جدار الترحيل وتوسيع المستوطنة الصهيونية الاشكنازية

تسمية "جدار الفصل العنصري"... تطبيعية

 

 

 

بقلم : د. عادل سمارة

 

     كُتبت كميات هائلة من اللغة واللغو والاحتجاج وحتى الخطاب عن الجدار الذي تقيمه القيادة الصهيونية الاشكنازية في فلسطين المحتلة ليغتصب أكبر مساحة ممكنة من الضفة المحتلة وليحاصر بقية هذا الجزء الصغير من فلسطين المحتلة نفسها ليظل بعيداً عن المستوطنين اليهود قدامى (في مناطق 1948) وجدداً (1967). وتعددت التحليلات للأسباب والدوافع وراء ذلك. وإلى جانب هذا حاول فسطينيو الارض المحتلة جهد انفسهم إيقاف هذا الجدار. وبما أن المقاومة ضد هذا الجدار اتخذت طابعاً سلميا مدنيا احتجاجيا، فقد تمكن الكثيرون من الانتهازيين والتطبيعيين الذين لا تاريخ كفاح مسلح او سياسي فعلي لهم، تLكنوا من نسب النضال ضده لأنفسهم ولا سيما فريق  "الأنجزة". كيف لا وهذا الفريق لا يؤمن بالكفاح المسلح، ولذا، طالما حاول إحتكار العمل ضد الجدار ليبني لنفسه رصيداً، حتى لو فقيرا، كي يفاخر به اصحاب الشرف الرفيع، اقصد الذين يقاومون بالكفاح المسلح والسياسي معاً.

 

             وليس هذا المقال لتقسيم الحصص بين القوى السياسية فيما يخص الجدار، فكل طرف سياسي فلسطيني له سجله ورصيده عن الشعب  الذي يعرف من هو التطبيعي ومن هو المناضل، من هو الانتهازي ومن هو الاستشهادي، من هو نصير الحقوق الاجتماعية الحقيقية ومن هو الذي ينسخ تعليمات وتعاليم الثقافة الراسمالية الغربية...الخ.

 

             إن هدف المقالة مناقشة مسألة الجدار نفسها، أو تحديداً الإشارة الى الجدران العديدة التي تحيط بنا قبل إقامة الجدار الاسمنتي بكثير، وهذا يواجهنا بنقدٍ شديد هو أننا لم نتنبه كما يجب للجدران العديدة قبل الجدار الاسمنتي.

 

             يحلو لكثير من الفلسطينيين تسمية الجدار الصهيوني هذا بجدار الفصل العنصري. وفي اعتقادي ان هذه التسمية هي سقوط من قبل البعض وتوريط مقصود في الخطاب الصهيوني نفسه من قبل آخرين، اقصد الملتزمين بالتطبيع والذين تحديداً يتجاوزون حق العودة ويشطبونه.

 

             يعني  تعبير "جدار الفصل العنصري" ان الطرفين الذين على حافتي أو وراء الجدار شرعيين بنفس الدرجة، وأن واحداً منهما عنصري لا يريد الاختلاط بالآخر. وعليه، تكون الإدانة على الطرف الذي يرفض الاختلاط، او يميل الى الانفصال بأنه مجرد عنصري، كأن تقول إيفانجيلست في اميركا او نازي في المانيا او جبهة وطنية من حليقي الرؤوس في بريطانيا ...الخ.

 

             وفي هذا الصدد، قد يقول البعض، نعم عنصريون، ولكن لهم الحق في الانعزال!

             والحقيقة أن اصحاب هذه التسمية من الفلسطينيين ماخوذن بالتشبه بحالة جنوب افريقيا التي تجمعنا معها تشابهات وتفصلنا عنها اختلافات جوهرية. كما تشتمل هذه التسمية على روح التشكي للأمم المتحدة من الكيان الصهيوني في عصر أصدرت حكومات الأمم المتحدة "ضدنا" فرماناً يشطب عن الصهيونية طابعها العنصري!

