لبنان يعود إلى عهد المتصرفية

 

 

 

بقلم :الدكتور محمد احمد النابلســي

                 رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية

 

       تبدو نتائج القوة اللينة باهرة في لبنان إذ تمخضت عن انقلاب مخملي اعتمد على قوة الإعلام. وأثبتت ان للسيطرة الإعلامية قوة فاشية وديكتاتورية أكثر وحشية وأثراً من مثيلاتها العسكرية. وكان من الطبيعي أن يستعجل مخططو الانقلاب جني ثمار ثورتهم الإعلامية المخملية فأطلقوا مجموعة سيرورات انقلابية متزامنة كانت مستحيلة التحقيق بالقوة العسكرية ومعها عشرات آلاف القتلى ومن أهم السيرورات الانقلابية التالية:                

 

1.  تحويل العتب على الممارسات السورية إلى عنصرية ضد الشعب السوري لغاية تفضيل إسرائيل على سوريا حيث وظفت مجموعة برامج وحملات إعلامية لدعم هذا الإيحاء الذي تقبله الجمهور فاقداً ذاكرته التاريخية.

 

2.  الاغتيال المعنوي للزعامات والنخب والمثقفين رافضي الوصاية الأميركية. وإرفاق ذلك بإذلال معنوي تجلى باختيار بدلاء هذه الشخصيات من بين الهوامش الاجتماعية والثقافية.

 

3.  إطلاق المحكومين قضائياً عبر بدعة تدخل مجلس النواب في القضاء وتجاوزه ونجاح هذه البدعة يقف وراء وقاحة تخطي الفصل بين السلطات بواسطة برلمانية. مع إلحاق الشلل بالمجلس الدستوري.

 

4.    إطلاق انتخابات أنتجت مجلس متصرفيات جديدة مع تجميل مصطلح المتصرفية بمصطلح الفيدرالية.

 

5.  عمل السفارة الأميركية على دعم دخول لاعبين إقليميين جدد للحلول مكان اللاعب السوري. حيث يمثل آل الحريري اللاعب السعودي. وهنا يدفع السوري ثمن أخطائه وفساد موظفيه ومخابراته التي كرست دور اللاعب السعودي في لبنان. وكذلك دخل اللاعب الأردني عبر نظرية الهلال الشيعي واللاعب الكردي امتداداً للدور الكردي في المنطقة...الخ من اللاعبين.

 

6.  تجييش اللاعبين المحليين والإقليميين المتآمرين لمواجهة اللاعب السوري وحزب الله والسلاح الفلسطيني. وهذه المواجهة مدعومة بحملة إعلامية ومالية ضخمة لصالح المتأمركين. واستنادا إلى هذا التوافق زيادة جرعة الوصاية الأميركية وتظاهراتها العلنية في التدخل الصريح في الشأن الداخلي.

 

7.  استغلال نظام المتصرفيات الجديد لتهديم أسس دستور الجمهورية اللبنانية. بداية بتجاوز المؤسسة القضائية وصولاً إلى تغير النظم الداخلية لهذه المؤسسة بما فيها مؤسسة المجلس الدستوري.

 

8.  التأسيس لتفاهم مؤقت بين المتصرفين بما يبرر مصالح كل متصرفية على حدة. مع إهمال مصلحة البلد قبل توزيعه على المتصرفين ومنهم: وليد جنبلاط، على متصرفية الجبل الدرزي وسعد الحريري على متصرفية بيروت السنية وميشال عون على متصرفية جبل لبنان المارونية وحزب الله وأمل على متصرفتي الجنوب والبقاع الشيعيتين. أما رافضوا مبدأ المتصرفية فقد أخرجوا من الساحة السياسية المتصرفية.

 

9.  إقناع الجمهور بكون متصرفيته مكسباً يستأهل التواطؤ مع المتصرفيات الأخرى في مقايضة لصالح الطائفية على حساب الوطن. وتتمة الكذبة تسمية هذه المؤامرة ب" الوحدة الوطنية".

 

10. إن مشاعر التطرف في العداء داخل المتصرفيات حول الجمهور نحو الميول الفاشية النازية. وهو ما يوقظ مشاعر التطرف المقابل بما يعدنا ببروز تطرف قاس في وجه المتصرفيات.

 

     هذه النقاط العشر تلخص الإرهاب الذي خضعت له النخب اللبنانية نتيجة أمركة المتصرفيات والمتصرفين. حيث يبدو أن لهذا الإرهاب تتمة إذ أن أزلام المتطرفين يهددون اليوم  بثورة رعاع جديدة عقب إعلان لجنة ميلسيس للتحقيق في مقتل الحريري. وهم يصعدون تهديداتهم قبل مجرد صدور معلومات أولية عن نتائج اللجنة .وبمعنى آخر فإن النوايا معقودة لتوظيف التقرير في ثورة رعاع جديدة، وهي أكثر تهديداً للبلد وللمنطق بحكم عبثية الحكم المنبثق عن الانقلاب المخملي الكارثي السابق.

