إلى القُمّص المنكوح:
قراءة
فى إنجيل متى
الدراسة
الكاملة بجزأيها الاثنين
بقلم
:د. إبراهيم عوض
ibrahim_awad9@yahoo.com
لم نكن نحب أبدا أن
نتعرض لدين أحد لمعرفتنا أن كل إنسان يعتز بدينه أيما اعتزاز ويتألم إذا تعرض له أحد
بغض النظر عما إذا كان هذا الدين صوابا أو خطأ، بيد أن القوم فى المهجر دأبوا منذ
سنين على التباذؤ فى حق الإسلام ونبيه وأتباعه وقلة الأدب مع الله رب العالمين على
نحو لم يسبق له مثيل وفتحوا لذات الغرض الخسيس دكانةً للقُمّص المنكوح ، ظانين أن
أحدا لن يرد عليهم ومتصورين أن أمريكا ستضرب وتُرْهِب كل من تسول له نفسه الكريمة
الغيرة على دينه ورسوله وأمته، إلى أن فاض الكيل وتكرر عتب الناس علينا لسكوتنا عن
هذا الإجرام وهذه السفاهة، فكان لا بد من وقفة نعرّف فيها السفهاء ذوى الأدبار
المنتنة التى لا تعرف الطهارة وتراها رجسا من عمل الشيطان حجمهم الحقيقى ونُظْهِر
هشاشة ما يعتقدون ويعتنقون من دين. والشر بالشر، والبادئ أظلم، وعلى نفسها جنت
براقش! وفى هذا المقال نتناول بالدراسة النقدية السريعة الأناجيل كما يؤمن بها
هؤلاء وأمثالهم، متخذين من "إنجيل متى" نموذجا لها. وسوف نبدأ دائما
بنقل كل فصل ندرسه بنصه، ثم نثنِّى بعد ذلك بنقده. وغايتنا هنا ليست كغاية زيكو
العجيب، هو وأشباهه ممن يلجأون إلى الكذب لنصرة مذهبهم بالباطل، فتراهم ينتقون
أشياء ويهملون عن عَمْدٍ أشياء، ويخترعون أشياء ويلوون عنق أشياء... إلى آخر
الوسائل المريبة التى يستعملونها فى هذا الغرض، بل سنكتفى فى كل مرة بسَوْق النص
كما هو فى الإنجيل دون بتر شىء منه وتَرْكه يتكلم بلسانه هو لا بلساننا، محترمين
المنطق والمنهج العلمى تمام الاحترام، وكذلك حرية كل إنسان فى الإيمان بما يشاء
والكفر بما يشاء، مبرزا ما أراه يستحق الثناء مما أعتقد أنه وحى سماوى أو يشبه أن
يكون وحيا سماويا. وسوف يكون اعتمادنا على نسخة الكتاب المقدس التى تقدمها جمعية
الكتاب المقدس بلبنان كما هو على المشباك، أما الشواهد فمن ترجمة سميث وفانديك.
والآن على بركة الله نبدأ:
الفصل الأول:
"نسب يسوع
هذا نسَبُ يسوعَ المسيحِ اَبنِ داودَ اَبنِ إبراهيمَ:
2إبراهيمُ ولَدَ إسحق. وإسحق وَلَدَ يَعقوبَ. ويَعقوبُ ولَدَ يَهوذا وإخوتَه.
3ويَهوذا ولَدَ فارِصَ وزارَحَ مِنْ ثامارَ. وفارِصُ ولَدَ حَصْرونَ. وحَصْرونُ
ولَدَ أرامَ. 4وأرامُ ولَدَ عَمَّينادابَ. وعَمَّينادابُ ولَدَ نَحْشونَ. ونَحْشونُ
ولَدَ سَلَمونَ. 5وسَلَمونُ ولَدَ بُوعَزَ مِنْ راحابَ. وبُوعَزُ ولَدَ عُوبيدَ
مِنْ راعُوثَ. وعُوبيدُ ولَدَ يَسّى. 6ويَسّى ولَدَ داودَ المَلِكَ.
