التي يتعرض لها جنودهم، رغم
كل التعتيم، وهي التي تندفع باتجاه دول الجوار والاقليم
لتلعب دوراً في انهاء ازمتها وتسكين الوضع المتفجر في العراق، ورغم ان الكثيرين حول العراق، رهباً او
رغباً، على استعداد للعب مثل هذه الادوار المشبوهة، بل ربما مارسوا شيئاً من ذلك، سراً وجهراً،
إلا أن حال امريكا المائل في العراق لم يتعدل
ليتسع الرتق على الراتق.
لقد برهن العراقيون،
والمجاهدون من ابنائه على وجه الخصوص، انهم الأكثر فروسية في نزال المحتلين، والابرع في مداواة
عللهم وتعطشهم للدم، وبرهنوا ان صبرهم قبل نكايتهم في
القتال، من حير المحتلين وزرع في قلوبهم
اليأس، من ان يكون بوسعهم اخضاع
العراق او تركيع اهله. وهذا النموذج الفذ في
الصبر والقتال، وفي الهجوم المتواصل وحتى نهاية القوس، وبكل صنوف السلاح،
ومن موقع الاستشهاد والاستبسال، دون جزع او وجل، نموذج قابل للتكرار والانتقال، والى حيث تخشى امريكا ومن جاءت
لنصرته «اسرائيل». والمشهد الفلسطيني الذي يتحفز
لانتفاضة ثالثة، ويقف على ابواب مرحلة جديدة من وضوح مظلوميته
واستهتار امريكا ومعها «اسرائيل»
بحقوقه، بوسعه الآن ان يتعلم مما يجري في العراق، وان يلتقط ما يستطيع من دروس
العمل المباشر ضد المحتلين، وان تكون انتفاضته
القادمة، انتفاضة من بداية أعلى، وبوتيرة واشتباك غير مسبوق.
لقد جاءت امريكا من خلف البحار كما زعمت لتهدم وكراً للارهابيين!! فاذا بها تفتح على نفسها باباً من
الشر ليس في حسبانها. واذا كان هناك في المنطقة
من لا يزال مضبوعاً بامريكا،
ويعمل في أذية العراقيين ليحمي نفسه من
شرها، فإن عليه ان يتذكر ان
لحم العراقيين مسموم، ومن ينهشه سيقتل نفسه،
وان قوة العراقيين وانتصارهم، هي قوة للأمة وانتصار لها، ليس في بغداد
وحدها، ولكن حولها وصولاً الى أبعد مدى يمكن ان تستوعبه
الأحداث. ولهذا كان واجباً، على كل حر مؤمن بالأمة، يأنف الظلم والاستعباد وهدر كرامة الانسان،
ان يقف بكل قوته الى جانب
جهاد العراقيين، وان لا يكون اداة وبأي صورة لطعن ارادتهم او تحقير جهادهم.