الصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة
بقلم :نافذ أبو حسنة
ثمة انطباع رائج عن
أن الصهيونية، إنما وثقت علاقتها بالولايات المتحدة الأميركية، في أعقاب الحرب
العالمية الثانية، وصعود الولايات المتحدة على حساب بريطانيا، الدولة التي رعت
الحركة الصهيونية في بداياتها الأولى.
هذا الانطباع الذي
يخص أنساقاً من العمل السياسي بين واشنطن والصهاينة، لا ينبغي أن يجعلنا نغفل
جوانب أعمق، وأكثر أهمية في تلك العلاقة، التي من الممكن القول إن التأسيس لها بدأ
في ذلك الوقت الذي وصل فيه المهاجرون البورتيان
الأوروبيون إلى الأرض الجديدة وأطلقوا عليها تسمية «كنعان الجديدة الإنكليزية». واعتبر
بعضهم أنهم جاؤوا إلى هذه الأرض لمعاقبة الوثنيين من سكان أمريكا الأصليين الذين
أطلق عليهم وصف الهنود الحمر وتعرضوا لإبادة بشعة([1]).
وفي كنعان الجديدة
الإنكليزية حمل أبناء المهاجرين الأوائل أسماء عبرية، وكذلك مستوطناتهم الأولى. ومن
اللافت أن أول دكتوراه منحتها جامعة هارفارد في العام 1642م، وكانت بعنوان «العبرية
هي اللغة الأم»، وأول كتاب صدر في أمريكا كان «سفر المزامير» وأول مجلة كانت مجلة «اليهودي»([2]).
شبه المهاجرون الجدد
أنفسهم بالخارجين من مصر، ثم شرع اليهود الأصليون من بينهم تظهير أنفسهم. لكن
التوراة كانت شديدة التأثير في الجانبين، حتى إن الرئيس الأمريكي جيفرسون اقترح لاحقاً أن يكون رمز أمريكا رمزاً يهودياً :«أبناء
إسرائيل تظللهم غيمة في النهار، وعمود من نور في الليل» بدلا من شعار النسر.
وعندما أسس القس «جوزيف
سميث» «الكنيسة المورمونية» تبنى نظرية البعث اليهودي
في فلسطين، وانطلقت منذ عام 1814، الدعوات الأميركية الإنجيلية لتوطين اليهود في
فلسطين، وهاجر بعض الإنجيليين، وأنشئوا مستوطنة زراعية يهودية لتوطين اليهود في
فلسطين، وهاجر بعض الإنجيليين وأنشئوا مستوطنة زراعية يهودية ضمت يهوداً وإنجيليين
أمريكيين عام 1850، ثم أنشئت مستوطنات أخرى، لكن الإنجيليين كانوا أكثر حماساً من
اليهود للإقامة فيها، أو للهجرة من أمريكا أصلاً. وقد قامت عام 1867، أول بعثة
مسيحية أمريكية للاستيطان في فلسطين مع 150 قسيساً إنجيلياً أمريكياً وفي العام
التالي أقيمت مستوطنة بمشاركة 70 شخصية دينية إنجلينية
وقد تولى القس «سايروس سكوفيلد»
( 1843- 1921) وضع الأساس النظري لتوجهات الصهيونية المسيحية. وعلى الرغم من أن سكوفيلد كان أميا»، إلا أنه نشر في عام 1888 أول مؤلف له،
وكان عنوانه «واجب تجزئة كلمة الحق». وفي هذا المؤلف طرح سكوفيلد
المبادئ اللاهوتية للأصولية الإنجيلية التدبيرية، وقد
اعتمد على هذا المؤلف في كتابه الإنجيل الذي أصبح فيما بعد المعتمد الرسمي
والأساسي ومصدر إلهام من جاء بعده من القساوسة الأصوليين في الولايات المتحدة وحتى
اليوم، ونظراً لرواج وانتشار إنجيل سكوفيلد الذي طبع
لأول مرة في عام 1909، فقد التبس على الكثيرين التمييز بين نص الإنجيل المقدس
وتفسيرات سكوفيلد الواردة في إنجيله. وهو بمضمونه وسعة
انتشاره أصبح العمود الفقري للفكر الأصولي للإنجيلية الصهيونية، ومنه يستمد قساوسة
هذه الحركة المعاصرون أمثال بيل غراهام
وابنه فرانكلين، وجيري فولويل
وبات روبرتسون وسواهم، أفكارهم التي يبنون عليها
التزامهم الديني بإسرائيل، وبما يعتقدون أنه حقها التوراتي([3]).