وداودُ ولَدَ سُلَيْمانَ مِن اَمرأةِ أوريَّا. 7وسُلَيْمانُ
ولَدَ رَحْبَعامَ. ورَحْبَعامُ ولَدَ أبيّا. وأبيّا ولَدَ آسا. 8وآسا ولَدَ
يوشافاطَ. ويوشافاطُ ولَدَ يُورامَ. ويُورامُ ولَدَ عُزَّيّا. 9وعُزَّيّا ولَدَ
يُوثامَ. ويُوثامُ ولَدَ أحازَ. وأحازُ ولَدَ .حَزْقِيّا. 10وحَزْقِيّا ولَدَ
مَنَسّى. ومَنَسّى ولَدَ آمونَ. وآمونُ ولَدَ يوشِيّا. 11ويوشِيّا ولَدَ يَكُنيّا
وإخوَتَه زَمَنَ السبْـيِ إلى بابِلَ.
12وبَعْدَ
السّبْـي إلى بابِلَ يَكُنِيّا ولَدَ شَأَلْتَئيلَ. وشَأَلْتيئيلُ ولَدَ
زَرُبابِلَ. 13وزَرُبابِلُ ولَدَ أبيهُودَ. وأبيهُودُ ولَدَ ألِياقيمَ. وألِياقيمُ
ولَدَ عازُورَ. 14وَعازُورُ ولَدَ صادُوقَ. وصادُوقُ ولَدَ أَخيمَ. وأخيمُ ولَدَ
أليُودَ. 15وأليُودُ ولَدَ أليعازَرَ. وأليعازَرُ ولَدَ مَتّانَ. ومَتّانُ ولَدَ
يَعقوبَ. 16ويَعقوبُ ولَدَ يوسفَ رَجُلَ مَرْيمَ التي ولَدَتْ يَسوعَ الذي يُدعى
المَسيحَ.
17فمَجْموعُ الأجْيالِ مِنْ إبراهيمَ إلى داودَ أرْبَعَةَ
عَشَرَ جيلاً. ومِنْ داودَ إلى سَبْـيِ بابِلَ أرْبَعَةَ عَشَرَ جيلاً. ومِنْ
سَبْـيِ بابِلَ إلى المَسيحِ أرْبَعَةَ عَشَرَ جيلاً.
ميلاد يسوع
18وهذِهِ سيرَةُ ميلادِ يَسوعَ
المَسيحِ: كانَت أُمٌّهُ مَريَمُ مَخْطوبَةً ليوسفَ، فَتبيَّنَ قَبْلَ أنْ
تَسْكُنَ مَعَهُ أنَّها حُبْلى مِنَ الرٌّوحِ القُدُسِ. 19وكانَ يوسفُ رَجُلاً
صالِحًا فَما أرادَ أنْ يكْشِفَ أمْرَها، فَعزَمَ على أنْ يَترُكَها سِرُا.
20وبَينَما هوَ يُفَكَّرُ في هذا الأمْرِ، ظَهَرَ لَه
مَلاكُ الرَّبَّ. في الحُلُمِ وقالَ لَه: "يا يوسفُ اَبنَ داودَ، لا تخَفْ
أنْ تأخُذَ مَرْيمَ اَمرأةً لكَ. فَهيَ حُبْلى مِنَ الروحِ القُدُسِ، 21وسَتَلِدُ
اَبناً تُسمّيهِ يَسوعَ، لأنَّهُ يُخَلَّصُ شعْبَهُ مِنْ خَطاياهُمْ".
22حَدَثَ هذا كُلٌّه لِيَتِمَّ ما قالَ الرَّبٌّ بلِسانِ
النَّبـيَّ: 23"سَتحْبَلُ العَذْراءُ، فتَلِدُ اَبْناً يُدْعى "عِمّانوئيلَ"،
أي الله مَعَنا.
