مذكرات مجدى حسين
فى السجن
فى قضية يوسف والى
الحلقة 33
* المستشار عبد
الحميد يونس يدافع عن حزب العمل
* سعد الدين إبراهيم يؤيد حبس
الصحفيين
* إرسال شكوى
لرئيس الجمهورية حول حبسنا الظالم
* جرائم مفزعة تؤكد الانحطاط الاجتماعى فى البلاد
السبت 3 يونيو
2000 : الساعة 9 مساءا
لايوجد ما يلح
علىّ لكتابة المذكرات اليوم .. و لكنه جزء من علاج ضغط الدم أو لضمان الاحتفاظ به
منخفضا .. فأنا عادة لا أكتب فى السجن مذكراتى بصورة يومية ، و لكن مرتين أو ثلاث
مرات فى الأسبوع ، و لكننى حريص على الاحتفاظ بحالتى النفسية و الصحية فى أفضل حال
ممكن .و المذكرات إحدى أدواتى .. خاصة و أن حياتى
أضحت وحيدة أكثر .. بتقليص علاقاتى الاجتماعية بأهل العنبر .. و لابد من
استعواض ذلك بالحديث مع النفس ، خاصة و أن اعتزالى الحياة الاجتماعية فى العنبر
يوفر لى ساعات اضافية بالنهار من أجل العمل الجاد ، و اليوم لا توجد أحداث تُذكر
بالمعنى الحرفى للكلمة ، كان يوما عاديا جدا و لكنه كان لطيفا. لم يأت المحامون كما قالوا و هذا أمر سخيف
سواءا أكان منهم أو من النائب العام فالظروف الحالية تستأهل تكثيف الزيارات لنا ،
عدم مجيئ زوجتى معناه أن الأحوال مستقرة ، و انها على ما يبدو ستأتى يوم الاثنين
ان شاء الله ، لم يكن هناك إفطار ميرى كالعادة يوم السبت و لكن الجبنة البيضاء و
البصل و الحلاوة يأتون قبل الظهر ، و قررت
أن أكتفى بالكيك و الشاى ، و لكن سنسبرى أصر على اتحافى بشطيرة من البيض و
البسطرمة ، و خضت لليوم الثانى على التوالى مغامرة جديدة .. و هى شرب التيليو.. و
كنت قد طلبت من أهلى ارسال كل أنواع الأعشاب الممكنة مشفوعة بكتاب ابن سينا لمعرفة
كيفية الاستفادة بها و لكنهم أرسلوا الأعشاب بدون كتاب ابن سينا فأنا الآن أستخدم
الأعشاب بدون كتالوج !! و لكن الذى أعرفه عن التيليو الذى لم أشربه قط فى حياتى
انه يريح الصدر .. و قد لاحظت ان العلبة مكتوب عليها ان التيليو مختلط بأوراق
الجوافة و هذه الأخيرة معروفة فى فائدة الصدر .. و الحمدلله اننى لا أشعر بأى
متاعب فى الصدر .. و مع ذلك فان التيليو يجعلك تتنفس بيسر أكثر .. و وجدت ان مذاقه
محتمل بل لطيف .. و بعد نجاح هذه التجربة فاننى أستعد لاقتحام مرحلة أخرى
(الينسون) و أنا لا أعراف فوائده حتى الآن !!
و قد كان للتيليو
فصلا محدودا فى حياتى .. عندما كنت صبيا كان يأتى مدرس خصوصى لأخواتى يدرس لهن
الانجليزية فيما أذكر ، و كان ذو ملامح خواجه و كان يرتدى بيريه أزرق أو كحلى .. و
كان من شروط التعاقد معه أن يشرب فنجان تيليو أثناء أدائه للحصة و قد اضطرت والدتى
لشراء التيليو و كانت تعده له كلما جاء لأداء الحصة ، و كنا نضحك حتى الثمالة من
هذا الموقف ، و كانت رائحة التيليو عندما يغلى على البوتاجاز تخنقنا فى البيت .. و
كنت أعرف أن المدرس فى البيت كلما اختنقت من هذه الرائحة .. التى اعتقدت ساعتها
انها كريهة .. كانت هذه هى علاقتى الوحيدة بالتيليو على مدار 49 عاما !! حتى طلبت
بنفسى من زوجتى كل الأعشاب الممكنة للشرب فجاءنى التيليو و عندما أعددته للشرب أمس كنت أرتجف خوفا ، خشية أن تفشل
التجربة متأثرا بتجربتى المريرة فى صباى ،و لكن على خلاف المتوقع أعجبنى جدا ، و
ربما أوراق الجوافة أعطته مزاقا خاصا .
