التطبيع الباكستاني مع إسرائيل: وقوع في الحرام السياسي

 

 

 

 

بقلم:فهمي هويدي

 

كوارث الأسبوع الماضي ثلاث: إعصار «كاترينا» المدمر الذي ضرب ولاية لويزيانا الأميركية، وغرق ألف عراقي في نهر دجلة من جراء الفوضى التي دبت بين جموع العابرين لجسر الأئمة في ذكرى وفاة الإمام الكاظم، والإعلان عن بدء إقامة علاقات دبلوماسية بين باكستان وإسرائيل. القاسم المشترك بين الكوارث الثلاث أن كلاً منها بمثابة صدمة موجعة من العيار الثقيل، جاءت من حيث لا نحتسب. غير أن ثمة تمايزات بينها، منها أن الكارثتين الأوليين لهما طابعهما الإنساني في المقام الأول. أما الكارثة الثالثة فهي ذات طابع سياسي وإنساني بنفس الدرجة. منها أيضاً أن الكارثتين الأوليين فاجأتا الجميع، أما الكارثة الثالثة فيبدو أن عنصر المفاجأة فيها كان نسبياً، لأن «طبخ» العلاقة بين باكستان كان مستمراً بعيداً عن الأعين خلال السنوات الأخيرة، حيث تبين أن الأمر كان يرتب في محيط دوائر صغيرة بين الطبقة السياسية، بالتالي فلم يفاجأ بالإعلان سوى الرأي العام العربي والإسلامي، الذي كان وقع الصدمة عليه شديداً. ولذلك لم أستغرب قرار الأحزاب والجماعات الإسلامية الباكستانية اعتبار يوم الجمعة الماضي (9/2) الذي أعقب الإعلان يوم «حداد» في البلاد، تعبيرا عن الفجيعة والغضب إزاء الخطوة التي أقدمت عليها حكومة إسلام آباد، فالذين يعرفون عمق المشاعر الإسلامية في باكستان، وتعلق شعبها بالقضية الفلسطينية وفي قلبها قضية القدس، يستطيعون أن يدركوا حجم الصدمة التي سرت في الشارع الباكستاني من جراء ما جرى، ولا يغيب عن البال في هذا الصدد أن الهوية الإسلامية هي جزء من شرعية الدولة في باكستان، وهي المبرر الأساسي لقيامها، بالتالي فإن المساس بأي قيمة تتصل باستحقاقات ذلك الانتماء، يحدث جرحاً عميقاً في الضمير الإسلامي هناك، من الصعب التئامه أو تجاهله. لذلك أزعم أن ما أقدمت عليه حكومة إسلام آباد يعد خطأ سياسياً جسيماً، حتى من وجهة النظر الداخلية، لأنه يمثل تحدياً صارخاً لمشاعر الشعب الباكستاني، يمكن أن يكون مصدراً لقلاقل تهدد النظام القائم، الذي يعرف الجميع حجم المتاعب التي يواجهها، والتي كان من تجلياتها تعرض الرئيس مشرف شخصياً لأكثر من محاولة اغتيال. وهو ما يخلف وضعاً أشبه بالصدمة التي أصابت الشعب الموريتاني المعتز بانتمائه العربي والإسلامي، إثر إقدام الرئيس السابق ولد الطايع على إقامة علاقات مع إسرائيل في عام 99، مما كان له صداه في توسيع نطاق الغضب وتحريك أكثر من محاولة للانقلاب على حكومته، انتهت بالإطاحة به في الشهر الماضي.

 

حتى إذا تجاوزنا عن تداعيات القرار الباكستاني على الوضع الداخلي، فإن وصف «الكارثة» يظل يلاحقه.. لماذا؟

 

