قراءات في دلالات الانسحاب (3)
بقلم :د. أحمد نوفل
3- استثمار الحدث صهيونياً.. وعربياً
كانت غزة جمرة ملتهبة
أحرقت أيدي الغزاة المحتلين. وكانت شوكة وغصة في حلوقهم.
وكانت بما ينطلق منها من عمليات مقاومة غابة من الرماح
يستحيل العيش فيها أو التعايش معها. وكانت بكثافتها
البشرية (ربما الأعلى في العالم) كانت للشعب الذي يريد أن يحتلها ويبتلعها، كانت
بحراً بشرياً هو يبتلع الغزاة، فكان حتماً مقضياً على الغزاة المحتلين أن يغادروا.
لكن تأبى عقلية شيلوك إلا أن تتغلب وتطفو على السطح، وتطفح على وجه الاحداث، فقام الصهاينة يحلبون هذا الحدث، ويمتصونه حتى
الثمالة، لا يدعون فيه جانباً إلا انتهزوه واستغلوه.
وأول الاستثمارات في
حدث الانسحاب من غزة: الترويج في العالم العربي والاسلامي
-الذي يستحيي من التطبيع دون خطوات من الصهاينة- فكان الانسحاب، وكان الترويج ان الأمور مع الفلسطينيين على أحسن ما يرام، وأنه يا عالم
العرب وأنظمته الذين يستترون بالتطبيع، لا مسارة بعد،
بل معالنة ومجاهرة، ومن هنا كان اجتماع وزير خارجية «برويز» مع شالوم تحت غطاء هذه «الحلحة»، وهذا الانفراج، فهذا الانسحاب يرفع الحرج عن أنظمة
تريد اعلان التطبيع بدل اسراره.
ولقد قالت باكستان: ان فلسطين (السلطة يعني) وآخرين قد
ضغطوا (..) لاجراء هذه الاتصالات بين باكستان والصهاينة.
فأول الأثمان: اختراق
العالم العربي والاسلامي، والتسريع في التطبيع.
وثاني أثمان هذا
الانسحاب جمع سلاح المقاومة، وتجريم أي فعل مقاوم، واعتبار هؤلاء الأبطال خارجين
على السيادة والسلطة ومعوقين لقيام دولة فلسطينية بل ويتمادى البعض اذ يعتبرهم في خدمة المشروع الصهيوني (أي المقاومين)!! ولقد
أعلن «أولمرت» من أمريكا قبل أيام انه يتعين الان على السلطة جمع السلاح والقضاء على الارهاب،
وتفكيك الجماعات المسلحة (وهو ما عجزت عنه دولة الصهاينة طيلة عقود!) وأضاف ان هذا جزء من الاتفاقيات بين الجانبين وان على السلطة ان تقوم به (وليس مندوباً أو
تطوعاً). ونحن نعلم البنود السرية، والاجندات المخفية
من فم مسؤولي الدولة العبرية..
وهذا الامر يعني بطريقة أو بأخرى اشعال
فتيل الحرب الاهلية، فاذا تم
لهم ما ارادوا، جاؤوا بعد خراب البصرة، فاعادوا احتلال غزة، بدعوى ان
الشعب الفلسطيني لا يصلح له أن يقيم دولة.
وأقصر الطرق وأيسر
السبل لتكريس الاحتلال، اشعال فتيل الاقتتال، بين أبناء
الوطن الواقع تحت الاحتلال..
وللأسف فقد بدأت
اللهجة تحتد، والتصريحات تشتد، والكلام عن وحدانية التمثيل للشعب الفلسطيني،
والقرارات السيادية (التي لم نكن نسمع عنها وقت الوقوع تحت قبضة الاحتلال).
وكل يوم صار الخليفة
العباسي يعقد مؤتمراً ويملأ الشاشات، ويملأ الفضاء ضجيجاً وعجيجاً..
ومعلوم ان الإعلام هو الذي يصنع الأعلام، وهذه أوضاع من فئة جمهوريات:
«ميكروفونيا» العظمى! (من ملك ميكروفونا صنع سلطة!).
وتأملوا الذكاء
الصهيوني (الشيلوكي» أنه لا يدفع ثمن شيء.. ويجعل
الحلول دائماً من كيس الخصم وعلى حسابه. ومع هذا يقول «نتنياهو»:
ان «اسرائيل» لم تأخذ شيئاً
في مقابل انها هي أعطت كل شيء!!
والقصة -الطرفة- الشهيرة
تعبر عن حالهم: اذ زعموا ان
فلسطينياً اشتكى من ضيق مسكنه -بما اغلق اليهود من غرف
وضيقوا من سبل- فنصحه يهودي بأن يربي في البيت خروفاً، فلما قابله شكا له صاحب
المنزل انه أصبح أضيق.. فنصحه بأن يخرج الخروف فيتسع البيت. (بالمختصر!).
وهكذا حلول الصهاينة.. تصدير أزماتهم الى حمى الآخرين والى صفوفهم.
وثالث الاثمان المقبوضة: تحسين صورة الصهاينة في العالم، فالكل الآن
يروج لتضحيات «اسرائيل»، وبذلها السخي من أجل دفع عجلة
السلام، حتى العربان يعزفون هذه النغمة. وانه في المقابل على الآخرين ان يقدموا، وان يبذلوا، وتضحية بتضحية، وتنازل بتنازل.
وهذا يدلف بنا الى النقطة الرابعة من أثمان الانسحاب: ترسيخ الاحتلال الاسرائيلي للضفة الغربية، وإضفاء الشرعية على المستوطنات
المقامة على الارض الفلسطينية في الضفة الغربية، فهنا
في غزة تجمع الفلسطينيين أو ما يتوهم انه أرض الدولة الموعودة، وهي رقعة محاصرة
بلا سيادة ولا استقلال ولا قوة.. وليس فيها الا أجهزة
أمنية تراقب الناس، وحتى الانظمة العربية اذا ارادت ان
ترسل الى غزة أحداً لا يبعثون الا
مبعوثي الاجهزة الامنية،
فهذا ترسيخ انها ليست دولة، ولكنها سجن كبير فيه فرق من
السجانين يزورهم سجانون، وكل سجن وأنتم بخير.
هذه بعض أثمان يريد
الصهاينة قبضها من جراء انسحاب كان مفروضاً عليهم وليس كرماً منهم وهم الذين «لا
يؤتون الناس نقيراً» كما شهد الذي خلقهم، سبحانه.
وفي المقابل، ماذا خططنا نحن لتعظيم أرباحنا
وفوائدنا من هذا الانسحاب؟ هل حاولنا رفع معنويات الجماهير على اعتبار انه انسحاب تم تحت مطارق المقاومة؟ أم ان
الذي زاولناه على النقيض بدعوى ان
الانسحاب جزء من «خارطة العليق» هل حاولنا تعزيز لحمة الوحدة الوطنية؟ أم ان العكس هو الذي حدث؟
وبعد.. فان في
الانسحاب وجوهاً عديدة وجوانب كثيرة تتطلب التأمل والدراسة ومزيداً من القراءة.