لا تأخذوا لبنــان الى المجهول
بقلم :الدكتور
محمد احمد النابلسي
رئيس المركز العربي للدراسات المستقبلية
الإنقسام
اللبناني الحالي مخيف ومدعاة للقلق. فهو تخطى أزمة الحكم ،أو العجز عن الحكم، الى البحث عن المتاعب. حتى تحول الامر
الى إستباق طرح إشكاليات
وخلافات يفترض أنها مؤجلة او أقله قابلة للتأجيل. والأسوأ من كل ذلك تكريس نوع جديد من الفوضى عن طريق إلهاء الناس
بالبحث عن موضوع جدالي يغذي الفوضى الأولية المنطلقة مع دعم الوصاية للمعارضات
اللبنانية.
صناعة هذه الفوضى إعتمدت التقسيم الإصطناعي لجمهور
اللبنانيين. إذ قسم أولاً الى مؤيد ومعارض للتمديد. ثم الى مؤيد ومعارض للوجود السوري وبعدها الى
مؤيد ومعارض للوصاية الأجنبية. وغيرها من التقسيمات الإصطناعية
التي وصلت الى حدود الحديث عن حشد 14 آذار وكأنه كتلة
عقائدية.
المراجعة المتأنية تبين لنا بكل وضوح وتأكيد أن
المؤيدين يختلفون على كل شيء وفي كل التفاصيل ولا يتفقون إلا على موضوع التقسيم
ومن دوافع مختلفة. وكذلك المعارضين. وعليه رأينا عقد 14
آذار ينفرط بمجرد تحالفه مع 8 آذار ومن ثم يعلن الأقطاب إنفراط
هذا العقد ليبقى لبنان في حالة من الفوضى السياسية والإجتماعية
القائمة على سياسة الغرائز السلبية من حسد وحقد ورغبات إنتقامية
وغيرها مما لا يمكن بناء وطن أو إستمراره على أساسها. فهل
نستمر في إعتقاداتنا الخاطئة دون مراجعة أو تصحيح؟. والإعتقاد الخاطيء تقود الخطأ
فتأخذنا الى المجهول!؟.
بداية نجد من الضروري
التذكير بالتصنيف النفسي للإعتقادات التي تقسم الى:
1. الاعتقادات الضمنية – التي لانجاهر
بها ولا نناقشها.
2. الاعتقادات الجدالية
– وهي غير مستقرة لكننا نسلم بها عن بينة.
3. انصاف الاعتقادات – وهي
غير ثابتة (غالباً دينية الطابع برأي شيلر).
4. الاعتقادات الموهمة – وهي ايحائية
الطابع.
هذا التصنيف يبين لنا لااطلاقية
المعتقدات وعدم اضطرارنا للاستسلام لها كأداة بطش اجتماعية أو سلطوية أو مخابراتية. وتاليا" فاننا
لسنا عبيداً لهذه القناعات وبخاصة منها تلك المزروعة بإيحاءات التقسيم الإصطناعي المخابراتي. فنحن احرار في اختيارها وتعديلها بما يتناسب مع طموحاتنا الفردية
ورغبتنا في تعديل البيئة (الواقع) وفق غاياتنا ومصالحنا الفردية والجماعية وبخاصة
الوطنية.
الآن ماذا لو حاولنا
مراجعة إعتقاداتنا الخاطئة التي اوصلتنا
الى ما نحن عليه اليوم؟. وماذا لو حاولنا تصنيفها في
الخانات المعروضة اعلاه للإعتقادات؟.
1- هل لنا أن نتحرى
القناعات الضمنية التي هيمنت على تحركات الشارع اللبناني وتحريكه منذ بداية الآزمة وحتى اليوم؟. ما هي هذه القناعات لدى المشاركين في 14
آذار؟. وهل هي مشتركة لدى جماعة عون والحريري وجنبلاط
وجعجع والمعارضين السياسيين وأصحاب الإرتباطات بدول
الوصاية؟. بعض الجماعات شارك ضمناً من أجل عودة عون أو
إطلاق جعجع أو إحداث تغييرات دستورية لمصلحته أو تقديم خدمات للجهات المعنية طمعاً
في ثواب ما... الخ. فإذا ما تحققت هذه الأهداف فقدت
الجماعة تماسكها بإعتراف قادتها. بحيث لم يبقى من هذا
التماسك إلا ما يخدم القناعات الضمنية الجديدة التي تعد لبنان بما لاتحمد عقباه. إذ تمخض 14 آذار عن ديكتاتوريات آحادية فاقدة التجربة وعاجزة سياسياً. مع إصرارها على إستبعاد الآخر. والآخر في هذه الحالة هو
الأصيل وصاحب البيت. لذلك فهو غير مرشح للتجاهل بعد
فقدان الديكتاتوريات لورقتها الوحيدة الجامعة لها وهي ورقة الخروج السوري.
