تصاعد
المقاومة العراقية إذ يربك المحتلين وأذنابهم
بقلم : ياسر الزعاترة
لم يضف الرئيس الأمريكي
جورج بوش جديداً في خطابه الذي وجهه إلى الشعب ليلة الثلاثاء الماضي، إذ إن جوهره كان محاولة للملمة الموقف الشعبي
الآخذ في الانفضاض من خلف مشروع المحافظين الجدد
لمطاردة الإرهاب الموجه ضد الولايات المتحدة من خلال احتلال العراق!!
في مؤتمره الصحفي مع رئيس
الحكومة العراقية إبراهيم الجعفري قبل ذلك بأسبوع، بدا أن الرئيس الأمريكي قد نسي تماماً أن من يقف بجانبه هو
رئيس حكومة منتخب لدولة ذات سيادة حسبما يروج أركان إدارته، فقد تحدث عن بقاء قواته بمنطق صاحب
القرار كما هو الحال بالفعل، وليس بمنطق الاستجابة لقرار الحكومة العراقية أو البرلمان العراقي
المنتخب، مع أن هذا الأخير لم يعلم بقرار المطالبة بتمديد الاحتلال إلا من خلال وسائل الإعلام، فيما خرج
83 نائباً من نواب الجمعية الوطنية ببيان يستنكر ما جرى ويطالب بجدولة انسحاب القوات الأجنبية.
والحال أن الاستخفاف
بالحكومة العراقية كان وما يزال السمة العامة لسلوك الأمريكان، وهو ما اشتكى منه إبراهيم الجعفري في مجالسه الخاصة، لاسيما
في ضوء استمرار هيمنة البنتاغون ورموزه على مسألتي الأمن والنفط الأكثر أهمية، فيما يذهب
كثيرون في المعسكر الشيعي في العراق، وربما الكردي أيضاً إلى أن واشنطن ما زالت تراهن على إفشال
الجعفري وإعادة دفة القيادة إلى إياد علاوي،
والسبب برأي هؤلاء هو مخاوفها من علاقته
الوثيقة مع إيران، ولعل ذلك هو ما يفسر تعهد الجعفري في واشنطن بعلاقات وثيقة مع واشنطن حتى لو خاضت مواجهة
عسكرية مع إيران، إلى جانب انتقاداته الحادة لسوريا واتهامها بزعزعة استقرار العراق.
يأتي ذلك في ظل تناقضات
أمريكية واضحة بشأن الوضع الأمني في العراق، إلى جانب تناقضات مماثلة في صفوف الحكومة العراقية وحلفائها، فما بين
تصريحات نائب الرئيس ديك تشيني عن احتضار
المسلحين، وما بين تصريحات جون أبي زيد قائد عمليات المنطقة الوسطى عن
احتفاظ المسلحين بقوتهم خلال الشهور الستة
الأخيرة، ثمة مسافة شاسعة لا تقلل من شأنها البيانات التوضيحية، وهو ما ينطبق على تصريحات أركان الحكومة العراقية حول أحوال
«الإرهابيين» بعد عمليات البرق والرمح
والخنجر والسيف وأخواتها.
تطمينات الجعفري في مؤتمره الصحفي
آنف الذكر بشأن تحسن الأوضاع على الأرض لن تغير في حقيقة الصورة التي ترتسم مع تدفق الأخبار الواردة من
العراق حول العنف الدائر هناك، وهو عنف يبدو من
العبث حشره في دوائر الإرهاب، أو في دوائر الحرب على الشيعة بحسب توصيف مسؤول المجلس الأعلى
للثورة الإسلامية عبد العزيز الحكيم.
صحيح أن خطاب الزرقاوي تجاه الشيعة لا تنقصه العدائية، لكن الثابت بالمقابل
أن العمليات التي تجري لا تستهدف التجمعات
المدنية، أقله في الفترة الأخيرة، بقدر ما تستهدف الأجهزة الأمنية التي تعمل
مع قوات الاحتلال، والتي غدا من الصعب
التفريق بينها وبين المحتلين، لاسيما بعد عمليات البرق والرمح والخنجر وحيث رأى العراقيون بأم أعينهم كيف
يتفوق الجنود العراقيون على نظرائهم الأمريكان في
مستويات البشاعة والقمع.
ليس ثمة قتل على الهوية
كما يزعم الحكيم، فالمسلحون لا يسألون عناصر الجيش والأجهزة الأمنية عن دينهم أو مذهبهم، وقد كان من الضروري أن يسأل
الحكيم نفسه عن السبب الذي يوفر الفضاء الشعبي
لعمليات من هذا النوع، فيما ندرك تماماً أنه يعرف الإجابة؛ تلك التي تتمثل
في عمليات القتل والاعتقال والعقوبات
الجماعية التي ينفذها أولئك ضد شريحة واسعة من أبناء الشعب العراقي.
المسار السياسي الذي أشرنا
إليه هو طوق النجاة الوحيد للعراق وأهله والمنطقة، أما الإصرار على مسار العبث الجاري، فلن يؤدي إلا إلى استمرار النزف،
أو تطوره نحو الحرب الأهلية. وفيما نتمنى أن
يبادر عقلاء العراق من أمثال السيد السيستاني
والشيخ حارث الضاري والآخرون إلى التحرك للملمة
الموقف، فإن عدم حدوث ذلك لا بد أن يدفع نحو تحرك من طرف عقلاء الأمة في
الخارج مع رموز الداخل، فأمثال السيد فضل
الله وحسن نصر الله، ومرشد الإخوان (مهدي عاكف) والشيخ القرضاوي
والشيخ سفر الحوالي
عافاه الله، والشيخ سلمان العودة وأمثالهم قادرون على إخراج مبادرة سياسية
عنوانها المطالبة بإخراج الاحتلال وتوافق
وطني على عراق موحد تسوده العدالة. وإذا ما وجدت المبادرة صداها في الداخل العراقي فلن يكون أمام
المحتلين غير الرحيل.