العراق إلى أين بعد مسرحية الانتخابات؟!
بقلم :د. فيصل الفهد
رغم أنّ وضع الوجود
الأمريكي الاستعماري في العراق وصل إلى حافاته النهائية
ولم يعد بمقدور إدارة بوش أن تخفي عجزها وفشلها واندحار قواتها إلاّ أنّ هذه
الإدارة وكجزء من عملية تخفيف وطأة الهزيمة استمرت في تنفيذ ما تبقى من أجندتها
ونعني بـه مسرحية الانتخابات منتصف الشهر الحالي وإذا
كان بوش وإدارته قد أيقنوا أنّهم أخفقوا في تسويق احتلالهم للعراق مثلما أخفقوا في
تحقيق أيّ من أهدافهم لا سيّما غير المعلنة لحدّ الآن ،
فما هو سبب كلّ هذا الإصرار على تنفيذ ما تبقى من أجندتهم
في العراق .
إنّ الجواب على هذا
السؤال ربما أصبح في جانب مهم منه واضحاً للمتابعين السياسيين لا سيّما الذين يرتبطون بهذا القدر أو ذاك بمصلحة بما يحدث في
العراق وهم معنيون بما ستؤول إليه الأمور في المرحلة القادمة ، ومن هنا سنتناول
الإجابة على السؤال من زاويتين ، هما :
1- الأهداف المعلنة .
2- الأهداف السرية .
1- الأهداف المعلنة :
منذ أن خطط جورج بوش
وأركان إدارته لغزو العراق بداية 1990 تلك الخطط التي ارتبطت بأهداف استراتيجية كونية تعود إلى سبعينات القرن الماضي وضعت احتلال
العراق في صلب الأهداف الأمريكيّة الملحة لأسباب عدة أبرزها :
أ- تجاوز النظام الوطني
في العراق للخطوط الحمراء في التنمية الماديّة والبشرية وبناء جيش قوي وترسانة
مسلحة متقدمة وسياسة مستقلة (ودعم حقيقي للفلسطينيين) بدأت تسبب القلق للكيان
الصهيوني ، ومنهج العراق في خلق قاعدة متقدمة من العلماء اعتقد أعداء العراق
والأمة العربيّة أنّها ستشكل خطورة عليهم .
ب- الخزين النفطي (الأول في العالم) وحاجة أمريكا المتزايدة من
الطاقة الآن وفي المستقبل وهدف أمريكا الآخر من السيطرة على النفط هو أن تلوي ذراع
منافسيها عبر السيطرة على النفط .
ج- مصالح استراتيجية تسويقية لشركات إنتاج السلاح والتكنولوجيا الأمريكيّة
.
وفي ضوء إدراك
الإدارات الأمريكيّة لأهمية منطقتنا وفي المقدمة منها العراق ، البلد الوحيد الذي
لم تروّض قيادته ، بل إنّ هذه القيادة كانت من وجهة نظر المسؤولين
الأمريكيّين وحلفائهم الصهاينة وعملائهما في المنطقة
مصدر خطر وإزعاج ، ومن هنا مرّرت الحرب العراقيّة الإيرانية وقضية الكويت والعدوان
على العراق 1991 واستمراره مع الحصار الجائر ثمّ احتلال العراق في 9 نيسان 2003 ..
كلّ ذلك حصل وصولاً إلى تحقيق تلك الأهداف المنوه عنها لا سيّما
وأنّ إدارة بوش الابن (والتي سارت على نفس خطى بوش الأب وبنفس رجالاته) أرادت أن
تحسم الموضوع بشكل نهائي مستغلة مسرحية 11 سبتمبر ومستندة على معلومات مشوشة
مفبركة من قلة من الخونة والجواسيس الذين حسبوا أنفسهم على الشعب العراقي ،
والعراقيون براء منهم ومن أمثالهم .