 

 

             ورغم ان هذا ليس مجال المشابهة والمفارقة والاختلاف عن حالة حنوب افريقيا، ورغم ان الاصرار على التشابه والتطابق هو تورط في خطاب غربيين[1] عنصريين الذين يفرضون علينا تفكيرهم وتحليلهم، إلا ان علينا توضيح قطة جوهرية وهي: ان ما يحصل هنا هو جدار تقيمه قوة احتلال استيطاني استعماري اقتلاعي لا حق لها في الارض التي تقيم عليها منذ 1948 ولا فيما ضمته عبر تكوين الجدار. فهذا الجدار لا يختلف بالنسبة لي كفلسطيني عن خط "الهدنة " عام 1948 حيث نعتبر ان ما اُسمي الخط الاخضر هو الارض المغتصبة والمحتلة منذ عام 1948. والجدار هو تحديداً توسيع لخط الهدنة المذكور بهدف التهام أكبر مساحة ممكنة من الاراضي المحتلة عام 1967. لا بل إن هذا الجدار قد أُقيم على آخر سنتيمتر يمكن ابتلاعه من قبل الاحتلال، حتى هذه اللحظة بالطبع، وبعدها، من يدري!

 

             وعليه، فإن تسمية جدار الفصل العنصري تتضمن إعطاء او توفير رصيد او تصور افضل عن الكيان الصهيوني الاشكنازي. لأن حقيقة الامر ان كل الارض الفلسطينية محتلة وبالتالي فإن ما هو غربي الدار هو ايضا ارض فلسطينية محتلة كما هي الارض شرقي الجدار. وبعبارة محددة يكون الفصل عنصريا إذا كانت المجموعتان السكانيتان طبيعيتين. وعليه تحديدا اذا كانت 1948 لهم. وهذا غير صحيح (راجع للمقارنة مقالات عادل سمارة في كنعان اون لاين الاعداد 267، 268 و 271  بالانجليزية).

 

             وهذا الجدار هو أحد الجدران العديدة التي اقامها الكيان الصهيوني الاشكنازي ضد شعبنا وهي جدران بدأت منذ مائة عام وأكثر، واتخذت اشكالا متعددة. هذا الجدار "الاسمنتي" استكمال او تنفيذ لما كتبه ثيودور هيرتسل "بأن الدولة اليهودية ستكون جدارا أو سورا يفصل بين البربرية الشرقية والغرب المتحضر". إن سور هيرتسل هذا هو تبرع وتطوع سخي لحماية اوروبا من العرب! اية طيبة وبراءة يهودية هذه لحماية أوروبا الرأسمالية التي لم تذبح في "حملاتها الاستعمارية الانسانية" حتى جرثومة بكتيرية واحدة! وبنفس المحتوى كتب جابوتنسكي ايضا عن دور هذه الدولة. فالجدار قائم منذ أكثر من قرن، قائم في الفكر والثقافة الصهيونية الراسمالية، وإن لم يتجسد ماديا في كتل اسمنتية. وإلا ماذا نسمي الحديث عن "دولة يهودية نقية"؟ ألا تعني هذه الكلمات جدارا حقيقيا يكون الجدار الاسمنتي شيئا في غاية النعومة والليونة واللدانة مقارنة به؟ ولا رد على هذه الدولة "النقية" إلا بدولة متعددة، دولة اشتراكية، مهما طال السفر.

 

             ليس هذا الجدار أمنياً بأي معنى من المعاني. لن يحمي الكيان الصهيوني من المقاومة الفلسطينية، لأنه ببساطة لا يمكن منع المقاومة كليا. هذا من جهة ومن جهة ثانية، فإن جيش الاحتلال هو نفسه يتواجد في الاراضي المحتلة عام 967 ، اي يعرض نفسه لهجمات المقاومة عبر مهامه العدوانية.