لم تكن التحركات على
مستوى الكنيسة الإنجيلية وحسب، ففي عام 1818، دعا الرئيس الأمريكي جون أدامز إلى إعادة اليهود إلى فلسطين وإقامة حكومة يهودية
مستقلة. وفي عام 1887، أسس القس «وليم بلاكستون» في
شيكاغو منظمة «البعثة العبرية نيابة عن إسرائيل» بهدف حث اليهود على الهجرة على
فلسطين، وهذه البعثة مستمرة حتى اليوم باسم «الرسالة الأميركية المسيحية»([4]).
ربما يتوقف المرء هنا
ليطرح سؤالاً عن معنى «الحث المتواصل» لليهود بالهجرة إلى فلسطين، فوفق منطق لا
يفترض أن اليهود كانوا هم الأولى بالمطالبة بمن يسهل لهم سبل الهجرة على فلسطين،
وألا يكنوا في موقع من يتم حثه على الهجرة.
واقع الحال أن أسباب «عقيدية» كانت وراء الموقف اليهودي، فاليهود عامة والمتدينون
على وجه الخصوص، يعتبرون أن خلاصهم لا يتم على يد البشر بل بمعجزة إلهية، ويمكن
لمن يعود إلى النقاشات التي دارت في بدايات انطلاق الحركة الصهيونية أن يلاحظ موقف
الجماعات الدينية اليهودية الرافضة للصهيونية ودعوتها «القومية» فقد اعتبرت تلك
الجماعات أن «اليهود أمة دينية، وليست أمة قومية»، وأنه لا يمكنها أن تتحول إلى
أمة بالمعنى الكامل إلا بمقدم الماشيح الذي يعود
بالمنفيين»، كما اعتبرت تلك الجماعات أيضا أن الصهيونية تهدف إلى اقتلاع أسس
الديانة اليهودية، وأنها حركة مسيانية كاذبة، تحاول
تعجيل النهاية بوسائل دنيوية، بينما خلاص اليهود بقدوم الميسا
وجمع الشتات هو عملية سماوية لا أرضية، ولا تتم ضمن حركة التاريخ الفعلية، وإنما
تأتي كنفي لحركة التاريخ الواقعية. وقد اعتبر الحاخام «شينيئورسون»
أن من يتمسك بالتوراة وبالوصايا، لا يمكن أن يقبل هذا الشكل من مغادرة المهجر
بالقوة والخلاص بقوة الذات. إن هذا السلوك يتعارض مع عقيدة إسرائيل وطموحاتها «إنما
نتمنى وننتظر الخلاص بقدوم الميسا الذي يقوم بجمع
المنفيين([5]).
استمر الجدال بين
الصهيونية السياسية والجماعات الدينية زمنا ليس بالقصير، وعندما تغلب التيار
الأول، وجد بين الجماعات الدينية حاخامات يدعون إلى القبول بالمخلصين الأرضيين،
وأعادوا تفسير نصوص التوراة بكونها تعتبر الهجرة إلى فلسطين فريضة من أعلى
الفرائض، وهكذا نشأت تيارات الصهيونية الدينية، وتبعها قبول الاتجاهات الأرثوذكسية
الحرادية بالخلاص على يد الصهيونية، ولم يبق على
الممانعة إلا نفر قليل من الجماعات الدينية مثل «الناطوري
كارتا».
ومع هذه التطورات وقع
التلاقي في الكامل بين السياسي بنزعته الاستعمارية العدوانية (الصهيونية – بريطانيا
فأمريكا) والديني ( الجماعات اليهودية- الإنجيليون المؤمنون ببعث إسرائيل ومعركة هرمجدون) . وقد أدى حاصل هذا التلاقي إلى دفع كبير لمشروع
الدولة اليهودية في فلسطين. ومع حلول القرن العشرين كان المزج بين المقدس والسياسي
قد ارتفع إلى مرتبة عالية، ما سبب ولأوقات طويلة ارتباكا في تعيين توصيف دقيق
لتعيين ما يحصل، والخلوص إلى نتائج بشأن طبيعة العلاقة القائمة بين الصهيونية
اليهودية ( المصرة على توصيف نفسها كمشروع سياسي لإقامة الوطن القومي اليهودي) وبين
القوى الداعمة لها السياسية والدينية.
من المعروف أن
بريطانيا تبنت المشروع الصهيوني اليهودي بشكل كامل، ولهذا جذوره مما أشرنا إليه
أنفا، لكن هذا التبني لم يكن مقتصراً في الواقع على بريطانيا، بل كان أميركياً
أيضا، وإذا كانت العوامل السياسية، هي الأكثر ظهوراً في التبني البريطاني، خصوصاً
منذ تأسيس صندوق استكشاف فلسطين، وتاليا بعد اتفاقيات سايكس
بيكو ( 1916) ووعد بلفور (1917) فإن الدمج بين السياسي
والمقدس كان هو الغالب لدى الولايات المتحدة ولهذا جذوره التي اشرنا إليها أنفا
أيضا.