* لأن الإعلان عن البدء في إقامة علاقات دبلوماسية بين باكستان وإسرائيل يعني مباشرة تحليل الحرام السياسي في العالم الإسلامي، صحيح أن تركيا أقامت علاقات مع إسرائيل بعد سنوات قليلة من إنشائها، وصحيح أيضاً أن لإسرائيل علاقات غير معلنة مع دول إسلامية أخرى، ولكننا نعرف أن تركيا العلمانية كان لها منذ تأسيس الجمهورية في العشرينيات موقف مرتم في أحضان الغرب ونافر من الإسلام والعروبة، وهو موقف ظل مؤثراً على السياسة التركية لأمد غير قليل، بعكس باكستان التي اكتسبت شرعيتها من الهوية الإسلامية كما ذكرت تواً، في حين ظلت القضية الفلسطينية تحتل مكانة خاصة في الوجدان الشعبي طول الوقت، في الوقت ذاته فإن إقامة علاقات بين بعض الدول العربية أو الإسلامية في السر يعد «منكراً» غير مرحب به بطبيعة الحال، ولكنه أقل سوءاً من الجهر بتلك العلاقة، لأن التعرف في الحالة الأولى يستبطن إدراكاً بعدم مشروعيتها، في حين أن الإعلان عنها يهتك الحرمة، ويقنن العلاقة، مضفياً عليها جانباً من المشروعية. ومن شأن ذلك أن يفتح الأبواب واسعة أمام إسرائيل لاجتياح العالم الإسلامي وتثبيت أقدامها في جنباته.

 

* لأن تحليل الحرام السياسي الذي تجنبت الدول الإسلامية الإقدام عليه طيلة العقود التي خلت، بسبب الجريمة التي ارتكبتها إسرائيل في فلسطين، من شأنه أن يؤدي إلى شطب القضية الفلسطينية من «أجندة» تلك الدول، باعتبار أن إقامة العلاقات مع إسرائيل في الوقت الراهن تعني من الناحية العملية القفز فوق القضية، والمشاركة في التعتيم على السياسات الإسرائيلية الاستئصالية في فلسطين، وليس ثمة شك في أن القرار الباكستاني يعد خطوة «رائدة» في هذا المجال، تشجع دولا إسلامية أخرى على احتذائها.

 

* لأن الخطوة التي اتخذتها حكومة إسلام آباد تدل على أمرين: الأول أن إسرائيل نجحت في خداع البعض، وإيهامهم بأن انسحاب قواتها من غزة يعد تطبيقاً لقرار مجلس الأمن رقم 242، والتزاماً بخطة الطريق. الأمر الذي يفتح الباب أمام إقامة دولة فلسطينية مستقلة، بما يوحي بأن القضية بسبيلها إلى الحل، وتصديق هذا الزعم يعني أن هناك تغييباً كاملاً للواقع الحاصل على الأرض، الذي يكذب كل فقرة في الإدعاء الإسرائيلي، ببساطة لأن الجميع ـ حتى في قيادة السلطة الفلسطينية ـ يعرفون جيداً أن غزة لم تتحرر بعد، وأن الاحتلال لا يزال مستمراً، وأن إسرائيل مصرة على محاصرة القطاع والتحكم في مداخله ومخارجه، وفي بحره وسمائه.

 

* لأن ما جرى يعد شهادة إضافية على مدى هيمنة السياسة الأميركية على القرار في باكستان، وهي السياسة التي فرضت على ذلك البلد المسلم أموراً كثيرة، كانت الحملة على التعليم الديني من أصدائها، ثم انه يعد شهادة دالة على أن موالاة الولايات المتحدة باهظة التكلفة، ولا تقف عند حد. إذ بات على من يروم كسب قلب واشنطن إن كان لها قلب أن يلتزم بموقف الانصياع الكامل، حتى وإن أدى ذلك إلى الإضرار بمصالح نظام البلد الصديق.

 

لا ينطلي على أحد ادعاء من تحدث باسم الحكومة الباكستانية أن هذه الخطوة تمكن إسلام آباد من القيام بدور فعال في عملية السلام، فهو إدعاء غير قابل للتصديق، حتى في إسرائيل ذاتها، التي كتب معلقوها مرحبين بما اعتبروه «خطوة تاريخية»، وقائلين صراحة بأن باكستان بما فعلت أرادت أن تحصل على شهادة قبول في واشنطن، وقال أحدهم إن إسرائيل سعيدة بدور شباك التذاكر الذي ينبغي أن يمر به كل من يريد الوصول إلى قلب الإدارة الأميركية، يكفي أنها تقوم بدور المحصل الذي يستحوذ على ثمن التذكرة دائماً. الصحف الإسرائيلية حملت إلينا خبراً مفجعاً آخر، هو أن موسم «جني القطاف» قد حل أوانه، وأن الجوائز سوف تنهال تباعاً على شارون من العالم العربي والإسلامي، مكافأة له على الانسحاب من غزة، وقرار الحكومة الباكستانية يعد أحد تلك الجوائز الثمينة. وتحدثت صحيفة يديعوت احرونوت عن ممثلية إسرائيلية في دبي، «فهم دبلوماسيين، وتعمل بسرية تامة، بناء على طلب السلطات هناك»، وهو الخبر الذي أشير إليه أكثر من مرة في السابق، ولكن السلطات في دبي نفته.