 

      إلا أننا نعتقد أن بعض أخطاء الحساب تعترض الكارثة الأميركية الموعودة وذلك بعد انفضاح مستوى الإجرام الكامن في المخملية. وهي التي دفعت بمعارضي الأمركة إلى التريث في المواجهة لغاية اغتيالهم وهم مستسلمون، فهل  يستسلم هؤلاء مرة أخرى أمام المخالب المخملية فهل يلدغ المؤمن من حجر مرتين؟.

 

في هذه المرة على المبرمجين الأميركيين للعقول اللبنانية مراعاة قائمة طويلة من المتغيرات أهمها

 

1-   عودة الذاكرة إلى شريحة اللبنانيين المتضررين من نظام المتصرفيات.

 

2-   استيقاظ عوامل الانثروبولوجيا الثقافية المكبوتة لدى النخب التي تعرضت للإغراء والتضليل.

 

3-   الرفض الجماهيري للمتصرفين الجدد بعد افتضاح ضآلتهم وهامشيتهم عداك عن عجزهم.

 

4-   أقطاب التطرف المعاكس لإجرام التطرف المخملي.

 

5- بروز الفضائح الشخصية والاجتماعية والأخلاقية لقادة التظاهرات السابقة. وقد حولتهم انتهازيتهم إلى مساعدي متصرف. عداك عن فضائح المتصرفين أنفسهم.

 

6-   افتضاح أوهام الوحدة الوطنية بعد الاصطفاف الطائفي الواضح في مجلس المتصرفين العاجز.

 

7-   رغبات الانتقام المتراكمة نتيجة الظلم المتآمر خلال المرحلة السابقة.

 

8- استحالة تكرار تنظيم تظاهرات منسجمة بعد فقدان الوهم الشيطاني المتمثل بالعداء لسوريا بحيث بات الصدام محتوما بين قطعان المتصرفيات الجديدة.

 

9- آيا كان المتهم المفترض بضغط أميركي فهو هذه المرة لن يقف مكتوف الأيدي بل سيدافع عن نفسه بشراسة  بعد أن خبر اضطهاد المرحلة الأولى.

 

10-    عندما يعد السيد جنبلاط وتابعه خطة إقالة لحود عليه أن يحسب الحساب لمطالبة مضادة بإقالة نظام المتصرفية الجديد وحكومته ومجلسه ورموزه. وهو ما قد يدفع بجنبلاط والحريري والسنيورة الى التراجع في هذا المجال.

 

11-     إن التمادي الوقح لنظام المتصرفية يمكنه أن يلاقي ردة فعل طبيعية مقاومة له. وهي مقاومة قابلة للتحول إلى صدام مسلح في ظل الانتهاكات الدستورية المتراكمة والأزمة الإقتصادية الجاهزة للإنفجار.

 

12-    هل يدرك أصحاب التهديدات من المتصرفين أنهم عاجزون عن الممارسة الفعلية لحكم متصرفياتهم والعجز الأميركي عن حمايتهم السياسية والشخصية فهل يجرؤ قادة التظاهرات على مجرد معاودة  الظهور الفعلي العلني في تظاهرة قادمة.

 

13-    على نظام المتصرفية أن يدرك خسارته للسياح والمستثمرين والزوار. لكن الأهم أن هذا النظام أصبح دافع هرب للمواطن من لبنان فقسم لا بأس به من اللبنانيين يرى في مواطنية هذا النظام إذلالاً شخصياً صريحاً. فهل ننظر حولنا لنرى من يحكمنا في هذا النظام المعيب؟. وهل ترانا نراجع تاريخ غضب الغوغاء عندما يشعرون بالخيانة؟. فهذه الفئة من الناس تعيش في فقرها وجهلها وعجزها لكنها تتحرك عندما تشعر بقدرتها على الفعل. إلا أن التاريخ يعيد نفسه إذ توجد دائما ضباع وذئاب تستغل تضحيات هذه الفئة، وعندها ينقلب غضب الغوغاء في الاتجاه المعاكس، فهل نذكر انقلاب هذه الفئة على الثورة الفرنسية وقيامها بثورة أعادت الملكية إلى فرنسا مع فارق ملكية الثورة الفرنسية لعقيدتها  وملكية حركة المتصرفية اللبنانية لمرجعيات مخابراتية.

 

هذه الفئة من الجمهور تعرضت في لبنان لقائمة طويلة من الخيانات وبعضهم وعى هذه الخيانات وانتظر آملاً. إلا أن غالبية مكونات هذه الفئة تحتاج إلى خيانات جديدة حتى تنتبه ومن الخيانات التي ظهرت على شكل أضاليل بعد 14 آذار نذكر:

 

1- بعد الاحتشاد ضد حزب الله والشيعة عمد جماعة 14 آذار إلى التحالف مع الحزب فربحوا بذلك مقعد بهية الحريري. ولكن هل يكفي ذلك للتراجع عن شعارات حشد الطوائف اللبنانية ضد سوريا وحزب الله والشيعة؟.

