جحيم معبر رفح

 

 

 

بقلم :رشاد أبوشاور

 

هكذا يصفه الفلسطينيون المبتلون بعبوره، فمعبر رفح بين مصر وفلسطين ليس حدوداً عاديّة، إنه عذاب، ومهانة، وانتظار، وأمزجة تتحكّم بالفلسطينيين خروجاً ودخولاً من وإلى قطاع غزّة.

رفح مصريّة وفلسطينيّة، تمّر الحدود بها فتقسمها نصفين، وتفعل ذلك في الأسر، وإن عجزت تلك الحدود عن تمزيق شريان الدم الواحد في الجسد العربي الفلسطيني المصري.

الغزازوة ارتبطوا دائماً مع مصر بحبل حياة يغذّي الحب والمصالح الواحدة، ويرتقي بالعلاقات إلى حّد التداخل والامتزاج مّما يعمق العرى ويجعلها عصيّةً على الانقطاع والجفاف...

لكن.. لابدّ من التنبّه إلى أنّ هناك ما يشوّه هذه العلاقة المصيريّة، ويلونها بالحزن والقهر، ويدفع بها إلى حيث لا يرضي شعب مصر الحبيب.

معبر رفح يختصر مساوئ خافية، ولذا آن أن يفتح، خّاصةً بعد أن صوتت حكومة (شارون) بالموافقة على دخول 750 عنصراً من خفر الحدود المصري ليحرسوا الحدود مع قطاع غزّة بعد انسحاب جيش الاحتلال!...

لا، ليست مهمّة قوات الأمن المصرية حراسة حدود مصر من (العدو) الذي يحرمها من التموضّع على أرض سيناء، وبموجب اتفاقات (كامب ديفيد) التي طبخها هنري كيسنجر مع (صديقه) السادات، والتي حرمت جيش العبور من دخولها.

 

اختصر الشاعر الشعبي المصري أحمد نجم الصفقة الفضيحة ببلاغة جارحة:

رجعت سينا وضاعت مصر

ثمّ ها إنّ رائحة الفضيحة تفوح من جديد، وفلسطين، بارك الله بها قضيةً وشعباً، تفضح كلّ المستور، وتفضح المساوئ، وتعري المتآمر من ثوبه الشفّاف، وتوقفه بكامل خزيه...

 

مهمة قوّات حرس الحدود المصرية ستكون مطاردة الفلسطينيين، حراسة الحدود لـ(إسرائيل) من الفلسطينيين، القيام بما فشلت به قوّات الاحتلال...

 

ينسى من انتظروا موافقة شارون وحكومته أن الفلسطينيين بدمهم، وأهل قطاع غزّة ببطولاتهم، وصبرهم، هم من منح حرس الحدود المصريين الفرصة لرؤية سيناء من جديد، والوقوف على حدود مصر، وسيتحولون بحكم المهام الموكلة إليهم إلى أدوات قمع وترصّد...

 

فماذا سيكون الشأن في معبر رفح الجحيمي؟

 

 

لا بدّ أن يعرف أهلنا في مصر بعض ما يحدث لأخوتهم الفلسطينيين في هذا المعبر:

 

عند الخروج من رفح الفلسطينيّة إلى مصر يدفع كل فرد فلسطيني (نفر) 26 جنيهاً مصرياً رسوم عبور!

عند العودة يدفع كل فلسطيني 78 جنيهاً مصرياً وعليها ضريبة 5 جنيهات.

أجرة عربة حمل الشنط (الكّروسة) 20 جنيهاً، والعامل الذي يدفعها 10 جنيهات، وأحياناً أكثر.

يخرج الفلسطيني بعد ختم جواز سفره، وهنا عليه أن يدفع: 10 جنيهات مصرية أجرة عربة (كّروسة)، 5 جنيهات للعامل الذي يسوق الكّروسة 15 جنيهاً أجرة باص ينقل الفلسطينيين إلي الحدود الفلسطينية التي تسيطر عليها قوّات الاحتلال، لبضعة أمتار، ويدفع أجرة الشنط للباص بما لا يقّل عن 15 جنيهاً...

وهكذا فإن الفلسطيني يستنزف مالياً، الفلسطيني الذي غادر غزّة ليلتقي بابنه أو ابنته، أو أحد ذويه، القادمين من دول الخليج، ليحصل على شيء من المال يستعين به على ظروف (الحصار)، والبطالة، وغلاء الأسعار.

احسبوها: كم يتكلّف عبور هذا الجحيم لأسرة فلسطينيّة متوسطة الحجم، والفلسطينيون منجبون لأنهم يخوضون معركة ديمغرافيّة نيابة عن العرب اللاهين.