 

إلى عهد قريب كنا نعتقد أن التصريحات الإسرائيلية التي تحدثت عن عشر دول عربية وإسلامية ستقيم علاقات مع تل أبيب قبل نهاية العام الحالي، ليست سوى فرقعات سياسية وإعلامية، أو تمنيات قد تتحقق أو لا تتحقق. ولكن القرائن المتتالية دلت على أن إسرائيل لم تضيع وقتاً قبل الانسحاب من غزة وبعده، وأن آلتها الإعلامية والسياسية، المؤيدة بالمطلق من جانب واشنطن، نجحت في تحويل الكابوس إلى حقيقة، وليس هناك شك في أن هشاشة الوضع العربي وقوة النفوذ الأميركي في المنطقة كانا من العوامل الأساسية التي ساعدت على ذلك.

 

ليست هذه أول الكوارث بطبيعة الحال، لأننا يجب أن نعترف بأن الاختراق الإسرائيلي بدأ بكارثة اتفاقيات السلام التي وقعت مع مصر أولاً ثم الأردن ثانياً، الأمر الذي أسهم في إضعاف الموقف الفلسطيني وضعضعة الموقف العربي، وهي الثغرة التي استثمرتها إسرائيل إلى أبعد مدى، ومنها نفذت إلى أرجاء العالم العربي والإسلامي، حتى بات الموقف العربي هو أضعف الحلقات في القضية الفلسطينية، للأسف الشديد.

 

ليس سراً أن إسرائيل تسعى الآن جاهدة إلى إغلاق ملف القضية الفلسطينية، وشطبها من الأمم المتحدة ومن «الأجندة» العربية، وليس هناك شك في أن استمرار إسرائيل في تلقي الجوائز من دول العالم العربي والإسلامي يعد إسهاماً عملياً في بلوغها ذلك الهدف، وذلك وضع إذا ارتضته بعض الأنظمة العربية، فاحسب أنه سوف يفجر صوراً مختلفة من الغضب في العالم العربي والإسلامي، يعلم الله وحده شكله ومداه.

 

إن المطلب العربي الذي يخدم القضية والسلام حقاً في المنطقة صار الآن أكثر تواضعاً، حيث انعقد اجماع الدول على القبول بالتطبيع مع إسرائيل إذا ما قامت بالانسحاب من الأراضي التي احتلتها في عام 67، وهو الموقف الذي اعتمدته قمة بيروت بناء على المبادرة السعودية التي قدمها الملك عبد الله بن عبد العزيز (ولي العهد آنذاك)، ولذلك فإن أي تطبيع تمارسه دولة عربية تحت أي مسمى ينبغي أن يظل ضمن الحرام السياسي، وأي خطوة تتخذها إسرائيل في مواجهة الفلسطينيين ينبغي أن تقيم بمقدار اقترابها من هدف الانسحاب من أراضي 67.

 

إنني أتمنى أن تجدد القمة العربية المرتقبة التي قيل إنها تأجلت إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية المصرية، الموقف الذي عبرت عنه في بيروت، لقطع الطريق على المحاولات الإسرائيلية لتطبيع العلاقات بالمجان مع المزيد من الدول العربية قبل نهاية العام، وهو موقف إذا أعلن، واحتذته القمة الإسلامية الطارئة التي دعا إلى عقدها الملك عبد الله عاهل السعودية، فإنه يمثل الخدمة الحقيقية للقضية الفلسطينية وللسلام العادل ـ وليس المزيف ـ في المنطقة.

 

نقلا عن الشرق الأوسط