محور الديمقراطية: شرعنة العنصرية والطائفية

 

 

 

بقلم :الدكتور عبدالهادي التميمي

 

يحمل المثال العراقي والحملة الاميركية البريطانية لفرض "الديمقراطية" بقوة السلاح الفتاكة الماحقة تناقضات فكرية واخلاقية عديدة تجعل من الفكر الديمقراطي مسخا تتجنبه الشعوب وبالتالي تعرض الديمقراطية الحقيقية لانتكاسة مريعة. وقد جسدت عملية التفاوض وكتابة مسودة الدستور في العراق جميع تلك التناقضات لعل أبرزها ان الكاتب الحقيقي هو نوح فيلدمان, اليهودي الاسرائيلي الاميركي, الذي صاغ قانون ادارة الدولة في العراق, وهو القانون, رغم عدم شرعيته قانونيا لانه قانون احتلال, الذي حكم بموجبه الاميركيون وحكام العراق الجدد "المستوردون" مع القوات الغازية الاميركية البريطانية منذ منتصف عام 2004.

 

فالمفاوض الرئيسي على الدستور هو زلماي خليل زاده الافغاني الاميركي وسفير واشنطن في العاصمة العراقية الذي يصفه العراقيون بالمندوب السامي تشبيها بالمندوب السامي البريطاني الذي كان يحكم العراق أيام الاستعمار البريطاني للعراق في بداية القرن الماضي. كما أن جميع المفاوضين الرئيسيين وأعضاء لجنة كتابة الدستور الاساسيين هم من "المستوردين" وهي صفة يطلقها العراقيون على السياسيين الذين جاءت بهم قوات الاحتلال الى العراق من دول اوربية وايران ليتسلموا مقاليد الحكم بعد ان عاش أغلبهم عشرات السنين في تلك الدول ضمن معارضة سياسية تنسق وتتعاون مع الولايات المتحدة الاميركية وبريطانيا لغزو العراق واحتلاله. ويعني ذلك ان مئات الاشخاص القادمين من الخارج يحكمون أكثر من خمسة وعشرين مليون عراقي أصبحوا مغيبين بالقوة. وجميع رؤساء الكتل والسياسيين الرئيسيين ينتمون الى فئة "المستوردين" ابتداء من جلال الطالباني (سورياو ايران وكردستان), الكردي, الذي أصبح رئيسا مؤقتا للعراق ونائبيه الشيعي الايراني عادل عبدالمهدي (فرنسا) التابع للمجلس الاعلى برئاسة عبدالعزيز الحكيم (ايران) وغازي الياور (السعودية), وحتى رئيس الوزراء المؤقت ورئيس حزب الدعوة الشيعي ابراهيم الجعفري (ايران وبريطانيا) ونوابه رئيس حزب المؤتمر احمد الجلبي (الاردن وبريطانيا والولايات المتحدة) والوزراء وغالبية اعضاء الجمعية الوطنية.

 

ومنذ التحضير لغزو العراق واحتلاله وحتى كتابة الدستور استند المحتلون والشخصيات والاحزاب التي اعتمدوا عليهم الى مبدأ سياسي بريطاني عريق وهو "فرق تسد".  وكان المحتلون على مر العصور يستخدمون سياسة التفريق وإثارة التناحر بين أبناء الوطن الواحد من أجل إحكام سيطرتهم على مقاديره وثرواته. ولعل أشهر مبدأين يفخر بهما "المستعمرون" الذين دائما ما يصفون أنفسهم بـ "المحررون", هما: سياسة "فرق تسد" و "لا توجد صداقات دائمة وإنما مصالح دائمة" ويعود الفضل للإنجليز في شيوع المبدأين وتطبيقهما.

وينجح المحتلون في تطبيق المبدأين ونهب خيرات البلدان بفضل ثلاثة عوامل أساسية: الاستخدام المفرط وغير الشرعي للقوة المسلحة الفتاكة, تدبيج العبارات الرنانة وبيع صورة مشرقة وهمية عن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية والتقدم الحضاري وتطبيق القانون واستخدام مجموعة من أبناء البلد المحتل, هم في غالبيتهم من أتباع أقلية عرقية أو دينية أو سياسية أو منتفعة, لإضفاء شرعية مزيفة وغطاء داخلي على الاحتلال الأجنبي من جهة ولتكريس التفرقة من خلال البعدين العرقي والطائفي.