 

2- أدت التحالفات الانتخابية المبرمجة أميركياً لإنتاج مجلس متصرفيات طائفية ولم يسأل أحد عن مصير شعار الوحدة الوطنية فهل يكفي إطلاق القاتل جعجع والالتفاف المتصرفي على إدانة الوزير برصومان كعلائم على الوحدة الوطنية؟.

 

3- أتى الهروب الباريسي بعد أن وضعوا العامة في ساحة 14 آذار لنجد زعماء 14 آذار  وتوابعهم الهامشية يرتعدون خوفا ويهربون معلنين خوفهم من الاغتيال ولكن من يحمي عامة الناس المتورطين في هذه  المواقف والعداءات والمتصرفيات؟.

 

4- لقد أقنعوا العامة وغوغاء التظاهرات بأنهم سيحررون لبنان، وتم الإخراج السوري بقوة الضغط الأميركي ولكن الحضور السوري استبدل باستعمار أميركي خالص حيث يدرك متصرفو النظام الحالي أنهم صنيعة السفارة الأميركية وهم يخضعون لها كلياً. فما هي حصة الغوغاء من هذه الشراكة؟.

 

5- انفجار المتصرفيات بدافع محاولات تشكيل الحكومة. حين إنتفض جنبلاط معارضاً إشراك عون وأصر الحريري على بعض الأشخاص في بعض الوزارات. وكان لحزب الله ولمختلف الجهات الأخرى تفضيلاتها حتى خرجت الحكومة مفخخة جاهزة للانفجار أمام أي استحقاق. 

 

6- هل يستطيع نظام المتصرفية مقاربة  المشاكل والأزمات التالية دون أن يفجر وأن يخون جمهوره؟. ومن هذه المشاكل:

 

1- ديون لبنان الموروثة عن المرحوم الحريري وفوائدها في مقابل عجز هائل في الميزانية وتدني الاحتياطي وغياب الموازنة.

 

2- سلاح حزب الله والمقاومة الإسلامية.

 

3- سلاح المخيمات الفلسطينية.

 

4- قانون الانتخابات الجديد.

 

5- الطائفية السياسية.

 

6- التعيينات الإدارية والأمنية خاصة.

 

7- تأمين الحماية وتغطية الفراغ الأمني في وجه الاختراقات المخابراتية العديدة للساحة اللبنانية.

 

8- الملفات الأخلاقية والسياسية للمتصرفين الجدد.

 

9- المقاومة الشعبية التي تنتظم لمقاومة نظام المتصرفية الجديد.

 

10- تنازل سعد الحريري عن موقع رئاسة الوزراء لأسباب لا يجهلها أحد. ودفعه بالرئيس السنيورة وحكومته العاجزة تماماً رغم مرور أكثر من شهر على تسلمها لمسؤولياتها.

 

11- توريط عوام 14 آذار في  مواقف عنصرية ومن ثم زيارة فؤاد السنيورة غير الموفقة إلى دمشق.

 

12- غياب النائب الحريري ، القائد الإفتراضي لثورة الأرز، شبه الدائم لأسباب أمنية؟!.

 

13- توريط لبنان وقطاعات حيوية فيه بأزمة إنسانية مع سوريا خاصة بعد تشريع أبواب لبنان لكل المخابرات والجهات المعادية لسوريا.

 

14- السيطرة الجنبلاطية على الطائفية السنية عبر السيطرة على مراهقة سعد الحريري السياسية.

 

15- المعادلات الخطرة المتجسدة في حكومة السنيورة والكافية لتفجيرها عند أول مفترق طرق.

 

16- التهديدات الأميركية الصريحة باستبدال المتصرفين الذين لا يثبتون صلاحيتهم بمتآمريكن آخرين جاهزين.

 

17- تعجيل الانسحاب الإسرائيلي من غزة تمهيداً  لتخليق دور إسرائيلي فاعل في لبنان وهو دور بديل لاحتمال تورط أميركي غير منتظر. حيث تم تفعيل الدور المخباراتي الإسرائيلي منذ مظاهرة 14 آذار.

 

18- تجاهل واقعة إفلاس الاقتصاد اللبناني برعاية وتخطيط الحريري الأب، وشراء سكوت الغوغاء بشراء أصواتهم الانتخابية وبانتدابهم.

 

19- التمهيد لصلح منفرد مع إسرائيل برعاية أميركية

 

20- الترخيص بإقامة قواعد عسكرية أميركية على الأرض اللبنانية لتشديد القبضة الأميركية على ثروات المنطقة العربية.

 

   إن كل هذه المعطيات تبقى خفية، على العوام بسبب تسارع وتيرتها وعدم جلاء نتائجها حتى القريبة الأمد منها. وهذا ما يجعل الجواب الشعبي عليها متأخرا وفي هذا الوقت الضائع يعيش نظام المتصرفية اللبناني الراهن.