24فلمَّا
قامَ يوسفُ مِنَ النَّومِ، عَمِلَ بِما أمَرَهُ مَلاكُ الرَّبَّ. فَجاءَ
باَمْرَأتِهِ إلى بَيتِه، 25ولكِنَّهُ ما عَرَفَها حتى ولَدَتِ اَبْنَها فَسَمّاهُ
يَسوع"َ.
أول شىء نلاحظه أن متى (إن كان كاتب هذا
الإنجيل هو متى حقا) يقول عن عيسى عليه السلام إنه "ابن دواد بن
إبراهيم". ولا يمكن أن يكون عيسى هو ابن داود ولا أن يكون داود هو ابن
إبراهيم إلا على المجاز، إذ بين كل ابن من الابنين وأبيه أجيال وأجيال. ومع ذلك
نسمع القوم يتصايحون ويولولون لأن القرآن يقول عن مريم: "ابنة عمران".
فما الفرق بين هذا وذاك؟ ولماذا يبتلعون تلك ويرفضون هذه، وهما شىء واحد؟ وهذا
بافتراض أن مريم ليست ابنة عمران حقيقة، إذ لا يوجد فى أناجيلهم الأربعة التى
قبلتها الكنيسة أنها ابنة يواقيم الذى على أساسه يجأرون بتكذيب القرآن، بل لا يوجد
مصدر أكيد يقول إن أبا مريم هو هذا اليواقيم، بل الذى قال ذلك أحد الأناجيل التى
لا تعترف بها الكنيسة. أليس ذلك أمرا مضحكا؟
الأمر الثانى أن مؤلف الإصحاح يقول عن داود إنه
قد أنجب سليمان من امرأة أوريّا. أيدرى القارئ معنى هذه الإشارة؟ معناها أن جد
عيسى وجدته هذين زانيان من الزناة القارحين الذين لا يخجلون: فداود، حسبما كتب
مؤلفو الكتاب المقدس، كان ذات يوم يتنزه فوق قصره (أو لا أدرى ماذا كان يفعل هناك،
ولعله كان يتفرج على غِيّة الحمام فوق القصر، أو يطيّر طيارة ورقية من التى يلعب
بها العيال، يقتل بها الوقت ويتسلى من الملل)، فتصادف أن وقعت عيناه على بَتْشَبَع
امرأة جاره وقائده العسكرى وهى تستحم عارية كما ولدتها أمها فى فناء بيتها المجاور
للقصر. ويبدو أنها كانت تشتغل ممثلة سِكْس فى هوليود وتقوم بأدوار الإسْتِرِبْتِيز
الساخنة، وعرفتْ أن داود سوف يصعد إلى سطح القصر بعد قليل فاستعدت له بالطست والكوز
والليفة والصابونة والحركات إياها التى تُسِيل لُعَاب الرجال إياهم، أو ربما اتصلت
به هاتفيا أو برسالة فورية على الماسنجر فهُرِع إليها ليتلذذ بمفاتنها العارية،
وكانت هى قد اتخذت أسخن الأوضاع وأشدها دفقا للدم فى العروق، اللهم إلا إذا أحسنّا
بها الظن كما ينبغى للمؤمن أن يفعل، وقلنا إن غرفة الحمّام كانت تحت الصيانة
حينئذ، وحُبِكَ الاستحمام ولم يعد لتأجيله من سبيل، وكانت السيدة الجليلة ربة
الصون والعفاف مطمئنة إلى جارهم النبى الملك الذى "طلع شُورْبَة وأى
كلام" فلم يكن عند حسن الظن به وصعد إلى السطح غير مراعٍ للجيرة ولا لعِرْض
قائده حرمة. وكان ما كان مما لا بد أن نذكره، فظُنّ شَرًّا واسأل كما تحب عن
الخبر، فهو خبر يُخْجِل حتى الأوباش، إذ أرسل داود إليها فجاءته وزنى بها، ثم لم
يكتف بهذا بل تآمر على قتل زوجها ليخلو له وجه المرأة على الدوام، ثم لما نجحت
المؤامرة وقُتِل الزوج استلحقها بحريمه، لكنْ بطبيعة الحال بعد استيفائها العدة!
