أربعة كيانات، ثلاثة سيناريوات... فلسطينية

 

 

 

بقلم :مصطفى قاعود

 

ثمة أسئلة كثيرة عن مستقبل المقاومة الفلسطينية بعد الانسحاب الأحادي الجانب من غزة وشمالي الضفة. فإذا كان هذا الانسحاب لم ينه الاحتلال ولم يشكل مقدمة لإحقاق الحقوق الفلسطينية المشروعة، فإن موجبات المقاومة ما زالت قائمة وخصوصاً أن هذا الانسحاب يتزامن مع أخطر مخطط صهيوني لتقسيم أراضي الدولة الفلسطينية المفترضة بعد ضم نصفها أو أكثر.

 

فخطة التقسيم الإسرائيلية تتخذ الآن صورتها النهائية مع بدء البناء اليهودي الذي سيربط القدس بـ"معاليه أدوميم" التي ستحاط بالجدران والأسوار الفاصلة، مما يعني تقسيم الضفة إلى جيبين منفصلين.

 

وبنهاية الخطة سنكون أمام أربعة كيانات فلسطينية منفصلة: الأول في الضفة الغربية المقسمة بين رام الله ونابلس والخليل وخاضع لمزيج من الحكم الذاتي الفلسطيني الضعيف وميليشيات المستوطنين والاجتياحات العسكرية الإسرائيلية، أما الجيب الثاني في غزة فسيكون تحت السيادة الفلسطينية مع محاولات لإنشاء نظام فلسطيني معين، الجيب الثالث فلسطينيو القدس من حملة بطاقات الهوية الإسرائيلية، الجيب الرابع والأخير هو فلسطينيو 48، وهذه ليست خطة للمستقبل ولا تسوية مؤقتة بل هي واقع التسوية الدائمة التي تكرسها "إسرائيل" على الأرض.

 

إن الأخطر في هذا المخطط الجاري على الأرض بعد ضم الأراضي هو تفتيت عرى الوحدة الفلسطينية وتقويض أسس المشروع الوطني الفلسطيني الموحد.

 

فإذا كانت موجبات المقاومة قائمة يبقى السؤال كيف ستتصرف المقاومة على ضوء المستجدات على الأرض وعلى الصعيد العربي والدولي وما هي السيناريوات المتوقعة كما عرضها تقرير مركز أبحاث المستقبل حيث يشير التقرير إلى ثلاثة سيناريوات محتملة.

 

السيناريو الأول: الهدوء

 

توقف المقاومة مؤقتاً بحيث سيكون من الصعب عليها أن تجد الأهداف الإسرائيلية للعمل ضدها بعد الانسحاب من جزء من الأراضي الفلسطينية، وعلى ذلك ستميل الأوضاع للهدوء وللملمة الأوراق وإعادة ترميم ما دمره الاحتلال خلال السنوات الماضية والانشداد إلى البيت الفلسطيني وبناء المؤسسات. وهذا السيناريو ما يأمله الأميركيون والأوروبيون والسلطة الفلسطينية.

 

وضمن هذا الاحتمال فإن دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وفي سبيل ترويض حركات المقاومة المسلحة، ستشجع "أبو مازن" على استيعاب هذه الحركات ودمجها في الحياة السياسية الفلسطينية عبر السماح لها بخوض تجربة الانتخابات التشريعية. وتلحظ بعض المصادر دور مصري محوري في هذا الاتجاه وقد توقع مسؤول عربي أن يُعرض على حماس بعد الانتخابات أربعة مناصب وزارية والاحتفاظ بأسلحتها وعناصرها والتي ستصبح جزءاً من قوات الأمن الفلسطينية.

 

ويقول المسؤول: إن مصر لا تريد سحق حماس ولكنها تريد ترويضها، أما الولايات المتحدة تراهن على تحسين الواقع الاقتصادي حيث تعمل مع جيمس ولفونسون على جمع ثلاثة مليارات دولار على مدى ثلاث سنوات وذلك لإغراء الناس بما سوف يتغير في حياتهم نحو الأفضل، وتوجيه السلطة للقيام بالدور الذي تقوم به الجمعيات الإسلامية أي "تقديم المعونات والمساعدات" لسحب البساط من تحت أقدامها.