ذلك بالضبط موجز الحالة العراقية والاحتلال الأمريكي البريطاني ودور الأقليات السائد الآن والذي طغى على الوطني والقومي الأشمل. لم يعد أحد من الذين نصبهم المحتلون يتحدث عن العراق إلا من خلال التجزئة وتقديم أقصى المنافع والمكاسب للعرق العنصري والطائفة القومية أو الدينية. وتتولى سلطات الاحتلال تغذية ذلك وتشجيعه على أساس إمكانية الاستفراد بالأجزاء الضعيفة "فيؤكل في النهاية الثور الأبيض والأسود" اللذان يتسابقان لخدمة المحتل وإرضائه بحثا عن شرعية للجزء على حساب الكل والأشمل.

غير أن الاحتلال لا يستطيع أن يمنح شرعية حقيقية لأنه غير شرعي حسب القانون الدولي الذي يعتبر أن كل حكومة ينصبها المحتل أو تغييرات دستورية أو إدارية أو تنظيمية أو مؤسساتية تقوم بها سلطة الاحتلال باطلة ولاغية. والشرعية تستمد من مصدرين لا ثالث لهما حسب جميع القوانين الدولية والإنسانية والتاريخية والإجرائية: شرعية وطنية أو شرعية دولية. وتتحقق الشرعية الوطنية من خلال اختيار شعبي حر ديمقراطي ونزيه عبر الاستفتاء أو صناديق الاقتراع أما مصدر الشرعية الدولية فهو قرار الهيئة التي تمثلها وهي الأمم المتحدة من خلال مجلس الأمن أو الجمعية العامة للأمم المتحدة وتصديق مجلس الأمن.

ولم يحظ الحكام العراقيون الحاليون بأي من مصدري الشرعية رغم حديثهم الاعلامي عن انتخابات كانون الثاني يناير الماضي لانها انتخابات اجراها الاحتلال وأقصت اجزاء كبيرة من ابناء الشعب العراقي من خلال عزل مناطق واسعة بعمليات عسكرية متواصلة حرمتهم من المشاركة في الانتخابات, وهي الطريق التي يعتقد الكثيرون ان القوات الاميركية والحكومة الحالية ستستخدمها لابعاد الملايين عن المشاركة في الاستفتاء على الدستور بعد خمسة اسابيع من الان.

 

ومن الملاحظ ان عناصر الخارطة السياسية العراقية الحالية الفعالة لا تضم أي حزب تشكل في داخل العراق من أبناء العراق الذين كانوا في الداخل. بل إنه لم يسمح للمثقفين والمفكرين وأساتذة الجامعات والعلماء والدبلوماسيين والصحفيين بالعمل إلا من خلال المجموعات العائدة. ويعني ذلك أن الأغلبية مضطهدة سياسيا وفكريا واقتصاديا وتنوء تحت سيطرة الأقلية أو الجزء سواء كان عرقيا أو طائفيا. أما الشرعية الدولية فإنها لم تتحقق على الرغم من أن بعض الكتاب والمحللين وقعوا ضحية الغموض في قرارات مجلس الأمن الدولي.إن قراري مجلس الأمن الدولي 1483 و 1500 لم يمنحا أي شرعية. فقد كان القرار 1483 صريحا في حديثه عن إدارة عراقية مؤقتة تحت سلطة الاحتلال لإعادة الخدمات وتسيير الأمور لحين قيام مؤسسات سياسية وحكومية واقتصادية تتسلم الأمور وفق خيارات الشعب العراقي. وأكد القراران أن العراق منقوص السيادة ويخضع لسلطة احتلال. وعندما سألنا إدوارد مورتيمور مستشار الأمين العام للأمم المتحدة, أكد أنه لم تتحقق أي من الشرعيتين فيما يتعلق بمجلس الحكم الانتقالي وحذر من الفوضى الأمنية والسياسية التي أخذت تخرج عن نطاق السيطرة في العراق.