ففي عام 1918 أعلنت
الولايات المتحدة وبواسطة رئيسها «ودروديلون» عبر رسالة
إلى الزعيم الصهيوني الحاخام ستيفن وايز عن تأييد وعد
بلفور، الذي التزم ويلسون رسميا بتنفيذه
في العام نفسه، وفي العام 1922، صدر قرار عن مجلس النواب الأمريكي بضرورة
منح اليهود الفرصة التي حرموا منها لإعادة إقامة حياة يهودية وثقافة خاصة في
الأراضي اليهودية القديمة ([6]). وفي
العام نفسه صادق مجلسا النواب والشيوخ رسميا على وعد بلفور.
وترافق ذلك مع أنشطة
بذلها الصهيونيون المسيحيون في أمريكا، بالضغط على
الحكومة وتوظيف ضغوط دبلوماسية على دول أخرى، أما الأبرز في هذه الأنشطة فهو تكوين
المنظمات والهيئات الشعبية والدينية لتوفير الدعم المعنوي والمادي من أجل تحقيق
النبوءات التوراتية. ففي عام 1930، تم تأسيس منظمة «الاتحاد الأميركي من اجل
فلسطين» للدفاع عن تأسيس الوطن القومي اليهودي. وبعد عامين أسس السناتور روبرت واجنر اللجنة الأميركية – الفلسطينية «بهدف إعداد الرأي العام
الأميركي من غير اليهود، للعمل من أجل إعادة اليهود إلى فلسطين. وقد ضمت اللجنة 68 عضواً من مجلس الشيوخ، و200 عضو من مجلس
النواب وعدداً من رجال الدين الإنجيليين ورجال الأعمال وأساتذة جامعات وصحافيين
وأدباء مشهورين.
وفي عام 1936 أصدر
المؤتمر المسيحي – الأميركي إعلانا بدعوة المجتمعات المتحضرة إلى مساندة الفارين
من ألمانيا وأوروبا الشرقية، للعودة إلى فلسطين ملاذهم الطبيعي». وقد رفعت هذه المنظمات شعار «الأرض الموعودة»، وشعار «شعب الله
المختار» وربطت بين الشعارين، وعلمت الناس أن أفضل عمل يقوم به
المسيحي تقرباً إلى الله، هو المساهمة المادية والمعنوية في تحقيق إرادة الله
بإعادة اليهود إلى فلسطين تمهيدا لعودة المسيح.
وفي عام 1944 اتخذ الكونغرس الأمريكي قراراً
تتعهد الولايات المتحدة بموجبه بذل قصارى جهدها من أجل فتح أبواب فلسطين أمام
اليهود للدخول إليها بحرية ولإتاحة الفرصة أمامهم لاستعمارها، حتى يتمكن الشعب
اليهودي من إعادة تكوين فلسطين يهودية ديموقراطية حرة.
ومعلوم أن الإدارة
الأميركية رفضت سياسة الكتاب الأبيض البريطانية، بوضع تحديدات للهجرة اليهودية إلى
فلسطين. وعندما تولى هاري ترومان رئاسة الولايات المتحدة فإنه كان مجسدا للصهيونية
المسيحية بكل تفاصيلها، وهو دعا عام 1947 إلى تحقيق أكثرية يهودية في فلسطين([7]).
وقد بذلت الإدارة
الأميركية جهوداً ضخمة لتمرير قرار تقسيم فلسطين في الأمم المتحدة عام 1947. واعترفت
واشنطن بالدولة اليهودية فور قيامها في مساء 14/5/ 1948. ومع قيام تلك الدولة اتخذ نشاط الصهيونية المسيحية شكلاً جديداً. لقد نظر إلى ما حدث بوصفه بدء تحقيق النبوءة ومن الضروري العمل
على تشكيلها.
--------------------------------------------------------------------------------
[1] ) أنظر تفصيلات لدى منير العكش، أمريكا وسياسة الإبادات الجماعية، رياض الريس للكتب
والنشر، بيروت.
[2] ) محمد السماك، الصهيونية المسيحية، م.س. ذ ص 55-56.
[3] ) أنظر محمد السماك، الصهيونية،
م.س.ذ ص 24.
[4] ) لمزيد من التفصيل انظر ، محمد
السماك، الدين في القرار الأمريكي، دار النفائس( بيروت) ط1/ 2003 – ص 34- 35.
[5] ) انظر
مناقشة مفصلة لهذا الموضوع لدى نافذ أبو حسنة، المتدينون والعلمانيون في إسرائيل،
مركز الدراسات الإستراتيجية والبحوث والتوثيق، بيروت، الطبعة الأولى، 1999.
[6] ) أنظر محمد السماك، الصهيونية،
م.س.ذ ص 25.
[7] ) أنظر محمد السماك، الصهيونية، م.س.ذ ص 25.