الانتخابات
الإيرانية
بقلم: الشيخ
راشد الغنوشي
فاجأت نتائج
الانتخابات الإيرانية الجميع إذ لم يكن أحد يتوقع أن يصمد أحد في وجه الشيخ رفنسجاني وأنه سيحسم المعركة منذ الجولة الأولى فلا يصل الامر الى الدورة الثانية مما هو
غير معهود أصلا خارج دائرة الدول الديمقراطية العريقة. وكانت تلك أول مفاجأة
والثانية أن لا يكون في المرتبة الثانية وبفارق قليل ليس شيخ من شيوخ الثورة رئيس
البرلمان السابق الاصلاحي مهدي كروبي وإنما شاب مغمور
من جنوب طهران الفقير، لم يكن اسمه قبل حملته الانتخابية متداولا خارج ايران بل خارج طهران، هو محمود أحمدي نجادي الذي بزغ اسمه من
وراء الضباب فجأة، شابا يتوقد حماسا في دفاعه عن الفقراء ووعدهم بالعدل وإعادة
الاعتبار للاسلام ثورة المستضعفين وحربا على الفساد
والمفسدين ، فبدأ العالم يتلمس طريقه نحو
الرجل، فعرف أنه نهض بأدوار مهمة في تاريخ الثورة حارب على جبهة العراق ضمن الحرس
الثوري وشغل رئيسا لبلدية من أكبر بلديات العالم وحقق فيها نجاحات باهرة، بما جعل
مساره شبيها بمسار الطيب أردوجان عبر بلدية اسطنبول أو
الرئيس شيراك عبر بلدية باريس. والمفاجأة الثالثة كانت
تفوقه الساحق على رمز من أهم رموز الثورة ومعدود الشخص الثالث بعد المرشد ورئيس
الجمهورية خاتمي إن لم يكن الثاني، فقد كان من المقربين لمؤسس الجمهورية ورئيسا
لمجلس الشورى ورئيسا للجمهورية لدورتين ورئيسا لمؤسسة تشخيص مصلحة النظام.
لقد صنع نجاد المفاجأة التي أذهلت العالم. ووجود عنصر المفاجأة في
الانتخابات مؤشر من مؤشرات صدقها وانتمائها الى عالم
الديمقراطية، بما يجعل المقارنة مع الانتخابات العربية – عامة- عديمة الجدوى، إذ
المقارنة بين المتشابهات.
وفوز بهذه النسبة
المرتفعة 63% من أصوات المقترعين مع فارق يزيد عن الضعف مع المنافس يجعل التفسير
على أساس التزوير غير مقبول حتى مع افتراض حصول تدخلات من جهات نظامية لصالح
الفائز. فقد تكون تلك الجهات قد تدخلت في انتخابات سابقة حقق فيها خاتمي زعيم الاصلاحيين فوزا مماثلا ضد مرشح المحافظين، وفشلوا في صد
موجته الكاسحة، وهو ما يدعو إلى البحث عن تفسير خارج ذلك.
لقد شغل خاتمي رئيسا
للجمهورية لدرورتين قادما على راس
موجة شعبية عارمة حاملا لواء الدفاع عن الحرية عن الديمقراطية الإسلامية والعدالة
الاجتماعية ووضع حد للفساد ومناصرة الاقليات المضطهدة. وبعد
زهاء عقد من حكمه لم يحقق من وعوده الكثير، غير توسيع حرية التعبير مع بقاء سيف
المنع ومصادرة الصحف مشهرا فوق رؤوس الصحفيين. ولم يكن
اهتمامه بحوار الحضارات والثقافات ومشاركة النساء موازيا ومساويا لاهتمامه بهموم
بطالة تطحن نسبة من الشباب قد تصل إلى 30%. ولم يفعل كثيرا في الحد من اتساع الهوة
بين الفقراء الذين يزدادون فقرا وبين القلة المنتفعة بثمار النمو، وبالخصوص مع
تصاعد أسعار الطاقة (ايران الدولة الرابعة المنتجة
للنفط). فلا هو نجح في الدفاع عن الحريات وصد المؤسسات المحافظة التي تلاحقها مثل
القضاء، ولا هو حقق شيئا مذكورا في الدفاع عن الاقليات
المضطهدة والطبقات الضعيفة، ما جعل موعودات الاصلاحيين
بلا حصيلة تذكر يستمسك بها، غير التلويح بإمكان التنازل
لخارج هو الآخر يزداد تطرفا واستهدافا للجمهورية بقيادة تحالف الليكود واليمين
المحافظ طالب راس ايران. من
هنا كان الاحباط والرغبة الجامحة في التغيير وتجديد
خطاب الثورة عودا الى أصولها وأيامها الأولى ونفسها
الملتهب باعتبارها ثورة المستضعفين باسم الاسلام. فقد أثر على النجم الصاعد خلال حملته الانتخابية نقدا للخطاب
الإصلاحي: نحن لم نقم بالثورة من أجل الديمقراطية. بل من أجل الإسلام. وهو بالقطع