. واعتمدت سلطات الاحتلال المبدأ التقسيمي العرقي الطائفي نفسه, حيث استوزر أشخاصا من أقليات عادت مع قوات الاحتلال من الخارج: هوشيار زيباري الكردي خال مسعود البارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني, وزيراً للخارجية, وإبراهيم بحر العلوم, ابن محمد بحر العلوم, المهندس الذي قضى حياته في الخارج وعمل في قطاع النفط الكويتي وعاد مع قوات الاحتلال ولا يعرفه القطاع النفطي العراقي, وزيراً للنفط وينطبق الأمر على المالية والأشغال وحقوق الإنسان وغيرها من الوزارات. بل إن وزارة سيادية مهمة جدا منحت لشخص من الأقليات العرقية تعرفه أوساط لندن. هكذا جاءت قوات الاحتلال وجلبت معها منفذي سياستها إلى بلد وكأنه صحراء قاحلة غير مسكونة أو مأهولة على الرغم من أن عدد سكانه يزيد على 24 مليون نسمة.

ويعمل المستوزرون لتحقيق مصالحهم العرقية والطائفية التي يمثلونها حتى ان الفساد استشرى وأصبح سياق عمل روتيني فيما حصر التعيين في الوزارات والدوائر حسب الانتماء العرقي والطائفي للوزير ومنها وزارة الخارجية, التي يرأسها الكردي هوشيار زيباري, خال مسعود البارزاني الزعيم الكردي, والتي اصبحت لغة العديد من سفاراتها اللغة الكردية لان غالبية العاملين من الدبلوماسيين والموظفين هم من الاكراد . وقد تخدم هذه التجزئة العرقية الطائفية التي يكرسها الاحتلال أهدافه الآنية, على المدى القصير, غير أن مخاطرها ونتائجها كارثية على العراق والمنطقة ومن ثم على الاستراتيجية الأمريكية السياسية والاقتصادية. إن السيناريو الكارثي يستند إلى أن تعميق التجزئة يؤدي إلى تصادم المصالح العرقية والطائفية مما يؤدي إلى انكفائها إلى الجزء والتخلي عن الكل فيصبح الانفصال هو الحل والهدف. فإذا انفصل الأكراد في شمال العراق, وهذا هدفهم الرئيسي, فإن الولايات المتحدة ستتعرض إلى خسارتين سياسية واقتصادية. فالأتراك لن يسمحوا بهذا الانفصال, وكذلك الإيرانيون, وعندما يتدخلوا عسكريا تجد واشنطن نفسها أمام خيارين فإما التدخل لصالح الحليف الداخلي أو خسارة حليف استراتيجي. وقد يؤدي هذا الموقف إلى صراع كردي تركي أو كردي أمريكي مسلح, فتفقد سلطات الاحتلال الاستفادة من بترول كركوك الذي يشكل أكثر من ثلث إنتاج واحتياطي العراق.

وسيقابل ذلك نزعة انفصالية طائفية شيعية, بدعم إيراني, في جنوب العراق بما ينطوي ذلك على أبعاد سياسية تزعزع الاستقرار في منطقة الخليج, واقتصادية في عدم الاستفادة من بترول الجنوب الذي يزيد على نصف إنتاج العراق ومخزونه. إن قيادة هذه الطائفية هي قيادة الأقلية العائدة من الخارج. وفي الوسط والغرب سيعمل السنة على إقامة كيان خاص بهم. ولا ينبغي أن ننسى الأقليتين التركمانية والمسيحية اللتين ستعملان هما الأخريان على المحافظة على مصالحهما من خلال تحالفات داخلية وخارجية.

ولكن السؤال الأهم هو: هل تسمح سلطات الاحتلال بانفراط العقد وضياع الجائزة الاستراتيجية والاقتصادية من احتلال العراق؟ على الأغلب أنها ستلجأ الى العامل الأول الذي ذكرناه في بداية المقال وهو اللجوء إلى القوة العسكرية المفرطة لتحقيق أهداف الاحتلال والمصالح الدائمة وتتخلى عن الصداقات الوقتية.