و لعل اهتمامى
بهذه الأمور من أعراض الشيخوخة المبكرة ، و لكن بلاشك فنحن أمام زاوية خطيرة من
زوايا التبعية الثقافية و الحضارية .. لقد هجرنا مشروباتنا الوطنية .. و اكتفينا
بما يشربه الانجليز و الغربيون من شاى و قهوة .. و أنت عندما تركب الطائرات ليس
أمامك خيار سوى بين الشاى و القهوة ، و فى الفنادق ليس أمامك سوى هذين الخيارين ..
انها حقا تبعية القردة .. بل أظن ان القردة أكثر ذكاء و حصافة من ذلك .و للشاى و
القهوة فوائد و لكن محدودة كمنبهات ، و هناك إجماع بين العلماء ان الاكثار من
الاثنين يورد موارد التهلكة ، و قد اكتشفت فى هذا السجن الفوائد الجمة للنعناع ليس
للمعدة ،و معالجة مشكلة الهضم فحسب و لكن كمهدئ طبيعى .. أفضل من الفاليوم و
الترانكيل. كذلك فقد استمتعت فى السجن
بعزومات لشرب الجنزبيل و الحلبة المطحونة بلبن أو بدون لبن .. و أخذت أضرب كفا بكف
.. على ما ضيعته من هذه المتع ، بحكم العادات الرذيلة و المناخ المحيط بنا الذى لا
يتحدث إلا عن الشاى و القهوة .. و لا أعتقد اننى الوحيد الذى بدأت أكتشف هذه
الحقائق الفاضحة .. فالأمة تستيقظ بلا شك على شتى المحاور .. و قد تذكرت أن بوفيه
الحزب فيه نعناع و ينسون و كركديه و تذكرت ان هذه المشروبات بدأت تعود لتحتل
مكانتها المستحقة .. و قد وعدنى أحد قرائى فى عنبر 4 و الذى أتحفنى بكوب حلبة
مطحون ، وعدنى بكوب مُغات .. و قلت له رغم ان المغات تشربه المرأة عقب الولادة ،
إلا انه جميل و نحن نشربه فى "السبوع" على حس المرأة الوالدة و نعجب به
، و لكنه دسم فيمكن أن يكون افطارا و عشاء ! و لازلت فى الانتظار. فى صحف اليوم .. كان بالأهرام تحقيق معقول عن
حبس الصحفيين ، و كان من المضحك ان دكتور سعد الدين ابراهيم الامريكى الهوى و
الجنسية و مدعى اللبرالية يؤيد حبس الصحفيين .. و هكذا فان كل الأقنعة تسقط .. و
كل هذا مفيد فى المرحلة القادمة و أخبار اليوم انقطعت عن المهاترة مع حزب العمل
كما ينقطع الطمث عند المرأة ، و المعروف ان المحيض أذى ! كذلك شئ من هذا فى
الجمهورية ، فيبدو أن هناك تعليمات بوقف المهاترات ، و عدم اثارة الموضوع من أصله
فى شتى المجلات و الصحف الحكومية ، إلا ان المستشار عبد الحميد يونس أفلت من هذا
التوجه فى مجلة أكتوبر و كتب مقالا رائعا
عن حزب العمل و تاريخ مصر الفتاة و أغلظ القول على قرار تجميد الحزب و على لجنة
الأحزاب بلغة القانون .. فكان رائعا ، و لولا ارهاقى لأعدت كتابته بالحرف فى هذه
المذكرات لأن بعد كلامه لا يمكن أن نضيف شيئا .. و بالتالى فان مقاله هذا أفضل بكثير
من مقاله الذى كتبه من قبل فى الأخبار .
