بعض دلائل الاندحار الصهيوني
بقلم :بدر الدين حمدي مدوخ
لم يعد يجادل أحد أن إندحار العدو من غزة جاء نتيجة لضربات المجاهدين وصمود شعب
فلسطين بأسره، ولقد حاول البعض وضع عنصر المفاوضات كأحد الأسباب الوجيه لهذا
النصر، لكن أصحاب هذا التصور أدركوا أنهم يسبحون عكس الحقيقة مما حدا برئيس السلطة
الفلسطينية أن يعلن أن الإنسحاب جاء نتيجة لتضحيات
الشعب الفلسطيني، بعدما كان معظم ساسة السلطة
يتجنبون إحراج أنفسهم أمام المحافل الدولية بالحديث عن فضل المقاومة، ولقد
قرأت مقالا مترجما قبل بضعة أيام عن جريدة هآرتس
الصهيونية، تسائل فيه الكاتب قائلا: هل كان لشارون أن
يفكر بالإنسحاب لو كان الهدوء يخيم على غزة والضفة؟
وكان جوابه بالنفي.
فالإندحار من غزة له دلالات مهمة يجب التنويه إلى
بعضها للتاريخ و الأجيال، لنستطيع إكمال الطريق ولتكون غزة فعلا هي مجرد البداية.
فمن الدلالات المهمة
أن الذي عمل طوال حياته على ترسيخ الإستيطان وابتلاع
الأراضي واعتبار المستوطنات البعد الأمني لكيانه هو الذي يأمر بالإندحار
مما يعطي دلالة على إعلانه لفشله وتحطم آماله أمام الصمود والثبات والتضحيات. فالذي انتخبه شعبه ليقضي على الانتفاضة فإذا بها تقضي عليه وعلى طموحاته وتجبره على فشل تصوراته. لقد كان
من الممكن أن يعلن غير شارون عن هذا الهروب، لكن إعلان شارون بنفسه عن ذلك فيه
هزيمة لكل أطروحات وسياسات اليمين الصهيوني والذي كان من أهم ركائزه سياسته
الاستيطان وكان ينجح في الانتخابات بفضل حصوله على أصوات أغلب المستوطنين حيث يغلب
عليهم الطابع الديني لا العلماني، وكذلك هزيمة لكل قيادات الكيان الصهيوني
التاريخية و التي كان يعتبر شارون نفسه وارثا لهم وحاميا لأحلامهم، وهو الذي خاض
العديد من المغامرات الحربية والقتالية وكان يعتبر نفسه فوق القانون و لا أحد
يستطيع محاسبته. إن إعلان شارون بنفسه عن إندحار جيشه
لدلالة على أزمة في التفكير وصل إليها فلم يجد بد من إيجاد واختراع سبب يبرر به انهيار أحد الركائز التي يستند عليه اليمين لإقناع اليهود
فكان المبرر لعمله هذا هو حماية كيانه الزائل لا محالة، وبذلك يثبت أنه وبتصرفاته
الرعناء تحولت قلاعه الأمنية لقلاع للهزيمة ولقتل رجاله.
ولفهم صعوبة الأمر
والحسرة النفسية التي يعيشها المجرم شارون نأخذ بعض الفقرات من تصريحاته، فلقد صرح
بعد قرار الإنسحاب بالقول: " لو كان الشعب اليهودي
قد وطن مليون مستوطن في المناطق وليس ربع مليون فقط لكان المشهد مغايرا تماما"
، وفي مقابلة قبل حوالي أسبوعين مع جريدة الجيروزالم بوست قال: " وعدني إبأن
بمواصلة البناء في الكتل الإستيطانية، إننا لم نكن
لنتواجد في المسجد الإيراهيمي في الخليل وفي غوش عصيون وقبر راحيل وعلى
المرتفعات المطلة على ساحل البحر، من دون المستوطنين".
كذلك من الدلالات المهمة أن هذا الانسحاب جاء
بعدما ظن بعض الناس أن لا مجال للتحرير وهنا نستذكر قول الله تعالى " حتى إذا
استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا". وبعدما وصل الطغيان بدولة
يهود بالتكبر والتجبر وخصوصا بعدما قويت شوكتها بحماية الوجود الأمريكي في العراق،
مما زاد الثقل على المجاهدين، لكن المجاهدين تركوا هذه الظنون وراء ظهورهم وظنوا
أن لا ملجأ من الله إلا إليه سبحانه، فاعتمدوا عليه، وبذلك سطروا قاعدة مهمة
للأجيال أن النصر مهما كانت قوة العدو وضعف الصديق ممكن بالإرادة والمثابرة والتضحيات،
وأن وعد الله نافذ، وأن ما يراه البعض مستحيلا أحيانا هو في العرف القرآني قدرا
محتوما إن اتبعت السبل و الطرق الإلاهية.