لقد أشاعت إدارة بوش
جملة من الأكاذيب واستغلتها لتبرير احتلالها للعراق دون سند أو دليل مادي وضربت
الشرعيّة الدوليّة التي كانت تستغلها لتبرير عدوانها على شعوب العالم .. وعند
اكتشاف العالم كذب وافتراء ادعاءات بوش في احتلاله
للعراق أخذت الإدارة الأمريكيّة تلوّن حججها وتقدّم في مرحلة أكذوبة جديدة، ولعل
أكثر الأكاذيب قدرة على الاستمرار في استخدامها (محاربة الإرهاب، الديمقراطية
وحقوق الإنسان ، حقوق المرأة) ومن هنا لم يعد في جعبة بوش وإدارته غير الحديث عن
هذه المصطلحات التي لم يصل إلى الشعب العراقي منها إلاّ نقيضها ، فمصدر الإرهاب
وصناعته وتنفيذه في العراق منذ الاحتلال هي قوات الاحتلال وعملاؤها وحلفاؤها لا سيّما إيران والكيان الصهيوني ، والديمقراطية في العراق على
يد الأمريكان ليست سوى قتل واعتقالات وتعذيب بشع وتزوير في الانتخابات وتكميم
أفواه معارضي الاحتلال وعملائه بالاغتيالات والاعتقالات ، ولم يعد خافياً على أحد
عدد المعتقلات التي ملأت العراق وأخرى خارجه وعدد المعتقلين زاد على 300 ألف معتقل
فيهم أعداد كبيرة من الأطفال وكبار السن وألوف من النساء ، وما شاهده الناس وسمعوه
عن فضائح معتقل أبوغريب لم يكن سوى نموذجاً بسيطاً أمام
هول ما يحدث في المعتقلات سواء تلك التي يديرها الاحتلال الأمريكي أو عملاؤه ،
وأما حقوق المرأة فكان نصيبها أنّ المرأة العراقيّة التي كانت معززة مكرّمة قبل
الاحتلال أصبحت أعداد كبيرة من النساء لا يستطعن مغادرة بيوتهن خشية الاعتداء أو
الخطف أو الاغتصاب أو الاعتقال ، بل إنّ هذه المرأة العراقيّة أصبحت بعد الاحتلال
سلعة تباع في سوق النخاسة والصغيرات منهن
يتمّ تهريبهن بطريقة منظمة إلى دول أخرى لاستغلالهن بطرق غير شريفة .
إذن هذه هي بعض ما
يذاع من أهداف كاذبة يحاول بوش وإدارته تمريرها على الرأي العام الأمريكي والعالمي
ولم يعد بالإمكان الاستمرار باستخدامه الكذب على العراقييّن حيث أصبح كلّ شيء
واضحاً وضوح الشمس .
وهنا ربما يطرح سؤال
نفسه بقوة ، فإذا كان العراقيّون قد اكتشفوا كلّ أسارير اللعبة الأمريكيّة فكيف
لهذه اللعبة أن تستمر ولحلقات الأجندة الأمريكيّة أن تنفذ في العراق؟ والجواب هو
أنّ الأمر بات واقعاً ، فالعملاء القدامى الذين جاءوا مع
الدبابات الأمريكيّة وخلفها لا يزالون يلعبون لعبتهم القذرة الشريرة مستغلين
تعقيدات الوضع في العراق وصعوبته وعدم قدرة كثيرين من الناس على الاستمرار بتحمله .
وهنا تبرز مجموعة
إياد علاوي والخطوط المشابهة لها وهناك من لا يزال يغمض
عينيه من ( عامّة ) العراقييّن الذين تستخدمهم آفة الملالي
ومستغلو مسميات الدين والحوزة ليكونوا وقوداً للنيران التي أشعلوها بين أبناء
الشعب العراقي من فتن الطائفية والدعوة للانحياز إلى المسالك الصفوية
الإيرانية على حساب مصلحة العراق وعروبته وانتمائه الإسلامي الصحيح ، ويتقدّم
هؤلاء جماعة الحكيم والأشيقر والسيستاني
ومن يشابههم في الأهداف والسلوك . وفي المسافة بين هؤلاء وبين إياد علاوي تتأرجح في الخيانة شخصيات وقوى ومسميات ربطت نفسها
بالاحتلال وبعملائه .. ولأنّ أغلب هذه
الفئات قد استنفذت أغراضها ولم يعد بالإمكان استغلالها أمريكياً في المرحلة
القادمة فكان على إدارة الاحتلال وبالذات السفير الأمريكي خليل زلماي أن يدفعوا بالخط الثاني ليطفوا على مسرح الأحداث ،
وبدأنا نتعاطى مع أشخاص وقوى قيل عنها أنّها مغيبة ،
والحقيقة إنّها لم تكن مغيبة بل كانت في مرحلة الانتظار لحين مجيء الوقت المناسب
لكي تظهر وتنفذ دورها المطلوب ، وهذا ما حدث قبل مسرحية الاستفتاء على مؤامرة
الدستور وتحدث الآن في مرحلة الاستعداد لآخر ورقة في الأجندة الأمريكيّة المعلنة ..
ويدخل دور هؤلاء اللاعبين الجدد ومؤتمر القاهرة في حقن المشروع الأمريكي المتهاوي
بمصل مغذي ولكن .... لا هؤلاء المتعاطفين مع الاحتلال
ولا كلّ المغذيات والمنشطات قادرة على إنقاذ ما تبقى من المشروع الاستعماري
الأمريكي في العراق . فالوضع الأمريكي وصل إلى مرحلة (الموت
السريري) على حدّ وصف الطب للحالات المستعصية الغير
قابلة للشفاء أو الاستمرار في الحياة .