 

السيناريو الثاني:

 

ويتوقع هذا السيناريو اندلاع المقاومة بعد الانتهاء من الانسحاب مباشرة حيث سيتجدد قصف عدد من المناطق الإسرائيلية القريبة من قطاع غزة، وستستأنف المقاومة في الضفة، ولا يستبعد أن يتم نقل تقنية الوسائل القتالية مثل مدافع الهاون والصواريخ إلى الضفة والتي ستصل مقذوفاتها على التجمعات الاستيطانية الإسرائيلية ببساطة حيث تبطل مفعول الجدار العازل.

 

بالمقابل ستقوم "إسرائيل" بتوجيه ضربات قاسية للمقاومة، مستهدفة قياداتها وأفرادها ومعداتها. مع تجنب المواجهة المفتوحة لأنها تضعف السلطة وتزيد من الالتفاف الجماهيري حول المقاومة.

 

ويرجح هذا السيناريو معظم الدوائر العسكرية والاستخباراتية في "إسرائيل" إذ يقول آفي دختر رئيس جهاز المخابرات بـ"أن الانتفاضة الثالثة ستتفجر في الربع الأخير من هذه السنة" وأضاف أن الفلسطينيين لا يجلسون مكتوفي الأيدي بل يقومون بجمع الأسلحة والذخيرة ويتدربون على تطوير أدواتهم القتالية، ويعدون لتفجير المواجهات من جديد، فهم غير مقتنعين بسياسة "أبو مازن" ولا يكتفون بما تقدمه "إسرائيل" لهم.

 

ومن المتوقع في إطار هذا السيناريو أن يقتصر الأمر في قطاع غزة على إطلاق صورايخ القسام والتي ستعتبر السلاح الاستراتيجي ضد التجمعات الاستيطانية حول قطاع غزة، أما الأمر في الضفة وعلى ضوء بناء جدران الضم والفصل سيختلف حيث أن الخلايا الصغيرة والموزعة في المدن والقرى ستقوم بتنفيذ عمليات عسكرية على شكل حرب العصابات أو الضرب من بعيد على أهداف ممكنة وذلك على شكل العمليات في قطاع غزة قبل فترة الهدوء. وستتركز العمليات ضد الجنود والمستوطنين ومهاجمة المحاور والمعسكرات والمستوطنات.

 

السيناريو الثالث:

 

استئناف المقاومة ولكن بدرجة أقل من السيناريو الثاني. ويتوقع هذا السيناريو أن تستمر المقاومة في كل من الضفة وقطاع غزة بعد الانسحاب، ويختلف عن السيناريو الثاني في حدة المقاومة ودرجتها خاصة في قطاع غزة حيث تكون وتيرة المقاومة فيها مضبوطة ومدروسة، وعلى شكل ردات فعل على انتهاكات وجرائم العدو في الضفة. ويعتمد الرد على صواريخ القسّام، ولا يصل الرد إلى حد استفزاز العدو الصهيوني ودفعه لدخول قطاع غزة من جديد.

 

وفي هذا السياق يقول نائب رئيس الشاباك السابق عوفر دقل "إن الإرهاب سيستمر بعد الانسحاب من غزة وأن الأوضاع في الضفة الغربية ستصبح أكثر سخونة"، ويضيف بأنه لن تكون هناك شرعية أمام حركة حماس في قصف المستوطنات الإسرائيلية من غزة، كما أن الجيش الإسرائيلي لن يكون لديه الشرعية لاقتحام غزة للرد على أي خرق لوقف إطلاق النار.

 

موقف السلطة من سلاح المقاومة

 

تتطلع السلطة إلى فرض سيطرتها على الشارع بعد الانسحاب من غزة، وعنوان ذلك نزع سلاح المقاومة بوصفه مطلباً أميركياً وأوروبياً وإسرائيلياً لاستئناف المفاوضات. لذا ستمارس السلطة ضغوطاً مختلفة على الفصائل لتسليم سلاحها، والحل العسكري ليس مستبعداً رغم موقف "أبو مازن" المعارض لهذا الحل. إلا أن هناك البعض من قادة الأجهزة الأمنية ممن لديهم الاستعداد للاستجابة للضغوط الدولية والإسرائيلية لإدخال المجتمع الفلسطيني في حرب أهلية مكشوفة.