يا سلام على قوة الإيمان واحترام الشريعة! وقد أنجب منها سليمان، وربما كان سليمان
(على كلامهم هم لا كلامنا) هو فَرْخ الزنا، أستغفر الله! وهذه هى جَدّة يسوع، وهذا
هو جَدّه! أَنْعِمْ وأَكْرِمْ! ثم يقولون إن هذا كلام الله! أستغفر الله!
الأمر الثالث أن مؤلف السِّفْر يَصِم يسوع وأمه
وصمة عار، لأن نسب المسيح، حسبما ذكر، يبدأ من لدن آدم، وينتهى بيوسف النجار رجل
مريم كما يقول! ولا أظن أن هناك ما يمكن أن يقال من جانبى تعليقا على هذا، فهو من
الوضوح والشُّنْع بحيث لا أستطيع أن أضيف له شيئا من عندى، والعياذ بالله. أى أن
المؤلف يردد ما يتهم اليهود به مريم، عليهم لعنات الله، إذ يجعلون من عيسى ابنا
ليوسف منها. ولما لم يكن يوسف قد تزوج من مريم، فلم يبق إلا أن يكون ابنا لهما من
الحرام. أستغفر الله استغفارا يوائم هذا الكفر، الذى نقول نحن (بسببه ولأسباب أخرى
مشابهة له فى الشناعة) إن القوم قد حرّفوا كتابهم فيسبّون الرسول الكريم
ويَقْرِفونه بكل نقيصة غباءً منهم وضلالاً، إذ المفروض أن الإنسان العاقل يحب من
يدافع عنه ومن يفتح له بابا يخرج به من ورطته، لكن هؤلاء قد بلغوا فى الغباء مدًى
جِدّ بعيد!
الأمر الرابع أن مؤلف
الإنجيل الذى يحمل اسم لوقا يقدّم للسيد المسيح نسبا مختلفا إلى حد بعيد عن سلسلة
النسب المذكورة له هنا: مختلفا من حيث عدد حلقات السلسلة، ومختلفا من حيث سقوط بعض
الأجداد هنا وهناك، ومختلفا من حيث اختلاف طائفة من الأسماء فى الأولى عنها فى
الثانية. ثم يقولون بكل بجاحة إن هذا كلام الله! وإلى القارئ الكريم نسب السيد
المسيح عليه السلام كما ورد فى الإصحاح الثالث من إنجيل لوقا، وأترك له مهمة
المقارنة بين النسبين ليتسلى ويضحك ملء أشداقه: "23وكانَ يَسوعُ في نحوِ الثلاثينَ
مِنَ العُمرِ عِندَما بدَأَ رِسالتَهُ. وكانَ النـاسُ يَحسِبونَهُ اَبنَ يوسُفَ،
بنِ عالي، 24بنِ مَتْثاثَ، بنِ لاوِي، بنِ مَلْكي، بنِ يَنَّا، بنِ يوسُفَ، 25بنِ
متَّاثِـيا، بنِ عاموصَ، بنِ ناحومَ، بنِ حَسْلي، بنِ نَجّايِ، 26بنِ مآتَ، بنِ
متَّاثيا، بنِ شَمْعي، بنِ يوسفَ، بنِ يَهوذا، 27بنِ يوحنَّا، بنِ رِيسا، بنِ
زرُبَّابِلَ، بنِ شأَلْتيئيلَ، بنِ نيري، 28بنِ مَلِكي، بنِ أدّي، بنِ قوصَمَ، بنِ
المُودامِ، بنِ عِيرِ، 29بنِ يشوعَ، بنِ أليعازارَ، بنِ يوريَمَ، بنِ مَتثاثَ، بنِ
لاوي، 30بنِ شَمعُونَ، بنِ يَهوذا، بنِ يوسُفَ، بنِ يونانَ، بنِ ألياقيم، 31بنِ