وإذا كان هذا هو حال الوضع الأمريكي في العراق
فلماذا إذن الاستمرار بتنفيذ الأجندة الأمريكيّة ؟
والإجابة على هذا
السؤال تتألف من شقين : الأول دعائي لأغراض الاستهلاك المحلي في أوساط الرأي العام
الأمريكي والمناوئين لسياسة بوش داخل أمريكا ، وملخصه
أنّ بوش نفّذ وعوده للعراق وتحقيق الديمقراطية فيه وإقامة حكومة منتخبة على
الطريقة الأمريكيّة وبناء قوات عراقية مسلحّة . وهنا تنتهي مهمته الشريفة
الإنسانيّة في العراق وبعدها سيعيد القوات الأمريكيّة بعد أن نفّّذت واجبها المقدس
.
وهنا يعتقد بوش أنّه
سيجنب نفسه تبعات كلّ ما ارتكبه من حماقات منذ احتلاله العراق وحتى خروج قواته منه
.
أمّا الشق الثاني من
الجواب فهو وثيق الصلة بالأهداف السرية وهي جوهر كلّ قضية التورط الأمريكي في
المستنقع العراقي .
2- الأهداف السرية :
من الغباء أن يتصوّر
أيّ إنسان عاقل أنّ الرئيس بوش أقحم الولايات المتّحدة الأمريكيّة في العراق بسبب
أسلحة الدمار الشامل أو العلاقة مع القاعدة أو أنّ العالم سيكون أكثر أماناً بدون
الرئيس صدام حسين أو أنّ بوش أصبح رسول الله الذي يحمل للعراقيين من دون عباد الله
الرسالة الديمقراطية وحقوق الإنسان وغير ذلك من الأكاذيب.. وليعلم كلّ ذي بصيرة : لو
كان في العراق أسلحة دمار شامل لما تجرأ بوش على مهاجمته وخير مثال على ذلك
التعامل مع كوريا الشماليّة !!
إنّ الرئيس بوش مثله
مثل أيّ رئيس أمريكي جزء من منظومة الرأسمالية الدوليّة
الكبرى التي لها أجندتها ومصالحها الكونية والتي تعتاش
على مشاكل العالم بل وعلى افتعالها . وهذه المنظومة الرأسمالية (المؤسّسات
والشركات العابرة للقارات) هي التي تقف وراء تمويل الحملات الانتخابية وقسم مهم من
المكونات الأساسية لهذه المؤسّسات العملاقة تعود للقوى الصهيونية وتقف شركات النفط
وإنتاج السلاح في مقدمة هذه المؤسّسات ولذلك فالعراق (أغنى بقع الأرض) كان بعقول
أهله الذكية وشجاعتهم وثروات بلدهم هدفاً دائماً لتلك القوى الرأسمالية الدوليّة
ولنأخذ على سبيل المثال كم أنفق على شراء السلاح منذ 20/3/2003 وحتى هذه اللحظة
من مليارات الدولارات ومن الذي استفاد
منها؟ أليست شركات إنتاج السلاح الأمريكي .. ومن يسرق نفط العراق ؟ ومن يستفيد من ارتفاع أسعار النفط ومن مصلحته أن يستولي على
إنتاج النفط في العراق الآن وفي المستقبل ؟ أليست هي شركات النفط الأمريكيّة
العملاقة !!
ومن هنا فإنّ الباقي من الأهداف الأمريكيّة الأكثر أهمية هي :
أ- الهيمنة المطلقة
على النفط خزيناً وإنتاجاً وتصديراً وبما يلبي حاجة الولايات المتّحدة الأمريكيّة
المتزايدة من النفط في العقود القادمة ففي العراق أكبر خزين نفطي في العالم وكلفة
استخراجه وإنتاجه هي الأرخص بين كلّ المناطق الأخرى .
ب- الاحتفاظ بعدد من
القواعد الاستراتيجية
على الأراضي العراقيّة وللعلم إنّ خطة الأمريكيّين في إنشاء هذه القواعد أنّها
يمكن أن تستخدمها في أيّ وقت حتى لو انسحبت القوات الأمريكيّة من العراق أي أنّ
هذه القواعد تكون ذات جاهزية لاستقبال الطائرات
الأمريكيّة ومهاجمة أيّ مكان في أيّ وقت أي أنّ إنشاء هذه القواعد بهدف البقاء
فيها ( رغم أنّ هذه رغبة أمريكية ) بل إنّها قواعد للمستقبل .
إنّ الذي سيحقق هذين
الهدفين وغيرهما وجود حكومة حليفة ( عميلة ) لأمريكا تأخذ على عاتقها توقيع
اتفاقيات طويلة الأمد مع الحكومة الأمريكيّة لاستغلال النفط بالكامل وإقامة
القواعد العسكريّة وتقديم التسهيلات والمشاركة مع القوات الأمريكيّة في أيّة مهمة
تقرّرها الحكومة الأمريكيّة وبذلك يكون العراق إحدى الدول التي تسير في الفلك
الأمريكي وجزءاً من أدواته العاملة وبدل أن كان العراق سبب التهديد الوحيد للكيان
الصهيوني يصبح أكثر الدول صداقة لهذا الكيان .