 

ورغم أن هذا الخطر قائم إلا أن السلطة في الوقت الراهن تعمل على ترتيب أوراقها الداخلية وعلى الجانب الآخر تسعى لحرمان فصائل المقاومة من مصادر تسليحها من خلال إغلاق الأنفاق مع مصر. وتقوم في الوقت نفسه بالتضييق على الفصائل من خلال رفع أسعار السلاح فهي تشتري أي سلاح موجود بأسعار خيالية وخاصة الرصاص حتى لا يصل إلى أيدي المقاومة وتحاول إضعاف قدرتها على الاستمرار.

 

وعلى الجانب الآخر ترى الفصائل أن سلاحها هو الذي أرغم العدو الصهيوني على الانسحاب من غزة، وتشكك بأنه إذا سحب سلاح المقاومة مَن يضمن ألا تعود "إسرائيل" من جديد إلى المناطق التي انسحبت منها، وأن سحب سلاح المقاومة سيجرد السلطة من ورقة سياسية هامة في يدها أثناء المفاوضات. فالمقاومة مهمة لدعم العمل السياسي، وماذا ستفعل السلطة عندما يتعلق الأمر بالقدس وهدم المسجد الأقصى وخصوصاً أن هناك تهديدات جدية بهذا الشأن، ثم إن الانسحاب من غزة لم يحسم أمور السيادة التي مازالت بيد "إسرائيل".

 

هذا بالإضافة إلى التغيرات التي يمكن أن تطرأ في السياسة الإسرائيلية نحو التشدد، والمشكلة الأكبر هي أن أجهزة السلطة الأمنية لم تعود الشعب الفلسطيني الدفاع عنه في الاجتياحات حيث كانوا ينسحبون ويتركون المقاومين وحدهم والمثال على ذلك المقاومة العنيفة والصمود الأسطوري الذي سجلته بعض المخيمات كـ "مخيم جنين" في الوقت الذي سقطت فيه مدن كبرى في ساعات مثل رام الله، فمن وجهة نظر الفصائل أن السلاح الشرعي هو السلاح الذي يدافع عن الناس وليس السلاح الذي يهرب من المعركة.

 

وفي ظل صعوبة الخيار العسكري بنـزع سلاح المقاومة قد تلجأ السلطة إلى الحل السياسي وقد بدأت فعلاً في ذلك من خلال الانتخابات المحلية التي ستستنـزف وقتاً وجهداً وعملاً من الفصائل كان يمكن أن يرسخ لمصلحة المقاومة، ثم سيتلو هذه الانتخابات انتخابات أكثر أهمية وهي الانتخابات التشريعية والتي ستصرف الانتباه عن العمل العسكري لفترة ليست قصيرة أيضاً، والمعضلة مع هذا الخيار بالنسبة للسلطة أن الفصائل ترى فيه محطة للخلاص من فساد السلطة وتنازلاتها السياسية المستمرة غير المبررة سياسياً لذا قد تتحول، الانتخابات إلى معركة سياسية لصالح فصائل المقاومة.

 

وفي نهاية الدراسة التي أجراها مركز أبحاث المستقبل حول مستقبل المقاومة بعد الانسحاب تستخلص الدراسة ما يلي:

 

- إن فصائل المقاومة وخاصة حماس لن تتخلى عن سلاحها طوعاً أو كرها لأن الصراع لم ينته من وجهة نظرها بعد.

 

- إن المقاومة ستستأنف وإن كان هناك هدوء لبعض الوقت، ولكن وفق المعطيات الجديدة فقد تتغير أشكال المقاومة وستتركز معظمها في الضفة.

 

- إن فصائل المقاومة لن تتوقف عن إيجاد آليات لتوفير السلاح، إما بتهريبها من الخارج أو صنعها محلياً. وستستمر في تطوير بعض وسائلها القتالية بما يتوائم مع المستجدات.

 

- ستجد الصواريخ البدائية الصنع مكاناً لها في ميدان المقاومة المقبل، وستصل إلى الضفة في نهاية المطاف.

 

- إن الهروب، من قطاع غزة يشكل نقلة نوعية وتاريخية في الوعي الفلسطيني اتجاه المقاومة وتبنيها كخيار استراتيجي.

 

- إن الأطراف الدولية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية غير قادرة في ظل الأوضاع الحالية على فرض توقف كامل للمقاومة أو تفكيك فصائلها أو نزع أسلحتها.