لا ينتقد نظام الجمهورية المستوحى في كثير من آلياته من الديمقراطية، وإنما هو
ينتقد الليبرالية الإصلاحية التي تركز على الحريات منجذبة الى
النموذج الغربي المنفلت، وتحاول جاهدة التصالح مع ذلك النموذج ولو بالتضحية بقيم
إسلامية أساسية، لا سيما وقد تجمع حول خاتمي زعيم الاصلاح فئات ليبرالية ويسارية وقومية شوفينية
مولهة بالغرب ولا تتوفر على قدر كاف من المودة للاسلام،
بل تبلغ حد استهداف النظام الاسلامي والعمل على تقويضه،
كل ذلك مع غض الطرف عمن هم في قاع المجتمع من المستضعفين وعن هموم مجتمع تصل نسبة
الشباب فيه 60%. إنه زلزال انطلق من أعماق المجتمع ومن جذور الثورة وايامها الأولى شان الشعوب عادة لمّا تشعر بالضياع تؤوب الى لحظات المجد والتأسيس في تاريخها لتجدد من خلالها
الانطلاق وتصحح ما اعوج من مسارات وتستجيب للتحديات الداخلية والخارجية المستجدة. وليس
من دون دلالة أن يكون الجواب عن التطرف الامريكي
استدعاء مواريث الايام الاولى
للثورة، ودفع شاب متهم بقيادة عملية احتجاز الرهائن الشهيرة، الى
سدة الحكم. لا يعني ذلك ضرورة العود على بدء واستنساخ
الماضي، فالماضي لا يعود.
لماذا يستوقفنا هذا
الحدث ؟
هناك جملة أسباب لعل أهمها أننا إزاء تجربة تتمتع
بحظ غير قليل من الديمقراطية تجري في عالم إسلامي مسحوق بالدكتاتوريات، كل تغيير
تكون أداته صناديق الاقتراع هو سير في الاتجاه الصحيح وهزيمة للدكتاتورية في
المنطقة والعالم.
هذه التجربة تجري تحت
غطاء ايدولوجي اسلامي. وبصرف
النظر عن الحكم على المذهب الجعفري، فهو معدود لدى جمهور أهل السنة واحدا من
المذاهب الاسلامية الثمانية التي يجوز التعبد بها، فكل ما له صلة بهذه الدائرة من الطبيعي أن يحوز على
اهتمامنا، لا سيما وأن فقيها كبيرا معاصرا بوزن العلامة
وهبة الزحيلي صرح في مقدمة موسوعته الفقيه "الفقه
على المذاهب الثمانية" أنه في استقصاءاته الفقهية المقارنة بين مذاهب أهل
السنة ومذاهب أهل البيت لم يضفر بأكثر من سبع عشرة مسألة.
- هي تجربة تجري في
بلد اسلامي مهم حجما وتأثيرا في الساحة الاسلامية والدولية وعلى المستوى العربي والإسلامي. بلد
بإمكانات بشرية (70مليون) وثروات معدنية و بترولية هائلة. وأهم من ذلك يحمل مشروعا
وطموحات، ويواجه نفس التحديات الدولية التي تواجهها الامة
وبالاخص التحدي الصهيوني، وذلك بصرف النظر عن منهج
تنزيله لتلك الطموحات وتعامله مع التحديات توفقا أو فشلا .
- هي
تجربة ثبتت في معركة البقاء وملكت عناصر الاستمرار رغم أنها ووجهت مواجهة دولية من
الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ومن العرب أيضا للأسف. – تجربة نجحت حتى الآن
في مواجهة التحديات الخارجية بأقدار غير القليلة من المزج بين السياسة والقوة،
وذلك استنادا الى الإجماع الحاصل داخل النخبة رغم
اختلافاتها الصاخبة
حساب الربح والخسارة
في هذا الحدث؟
الرابح في هذه الانتخابات هم المستضعفون ومبادئ
الثورة وفلسطين والمقاومة عموما وكذلك الإسلام والديمقراطية أما الخاسر فهم
الأمريكان ووكلاؤهم والصهيونية والفساد
ولذلك فليس من الغريب
أن يقع في الفترة القادمة تصعيد تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل وان يكون لهذا
الحدث انعكاسات ايجابية عل الوضع في العراق وإضعاف للموقف الأمريكي وللتطبيع
وتطوير للعلاقات العربية يقابله توتر مع بعض الأنظمة المتصهينة
عندما تولى خاتمي
السلطة سنة 1997 كانت نسبة البطالة ولا تزال تتراوح بين15و30% وعلى الدولة ان توفر 800 ألف فرصة عمل سنويا. الاصلاحيون
دفعوا ثمن فشلهم كأي حزب حاكم إذ تراجع الاقتصاد أو في الاقل
لم يشهد تحسنا رغم أسعار البترول. بينما حجم الفساد تضخم.