ودلالة أخرى، أن دولة
يهود كانت تظن أن وجود حليفها الاستراتيجي في المنطقة واحتلاله للدولة الأكبر خطرا
على يهود سيحقق لها أهدافا عديدة منها: ضعف الدول العربية مما يعني زيادة في
انهزام وتحطم معنويات الشعوب العربية، ثم التخلص من خطر وهاجس كبير كان يهدد أمن
هذا الكيان، ثم التلويح بالعصا الأمريكية الجاهزة في حال عصيان أي دولة عربية
للمنظومة الصهيونية وأهدافها، ثم هزيمة الفلسطينيين نفسيا تمهيدا لهزيمتهم عسكريا
ولتنتهي بذلك الإنتفاضة وعندها لن يفكر أحد بعد ذلك
بالمقاومة. لكن كل هذه التوقعات باءت بالفشل وأسقطت نظريات المرحلة المرسومة في
العقلية الإستراتيجية الصهيونية، وساهم في ذلك عاملان مهمان وهما قوة شوكة
المقاومة العراقية والتي استطاعة أن تهز من كبرياء الأمريكي و تشكك في شجاعته
فكشفته على حقيقته، والعامل الآخر قدرة المقاومة الفلسطينية على تجاوز المرحلة
بسرعة وعدم التأثر النفسي بالضعف الرسمي المتنامي في المنطقة وبخسران استقلال دولة
عربية مسلمة حليفة في المنطقة.
ومن الدلالات المهمة
في هذا السياق أن العقل التفاوضي الفلسطيني ومن وراءه العربي أثبت ضعفه في النظرة
المستقبلية أمام العقلية الجهادية الفلسطينية. ففي الوقت
الذي كان المفاوض لا يطمح إلا بالرجوع إلى حدود ما قبل 27 سبتمبر، كان المقاوم
يوعد الناس وجنده بالنصر الحتمي ويصر على التمسك بجميع الأرض التاريخية. وهنا
ينتصر الوعد القرآني على الوعد البشري الذليل. وبالرجوع لتصريحات بعض القيادات
كالشيخ أحمد ياسين والرنتيسي وصلاح شحادة
تتضح لنا أنهم كانوا يعلمون ما يريدون وينظرون للأمر على حقيقته لا من منظور خيالي
له شجون الأمنيات.
لقد شاءت إرادة الله
أن يتم الاندحار الصهيوني في أضعف الأوقات التي يمر بها
العالمان العربي و الإسلامي من تبعية وتشرذم، وهو دليل على قدرة الشعوب في صنع
تاريخها إذا اعتمدت على ذاتها وسواعدها وأبدت استعدادها لكل تضحية قد تتطلبها
المرحلة.
ولقد جاء الخروج من
غزة بعد تصفية بعض القيادات المهمة وعلى مستويات مختلفة، مما تجعلنا نعتقد يقينا
أن العدو كان يراهن باغتيالهم على ضعف المنظومة الجهادية وأن اغتيال القادة مقدمة
للهزيمة، مما جعل صدمته أقوى حينما أدرك أن المقاومة استمرت دونما تأثير وأن
القيادات خلفت وراءها قيادات لا تقل جسارة ولا فهما و لا عظمة من سابقتها، مما
ساعد على سرعة انهيار النظرية الأمنية ونتائجها القائمة على زيادة سيلان الدم
الفلسطيني. لقد أثبتت الفصائل المقاومة وفي مقدمتهم
الفصائل الإسلامية أنها مصممة فعلا على المضي في الطريق لآخر عنصر فيها، وهذا ما
يعجز العدو وغيره من مجاراته والصمود أمامه.
ولعل من أهم الدلالات
التي نحتاجها هي عدم النظر بإحباط إلى الوقائع الجديدة
التي يفرضها العدو على الأرض مع إدراكنا لخطورة ذلك، و إدراكنا لزيادة متطلبات
التحرير لكل واقع جديد، إلا أن هذا لا يغير من الحقيقة شيئا أن الأرض مهما اختلفت
معالمها فلن تأول في النهاية إلى لصاحبها بالقوة أو غيرها. ولذلك لن يعيق أي عائق
كان مسيرة التضحية والشهادة والفداء،فتبديل المعالم يقابله تبديل الوسائل القتالية.
المهم أن نملك النفوس المستعدة والجاهزة للتضحية والفداء والثبات والجهاد والشهادة
مع حسن التخطيط وامتلاك عزيمة العمل الدؤوب.
وأخيرا إن أردنا
الاستفادة مما سبق فعلينا التيقن بأن يوم زوال دولة يهود قد بدأ فعلا بالاقتراب
وعندها لن ينفعهم جدار ولا سلاح ولا نصير ولن يجدوا حظا لهم إلا الجلاء عن أرضنا
أو حفر قبورهم بأيديهم.