و المستشار عبد
الحميد يونس يذكرنى بالأستاذ فؤاد نصحى ، من زاوية التوقف عند لحظة 1949 ، 1950 ، فى تاريخ الحزب ، فهو
غير موافق على تطور الحزب اسلاميا و يكتفى بالمرحلة الاشتراكية ، رغم ان
اشتراكيتنا كانت دائما مستقاة من الاسلام
..و المستشار يونس غير مرحب بالتوجه الاسلامى لحزب العمل .. و أذكر انه كتب منذ
سنوات فى أكتوبر يعاتبنى أننى أطلقت لحيتى ، و قال إن شكلى يكون أجمل بدون لحية !!
و لا أذكر أننى قابلت المستشار يونس رغم قربه من والدى و لعله كان يزوره و أنا صبى
صغير ، أما فى كهولتى فلم يسعدنى الحظ بلقائه و لكننى أتابع ما يكتبه فى مجلة
أكتوبر
*******
و قررت الترفيه عن
نفسى بقراءة صفحات الحوادث و الفن ، فوجدتها مليئة بالكوارث و لم أجد فيها ترفيها
الا بمعنى تغيير موضوعات القراءة ، و هذا ما وجدت اليوم فى صحيفة الأحرار على سبيل المثال :
1- سقوط شبكة
دعارة فى الهرم تضم 80 فتاة و ممثلة يتزعمها بواب . و من بين عضوات الشبكة طليقة
ضابط شرطة و ابنة زوجة ضابط شرطة. و
الدعارة موجودة فى مصر دائما .. و لكن أعتقد أن الأمر اتسع نطاقه بشكل وبائى .
2- قصة مجنون وفاء
عامر الذى ذكرنا بمجنون يسرى ، و هذه ظواهر جديدة .
3- أربعة أشقياء
يسرقون سيارات النقل بعد قتل أصحابها و دفنهم بالصحراء و هذه من الظواهر الجديدة ،
فمصر كانت مشهورة باللصوص الظرفاء الذين يسرقون دون قتل ، و لكن هذه أصبحت موضة
قديمة لا تتواكب مع العولمة .
4- عصابة للاتجار
فى الأطفال بالمنصورة .. المتهمون و هم
موظفون مسئولون بمركز رعاية الطفل بالمنصورة .. باعوا 8 أطفال بـ 200 جنيه للواحد
.. و حرروا لهم شهادات وفاة .. و هذه من الظواهر الجديدة فى عصر الازدهار الحضارى
.. جريمة لم تعرفها مصر من قبل .
5- مواطن يشنق
نفسه فى غرفته بسبب ظروفه المادية الصعبة .
6- و فى الصعيد ..
فى مغاغة .. رميو ذبح عشيقته بعد سهرة حمراء ، بعد أن حملت منه ، و العشيقة
الذبيحة زوجة لرجل عمره 75 عاما و مصاب بالعقم . يالا الهول !!
7- ضبط عصابة
لتزوير العملات المالية فئة 50 جنيها باستخدام الكومبيوتر .. أيـ .... ـه .. عولمة
!!
أما فى صفحة الفن
.. فقرأت موضوعا كان يستحق أن يكون مانشيت .. و هو أن الأفلام المصرية القديمة
معروضة للبيع لأحد الأجانب .. و ربما كان اسرائيليا .