نجاد خاض معركة باسم
الفقراء، باسم تراث الخميني والدفاع عن مكانة ايران والاسلام في العالم. ويظل التحدي الرئيسي في كل الاحوال كيف سيحسّن
الاقتصاد دون تخفيف للدعم الذي يستفيد منه هؤلاء الفقراء الذين جاؤوا به إلى الحكم. كيف سيجذب الاستثمار الخارجي والداخلي دون
التخفيف من قبضة الرقابة على الصحف وعلى القضاء ؟.
بالنسبة للبرنامج
النووي والعلاقات مع أمريكا، لا يتوقع اختلاف كبير لان المسالة مسالة كبرياء قومي
رغم ان نجاد انتقد المفاوضين الاصلاحيين
واعتبر انهم قدموا تنازلات غير ضرورية للطرف الغربي.
وفي كل الاحوال فالثابت أن ايران تستشرف
مرحلة جديدة من تطورها يتحد فيها القرار الايراني بعد
أن كان لسنوات طويلة موزعا بين الاصلاحيين والمحافظين
ويعيق أحدها الآخر، بما جعل من نظام الجمهورية برأسين بل قل بعدة رؤوس وإن كانت
ذؤابة الميزان ممسوكة بقوة بيد المرشد الولي الفقيه، فما هو بالنظام الديمقراطي
المعروف ولا هو بالنظام الدكتاتوري القائم على مسمار، ينهار بانهياره. إنه نظام
بالغ التركيب واستصدار القرار فيه معقد جدا.
ولكن مع توحد القرار الايراني وراء المحافظين وفي مناخات
من التطرف الامريكي الواقع تحت وطأة الدهلزة الليكودية، منتظر تصعيد أمريكي صهيوني ضد الجمهورية
ومواجهة لها بذريعة إحباط مشروعها النووي. وليس مما يؤخر تلك المواجهة أو يضعفها
غير التورط الامريكي في العراق
هناك من يرى أن
الإصلاحيين لم يحسنوا الإفادة من الفرصتين اللتين أعطيتا لهم عندما اهتما بالنخب
وأهملوا الجماهير واهتموا بالديمقراطية ونسوا العدالة ولذلك صوتت الجماهير لابن
الحداد المنشد صاحب الصوت الجميل، المناضل في صفوف الثورة وصاحب المهام الصعبة وذو
التجربة الناجحة في إدارة بلدية طهران. جاء به الإيرانيون تقديرا لنظافته وبساطته وقربه منهم كما عبر عن
ذلك احد المواطنين" انه واحد منا"
في هذه الانتخابات
القضايا التي حسمت كانت قضايا الداخل وليست قضايا الخارج هي العامل الحاسم شأن
الدول الكبرى والديمقراطيات العريقة حيث قلّما تكون السياسة الخارجية موضوع صراع
باعتبارها تعبر عن المصلحة القومية للامة، مثل الموقف
من البرنامج النووي ومن التصالح مع دول المنطقة عدا الكيان الصهيوني، ودعم القضية
الفلسطينية وحزب الله.
سياسة إيران النووية
مبنية على أساس عدم التنازل عن حق تخصيب اليورانيم
وتوظيفه للاغراض السلمية مثل توليد الطاقة، وذلك
باعتبار حرمة الاستخدام الحربي للسلاح النووي حسب فتوى المرشد. ايران مصرة على ذلك ولكن مع تجنب التصادم مع مجلس الأمن أو
تقديم الذرائع لأمريكا لفرض عقوبات أخرى عليها. وتستعين الجمهورية في تنزيل هذه
السياسة بالانفتاح على الخارج، والتعاون خصوصا مع أوروبا-
روسيا- الصين – والدول العربية. ولقد انتقل هذا التعاون من الموقع الإيديولوجي إلى
منطق المصالح المتبادلة.
الملاحظ أن الممانعة
من هذا الانفتاح والتعاون جاءت من أمريكا وليس من إيران وذلك رغم تعاون ايران ضمن حدود معينة مع أولئك في حربهم على افغانستان والعراق، باعتبارها مستفيدة من سقوط عدوين لدودين
لها على يد "الشيطان الاكبر"، ولكنها مصلحة
قد تكون عابرة وتداو بالداء، وهو ما أسهم في تصعيد التوتر المذهبي بين السنة
والشيعة على امتداد المنطقة ، وقدم للجماعات السلفية مادة لتسعير العداوة ضد
الجمهورية والتشيع عامة، وأعلى من أصوات التكفير والتشدد المذهبي، مع أنه تصعيد لا
يفيد منه غير أعداء الطرفين.
وفي كل الاحوال يمكن لحكومة نجاد ابن الحداد أن يسهم في إعادة ترتيب
هذه العلاقات، بما يدعم وحدة الامة ويخمد نيران التعصب
المذهبي الحارقة والحالقة. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب
العالمين .والى لقاء بكم جديد في فضاء البالتوك
الثلاثاء المقبل إن شاء الله والى أن يحين الموعد أستودع الله دينكم وأماناتكم
وخواتم عملكم.