2- هل لنا أن نتحرى
القناعات الإيحائية التي حولها الجدل الإعلامي الى
قناعات زائفة؟. وذلك رغم ملاحظتنا لكثافة هذه الجدالات
وسيولها الدافقة دون توقف. فهل تبقى حكومة كرامي متهمة بنظرية التفخيخ
تحت الأرض التي جادل فيها السيد قباني؟. ومن يعوض هذه الحكومة تلطيخ السمعة الجمماعية والشخصية الذي شارك فيه عديدون
الى جانب قباني؟. وهل تبقى جدالات
المذيع خشان وضيوفه المختارين مقبولة على هناتها وعلاتها؟. ثم ماذا عن بقية الشائعات
التي طاولت الحقوق الإنسانية لقائمة طويلة من اللبنانيين؟. وهؤلاء قد يصمتون لفترة
إضافية لكنهم لن يصمتوا دائماً. خاصة وأن إستقرار البلد
وأمنه باتا موضع شكوك في ظل هذا المناخ الإيحائي – المخابراتي
بتدخل مباشر من الوصايات.
3- أنصاف الإعتقادات هي الأخطر في الوضع اللبناني الراهن. حيث مشاهد الإصطفاف الطائفي والمذهبي باتت مهددة وغير قابلة للتجاهل. إضافة
الى تحريك هذه الحساسيات بمناسبة وبدون مناسبة. ونقول
أنصاف إعتقادات لكونها خارجة على المعتقدات الدينية
الصرفة. وتكفي مراجعة مواقف المرجعيات الدينية اللبنانية لنرى أن الإعتقادات المؤدية للإصطفافات هي
مجرد أنصاف إعتقادات.
4- أخيراً نأتي الى الإعتقادات الموهمة وهي
المسيطرة حالياً على قطاع واسع. وهي تتضمن وعود الكنز الأميركي الذي سيضع الأموال
في جيوب اللبنانيين وفي خزينة دولتهم. وكذلك وعد تحويل لبنان لبلد تهريب الى سوريا المحاصرة ومعه الوعود الإنتخابية
الراكدة منذ الإنتخابات الأخيرة. وهذه الوعود وغيرها تتلطى خلفف حجج موهومة بدورها كمثل
تعليق الحكم والسلطة اللبنانية لغاية نهاية تحقيق ميليس
غير المرتقبة.
لقد آن أوان المراجعة لأن لبنان لا
يستطيع الإستمرار في هذه الأجواء المهددة. حيث العجز عن
الحكم يضع البلد في حالة العيش على القاعدة الإثني
عشرية. وهذا ما يقود لبنان الى المجهول. إذ لا يمكن إنتظار نهاية فترة التمديد ولا ظهور حقيقة ميليس ولا الإستدانة فوق الإستدانة ومراكمة المديونية. كما لايمكن الإستمرار في حكم البلد وفق
مبدأ الصفقة تجنباً لتفجير الحكومة من الداخل. فقد مرت صفقات تعديل المجلس
الدستوري وصفقات تعديل بعض المجالس المذهبية وصفقات التمهيد للخصخصة وغيرها من
الصفقات التي تمرر ونحن متلهون بالحديث عن تمديد مهمة ميليس
وإستقالته وإستبداله والأكثر
كاريكاتورية الجدل حول نوع المحكمة التي ستحكم وفق قراره الذي قد لا يظهر أبداً. فهل تكون محكمة دولية أم نصف دولية أم وطنية أم غيرها؟.
هكذا نستمر في الجدل
لتتحول كل قناعاتنا الى قناعات موهومة عن طريق الجدل
فتتردى أوضاعنا الإقتصادية والمعيشية ويوضع لبنان على شفير صراع أهلي من أجل المطالبة بخفض سعر المازوت فماذا عن
الجوع الذي لا تنفع معه كل الوعود المبذولة؟... المسألة تستحق وقفة لمراجعة حالة الإصطفاف الحالية وإمكانية إنقلابها
أو تفجرها حين لا ينفع الندم. لقد أوقع إغتيال ولي عهد
النمسا ملايين القتلى وأدى لإندلاع الحرب العالمية
الأولى التي لا تزال كابوساً يولد حروباً جديدة حتى اليوم. فإذا ما إتفق كل اللبنانيين على ضرورة معرفة الحقيقة فهل تراهم يتفقون
على تحمل مغامرة جديدة في لبنان أو مغامرة إشعال المنطقة العربية بأسرها؟. على
اللبنانيين أن يقرروا مستوى هذا الإستعداد لديهم.