******
أما على الصعيد
الاجتماعى و السياسى و الاقتصادى العام فلا أرى أن الدولة المصرية تعرضت للتحلل
الذى تعانى منه الآن إلا فى عصور انحلال الدولة فى مصر الفرعونية .. أحسب أنه لا
توجد حكومة فى العالم .. تشهد هذا الارتباك المضحك فى أمور لا يمكن أن تعتبر خطيرة
أو استراتيجية ، فحكاية التخبط فى الموقف من هدم الفيلات .. يصلح لفيلم كوميدى
ناجح ، كذلك فان تواصل تسرب أسئلة الامتحانات و الاتجار فيها علامة أخرى على تحلل الدولة ، و هذا ما كان
يمكن أن يحدث فى مصر من قبل ، و المسألة لا يمكن أن تفسر بالفقر ، فقر المدرسين و
الموظفين ، فالفقر كان موجودا دائما ، و لكنه انحلال أخلاقى .. و أزمة قيم .. و
سعى للمال و الاستهلاك بأى وسيلة . و من الطبيعى أن تتعامل الدولة بكل هذا التخبط
مع مشكلة "وليمة أعشاب البحر" .. فوزير الثقافة مايزال متربعا على عرشه
، بينما صحيفة الشعب مغلقة .. و الحزب جُمد .. بينما الأزهر يؤيد موقف الجريدة و
الحزب .. ماهذا العبث ؟! لعنة الله عليكم . و تذكرت دعاء سيدنا نوح الوارد فى
القرآن الكريم : "رب إنى دعوت قومى ليلا و نهارا فلم يزدهم دعائى إلا فرارا و
إنى كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم فى آذانهم و استغشوا ثيابهم و أصروا و
استكبروا استكبارا ثم أنى دعوتهم جهارا ثم أنى أعلنت لهم و أسررت لهم إسرارا فقلت
استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا و يمددكم بأموال و بنين و
يجعل لكم جنات و يجعل لكم أنهارا ما لكم لا ترجون لله وقارا " . صدق الله
العظيم
********
قمت اليوم بتسليم
شكوى لرئيس الجمهورية عبر دكتور زكريا عزمى رئيس الديوان الجمهورى و وعدنى المأمور
بأرسالها عبر مصلحة السجون . و علمت ان الصول مفتاح سيزوج ابنته يوم الخميس القادم
و هى بنت 17 عاما ، فدعوت لها بزواج مبارك و سعدت بهذا الزواج المبكر و اسمها صفاء
، و الأصغر منها اسمها رانيا .. قلت : يا
حضرة الصول مفتاح تسمى بنتك رانيا .. أنت خواجة و لا ايه .. و تذكرت مسرحية ريا و
سكينة عندما قال الممثل ان أمه اسمها "رشا" !! و قد كان صف ضابط بالشرطة
أيضا !!
و فى الثانية ظهرا
بالضبط كان اجتماع لجنة حزب العمل بطره و تدارسنا الأحوال السياسية العامة و
المحيطة بالحزب .
و كانت نهاية
أحداث اليوم .. مباراة تنس .. و قد أصبحت أكثر اطمئنانا للعب ، و انه لن يضرنى
باذن الله .. و أصبحت أقل اجهادا و أدق تصويبا ، و سعدت بالحصول على خصم سهل .. هو
عصام حنفى الذى لا يجيد التنس اجادته للرسم و الحمدلله فهزمته اليوم 6 / 1 و بدون
مجهود كبير ، فى مجموعة واحدة لم تستغرق 20 دقيقة .. و الأفضل ألا ألعب مع أحد
غيره !!
*******
يبقى أن زنزانتى
أصبحت أكثر روعة بعد حصولى على جهاز كهربائى لمقاومة الناموس .. و هذا أوفر من
الرش .. و أكثر صحية .. و بذلك أسدل الستار على ملحمتى مع الناموس .. و يبدو ان
الكتيب الذى سأخصصة لمعاركى على هذه الجبهة لن يكون كبيرا .. فلن تكون هناك تطورات
جديدة باذن الله .. و قد أتاح لى هذا الجهاز أن أفتح شباك باب الزنزانة .. الأمر
الذى يدخل هواءا منعشا .. حيث يصبح بالزنزانة تيار هوائى .. كما أننى من خلال
أسلاك هذا الشباك أستطيع أن أرى فى أى وقت فناء السجن و جزءا كبيرا من شجرة التوت
التى زرعها الاستعمار الانجليزى البغيض (!! ) فى هذا السجن و هى مزروعة أمام
المكتبة التى نستعير منها الكتب ، كذلك فان فتح الشباك ليلا يسقط كثيرا من الاحساس
بالوحدة .. فهذا شاويش يمر ، و هذا ضابط يفتش ، و هؤلاء مساجين ذاهبون الى الفرن
.. و هذا ضوء إضافى يغمر الزنزانة ، و هذه القطط تمرح و تخرج من العنبر و تدخل
اليه بسهولة بينما لا نملك نحن ذلك بعد الإغلاق
.. و كل هذه التطورات لا تؤثر على عزلتى و لا تقطع برامجى المستمرة بلا
هوادة و لكن فى جو من الونس
ربنا لك الحمد
********************