مَلَيا، بنِ مَيْنانَ، بن متَّاثا. بنِ ناثانَ، بنِ داودَ، 32بنِ يسَّى، بنِ
عُوبـيدَ، بنِ بُوعزَ، بنِ شالح، بنِ نَحْشونَ، 33بنِ عَمِّينادابَ، بنِ أدمي، بنِ
عرني، بنِ حَصرونَ، بنِ فارِصَ، بنِ يَهوذا، 34بنِ يَعقوبَ، بنِ اَسحَقَ، بنِ
إبراهيمَ، بنِ تارَحَ، بنِ ناحورَ، 35بنِ سَروجَ، بنِ رَعُو، بنِ فالجَ، بنِ
عابرَ، بنِ شالحَ، 36بنِ قَينانَ، بنِ أرفكْشادَ، بنِ سامِ، بنِ نوحِ، بنِ لامِكَ،
37بنِ مَتوشالِـحَ، بنِ أخنوخَ، بنِ يارِدَ، بنِ مَهلَلْئيلَ، بنِ قينانَ، 38بنِ
أنوشَ، بنِ شيتَ، بنِ آدمَ، اَبنِ الله".
الأمر الخامس أن هناك
تناقضًا حادًّا لا يمكن رَتْقه بين ما قاله المؤلف فى الفقرة رقم 18 عن السر الخاص
بحمل مريم وما قاله هو نفسه فى الفقرة رقم 20، إذ مرة يقول: لقد تبين أنها حبلى من
الروح القدس، ومرة يقول إن هاتفا جاء ليوسف بعد ذلك فى المنام قائلا له إنها حبلى
من الروح القدس، وينبغى من ثم أن يقف إلى جوارها ويستمر فى خِطْبتها ولا يتركها.
والسؤال هو: لِمَنْ تبيَّن إذن من قبل أنها حبلى من الروح القدس؟ ليوسف؟ أبدا، فها
هو ذا يوسف كان يريد تركها بسبب شكه فيها لولا المنام الذى قيل له فيه إنها
حُبْلَى من الروح القدس. للناس إذن؟ ولا تلك أيضا، فها هو ذا لوقا يقول إن الناس
كانت تظن أنه ابن يوسف. أى أنه حتى بعد وقوع الولادة لم يكن الناس يعرفون أنه من
الروح القدس! بل لقد ظلوا يقولون عنه إنه ابن يوسف النجار حتى بعد أن أصبح نبيا:
"ولمّا أتَمَّ يَسوعُ هذِهِ الأمثالَ، ذهَبَ مِنْ هُناكَ وعادَ إلى بلَدِهِ،
وأخَذَ يُعلَّمُ في مَجمَعِهِم، فتَعَجَّبوا وتَساءَلوا: "مِنْ أينَ لَه
هذِهِ الحِكمةُ وتِلْكَ المُعْجزاتُ؟ أما هوَ اَبنُ النجّارِ؟ أُمٌّهُ تُدعى
مَريمَ، وإِخوتُهُ يَعقوبَ ويوسفَ وسِمْعانَ ويَهوذا؟" (13/ 53- 55). والآن
إلى الفقرتين المضحكتين: "كانَت أُمٌّهُ مَريَمُ مَخْطوبَةً ليوسفَ،
فَتبيَّنَ قَبْلَ أنْ تَسْكُنَ مَعَهُ أنَّها حُبْلى مِنَ الرٌّوحِ القُدُسِ.
19وكانَ يوسفُ رَجُلاً صالِحًا فَما أرادَ أنْ يكْشِفَ أمْرَها، فَعزَمَ على أنْ
يَترُكَها سِرًّا. 20وبَينَما هوَ يُفَكَّرُ في هذا الأمْرِ، ظَهَرَ لَه مَلاكُ
الرَّبَّ. في الحُلُمِ وقالَ لَه: "يا يوسفُ اَبنَ داودَ، لا تخَفْ أنْ
تأخُذَ مَرْيمَ اَمرأةً لكَ. فَهيَ حُبْلى مِنَ الروحِ القُدُس"ِ.