لماذا يدفّع الفلسطيني كل هذه الضرائب (التشليحيّة) في معبر رفح، في حين لا يدفع أحد من العرب مثلها في مطار القاهرة، مع الفارق بين الحالتين، فالفلسطيني معذّب، صامد، فقير الحال ماليّاً، وغيره يفد إلى مصر لشّم الهواء والفرفشة.

 

 

عندما يغلق (العدو) معبر رفح من الجهة الفلسطينية، يحشر الفلسطينيون في الجانب المصري داخل قاعة، يحرم عليهم مغادرتها، يفترشون البلاط الوسخ ، ويلتحفون العراء، وهذا الحال قد يطول لأيّام...

لا خدمات في المعبر الحدودي المصري، وحتى (الحمّامات) الكريهة يجلس على مدخلها رجل وامرأة يدّفعون الفلسطيني ثمن قضاء حاجته!

كاسة الشاي ثمنها 3 جنيهات، وزجاجة الماء 4 جنيهات.. هل معبر رفح تابع لفندق الشيراتون؟ هل الخدمة في معبر رفح 5 نجوم؟!

 

الفلسطينيون أحيوا منطقة العريش التي تهملها الحكومة المصرية: المطاعم، الفنادق، سيّارات الأجرة، تجارة الملابس، الأسماك...وأهل العريش يتحسسون آلام إخوتهم الفلسطينيين دائماً، وهم مع أهالي رفح - وحتى من الصعيد - هبّوا لتقديم العون أثناء انتفاضة الأقصى، وحاولوا كسر الحصار التمويني الذي ضربه العدو على قطاع غزّة...

 

هناك مرارة في نفوس الفلسطينيين من المعاملة الابتزازية في معبر رفح المصري، من الشتائم السافلة، والعبارات النابيّة الوقحة التي توجّه لأمهاتنا، وشيوخنا الطاعنين الذين يخرجون للعلاج، وللقاء أبنائهم وبناتهم قبل أن يفرّقهم الموت عنهم.

 

في ذلك المعبر تحدث أمور غريبة، فعلى سبيل المثال يتّم تفتيش شنط الفلسطينيين وهم يعبرون إلى وطنهم، تنفل الشنط، تقلّب الأغراض ، تنفض قطع الملابس قطعة قطعة!.

 

ما هذه الدقّة، وهذا الحرص؟

 

واضح أن هناك تعليمات صارمة بمثل هذا التفتيش نيابة عن الاحتلال الذي سيفتش الفلسطيني بعد عدّة أمتار!.

 

بعض مكابدات الفلسطينيين تجعل المرارة تطفح من الحلق، فهذه ليست أخوّة، ولا هي سلوكيات حدوديّة طبيعيّة تمارس في أي مكان.

 

مراكز الحدود باتت عامل جذب بما تقدّمه من تسهيلات واحترام للزوار، ولكن معبر رفح يضطهد الفلسطينيين، ترمي ملابسهم وتبهدل حاجيّاتهم وكأن من يقترفون هذه السلوكيات يستكثرون علي الفلسطيني أن يشتري ملابس وهدايا يعود بها إلى أهله في مخيمات غزّة!...

 

هناك قلق وخشية من موافقة حكومة شارون على وقوف حرّاس الحدود المصريين على حدود قطاع غزّة الفلسطيني. هناك خشية من أن يتحوّل معبر رفح إلي أداء دور أكثر سوءاً...

 

طبعاً جماعة السلطة من حاملي بطاقات الـ vip لا يأبهون لمعاناة أهلنا، ويواصلون نفاقهم ومدائحهم للعلاقات الأخوية الفلسطينية المصرية، وإزجاء الشكر للدور المصري الرسمي الوساطي...

 

 

 

نحن حرصاء على علاقة شعبنا بشعب مصر، نحن من تعلّم الألوف من أبنائنا وبناتنا في جامعات مصر أيام القائد الخالد جمال عبد الناصر، نحن من يحترم جيش مصر الذي سرق انتصاره وحرم من دخول سيناء، نحن من يعرف أصالة شعب مصر.. نحذّر مّن الدور المصري الرسمي، وننبّه إلى أن شعبنا لن يقبل بأن يحشر بين قوّات الاحتلال و.. السلطات المصرية.

 

لشرفاء مصر نضمّ صوتنا منذرين من هذا الدور الذي لا يليق بعظمة مصر، وتاريخها، وجغرافيتها، ودورها، ومصلحتها.