             ثم، هل الصراع هو فلسطيني  صهيوني وحسب؟ هل ستبقى الانظمة العربية الكمبرادورية ممسكة بزمام الامور متطوعة لخيانة الواجب القومي في تحرير فلسطين؟ ألا يقود تغيير هذا النظام او ذاك الى إفشال دور الجدار، لأن القفز عنه لن يكون بدائيا هذه المرة بل بصواريخ ابعد مدى من صواريخ القسام. مما يعني ان الجدار ليس حلاًّ للصراع.

 

             الجدار لا يحمي أحداً. ولا يمكن ان يكون مخططو الكيان الصهيوني الاشكنازي سُذّجاً إلى حد الاعتقاد بأن الجدار حل المشكلة. وهذا، مرة أخرى، يؤكد بأن الهدف من الجدار هو اساساً مرتبط بنقطة التناقض والصراع المركزية وهي نهب الارض الى الحد الأقصى. ويبدو ان قيادة الكيان تشعر انها في هذه الفترة غير قادرة على أكثر من هذا الابتلاع.

 

             أليس الوضع الجغرافي لقطاع غزة هو جداراً؟ إن الاوامر العسكرية التي فرضها الحكم العسكري الصهيوني على الاراضي المحتلة عام 1967 هي أسوار "اقتصادية"، بمعنى انها اسوار ببوابات تفتح باتجاه الاراضي المحتلة عام 1967 حيث تمنع صادرات هذه المناطق الى المحتل عام 1948، بينما تتدفق السلع الصهيونية لإغراق اسواق الضفة والقطاع. إن كل مستوطنة في الضفة والقطاع (قبل خلع الاخيرة) وكل معسكر، وكل منطقة مغلقة هي جدار. إن منع الفلسطينيين من السفر الحر والاستيراد والتصدير بحرية الى الوطن العربي والعالم هي اسوار ايضا حول اعناقنا. إن وضح حواجز الاتربة على أبواب كل قرية ومدين ومخيم هي أسوار ايضا. إن الطرق الالتفافية هي أسوار ايضا. الاسوار لا تعد ولا تحصى.

 

 

             شهد تاريخ البشرية اسوارا وجدرانا عدة، ولكن حتى الدفاعية الشرعية منها لم تبق، فما بالك بسور الاستيطان والنهب. لقد قام الكيان الصهيوني الاشكنازي على طرد شعبنا من ارضه عام 1948. وفي عام 1967 لجأ الى الطرد الناعم أو إزاحة عبر القمع والقتل والاعتقال والاغتيال والتجويع ...الخ وذلك بهدف إيصالنا الى قرار الانزياح الذاتي[2].  لذلك مرة أخرى، هو جدار توسيع المستوطنة الكبرى، الكيان الصهيوني الاشكنازي.

___________

 

[1] تحضرني في هذا الصدد مفارقة، فقد اتت (أو أتى)  أدري  الى مكتبي برام الله في الصيف الماضي مخرجة/جاً من هولندا ت/يريد مقابلة من مجموعة مقابلات بشأن الجدار. ولأنني قلت لها/ه هذا الحديث عن الجدار لم ت/يعد لمقلبلتي قط، حيث وجدت/د  ان القالب الذي في راسها/ه مختلف مع ما أقول، وبما انها/ه مبتلية/ى  بالمركزانية الاوروبية، فلا بد ان ت/يرفض موقفي، علماً بأنني من أهل البيت! اكتب بالتذكير والتأنيث لأنني لم اجزم إن كان الذي أمامي ذكراً أو أنثى، ولأنني لا أعرف الفارق بين المذكر والمؤنث في لغتهم، كما أنني لم اسأل عن "جندر" من هو أمامي مخافة اتهامي بأنني "شوفيني ذكوري".

 

[2] انظر  "الاستيطان: من الطرد للإزاحة  فالانززياح الذاتي، في مجلة كنعان، العدد 94 كانون ثاني 1999، ص ص 87-101.