الأمر السادس أن الكاتب
يقول إن هناك نبوءة بأن مريم ستلد ولدا وتسميه: "عمانوئيل"، ثم ينسى
المؤلف المغيَّب الذهن فيقول قبل ذلك مباشرة، وعقب ذلك مباشرة أيضا، إن يوسف سماه:
"يسوع" تحقيقا لهذه النبوءة. كيف؟ أفتونى أنتم أيها القراء الكرام، فقد
غُلِبْتُ وغُلِبَ حمارى! إن هذا يذكّرنا بأغنية شادية التى تقول فيها إنها، من
ارتباكها بسبب مشاغلة حبيبها لها، إذا طلب أبوها أن تُعِدّ له كوبا من القهوة
فإنها تعد بدلا من ذلك كوبا من الشاى وتعطيه لأمها: "21وسَتَلِدُ اَبناً
تُسمّيهِ يَسوعَ، لأنَّهُ يُخَلَّصُ شعْبَهُ مِنْ خَطاياهُمْ".22حَدَثَ هذا
كُلُّه لِيَتِمَّ ما قالَ الرَّبٌّ بلِسانِ النَّبـيَّ: 23"سَتحْبَلُ
العَذْراءُ، فتَلِدُ اَبْناً يُدْعى "عِمّانوئيلَ"، أي الله مَعَنا.
24فلمَّا قامَ يوسفُ مِنَ النَّومِ، عَمِلَ بِما أمَرَهُ مَلاكُ الرَّبَّ. فَجاءَ
باَمْرَأتِهِ إلى بَيتِه، 25ولكِنَّهُ ما عَرَفَها حتى ولَدَتِ اَبْنَها فَسَمّاهُ
يَسوع"َ. وبالمناسبة فلم يحدث أن سمى أحد سيدنا عيسى عليه السلام فى يوم من
الأيام: "عمانوئيل" رغم أن كثيرا من النصارى صبيانًا وبناتٍ ممن ليسوا
أبناءً أو بناتٍ لله يُسَمَّوْن: "عمانوئيل"! كما أن بقية النبوءة التى
تنسب لإِشَعْيَا عن حَبَل العذراء وولادتها طفلا يسمَّى: "عمانوئيل"
تقول: "زبدا وعسلا يأكل متى عرف أن يرفض الشر ويختار الخير، لأنه قبل أن يعرف
الصبى أن يرفض الشر ويختار الخير تُخْلَى الأرض التى أنت خاشٍ من مَلِكَيْها"
(إشعيا/ 7/ 15- 16)، ولم يرد فى الأناجيل قط أنه، عليه السلام، قد أكل زبدا وعسلا،
فهل نقول، بناء على هذا وطبقا لما جاء فى النبوءة، إنه لم يستطع أن يرفض الشر
ويختار الخير؟ يا للداهية الثقيلة!
ثم إن الكلام هنا عن طفلٍ بشرى تماما، طفلٍ يجرى
عليه ما يجرى على كل أطفال البشر، فهو لم ينزل من بطن أمه عارفا الخير والشر كما
ينبغى لابن الإله أن يكون، وهذا إن كان من الممكن أو حتى من اللائق أن ينزل ابن
الإله من بطن امرأة (وهو الأمر المستحيل بطبيعة الحال)، بل عليه أن يمر بعدة مراحل
حتى يكتسب موهبة التعرف إلى الخير والشر والتمييز بينهما. ولقد رجعت إلى كتاب
"A
New Commentary on Holy Scripture"
(لندن/ 1929م) لأمحص ما أرى أنه هو التفسير الصحيح أو الأقرب إلى الصحة على الأقل،
فوجدت محرريه: تشارلز جور وهنرى جاودج
وألفرد جيوم يقولون إن إشعيا إنما كان يتنبأ بما سيحدث لبنى إسرائيل فى
المستقبل القريب، وإن حَبَل العذراء ليس إلا إشارة إلى الآية التى سيقع عندها ما
أخبر به، إلا أن النصارى قد استغلوا تلك النبوءة فى الكلام عن ميلاد عيسى عليه
السلام، وهو ما لا يوافق عليه اليهود أبدا. وقد ورد فى شرح المحررين المذكورين أن
النبوءة تقول إن التى ستحبل وتلد طفلا يسمى عمانوئيل هى "damsel"، وليس "virgin" التى تستعمل للعذراء مريم عليها السلام، وهو ما يعضده
استخدام بعض الترجمات الفرنسية عندى لكلمة "la jeune
fille"، وإن كنت وجدتها
فى بعض الترجمات الفرنسية والإنجليزية الأخرى "vierge,
virgin: عذراء". وقد انقدح
فى ذهنى عندئذ أن السبب فى هذا الاضطراب هو أن الكلمة الأصلية تعنى "damsel"، التى تعنى أيضا "غادة، آنسة، صبية"، وأن رغبة
النصارى فى تحميلها المعنى الذى يريدون هى المسؤولة عن ترجمتهم لها
بــ"عذراء".
ومرة أخرى لم يكتف
العبد لله بذلك، بل اتخذتُ خطوة أخرى فرجعت إلى مادة "IMMANUEL" فى موسوعة "The International Standard
Bible Encyclopedia"
لأقرأ تحت هذا العنوان الجانبى: "The Sign of Immanuel" السطور التالية عن النبى إشعيا والعلامة الثانية التى عرضها
على الملك أحاز كى يَثْنِيَه عن تحالفه مع مملكة آشور، هذا التحالف الذى رأى أنه
يؤدى إلى التبعية لتلك الدولة:
He then
proceeds to give him a sign from God Himself, the sign of "Immanuel"
(Isaiah 7:14).
The interpretation of this sign is not clear, even apart from its New Testament
application to Christ. The Hebrew word translated "virgin" in English
Versions of the Bible means, more correctly, "bride," in the Old
English sense of one who is about to become a wife, or is still a young wife. Psalms 68:25
English Versions of the Bible gives "damsels."
Isaiah
predicts that a young bride shall conceive and bear a son. The miracle of
virgin-conception, therefore, is not implied. The use of the definite article
before "virgin" (ha-`almah) does not of itself indicate that the
prophet had any particular young woman in his mind, as the Hebrew idiom often
uses the definite article indefinitely. The fact that two other children of the
prophet, like Hosea's, bore prophetic and mysterious names, invites the
conjecture that the bride referred to was his own wife. The hypothesis of some
critics that a woman of the harem of Ahaz became the mother of Hezekiah, and
that he was the Immanuel of the prophet's thought is not feasible. Hezekiah was
at least 9 years of age when the prophecy was given (2 Kings 16:2).
Immanuel, in
the prophetic economy, evidently stands on the same level with Shear-jashub (Isaiah 7:3) as
the embodiment of a great idea, to which Isaiah again appeals in Isaiah 8:8 (see
ISAIAH, VII).
وفيه، كما يرى القارئ بنفسه، أن الكلمة
المستخدمة فى الأصل معناها "عروس" أو "شابة على وشك الزواج"
أو "زوجة جديدة"، وليس "عذراء"، وأن تفسير الآية المذكورة فى
النبوءة ليس واضحا، وإنْ كان التفسير القائل بالحمل الإعجازىّ مستبعَدا رغم ذلك،
فضلا عن أن هناك من يقول إن المقصود بالغادة هو زوجة إشعيا نفسه، ومن يقول إن
المقصود بــ"عمانوئبل" ليس شخصا بل فكرة من الأفكار العظيمة!
ومرة أخرى غير
المرة الأخرى السابقة لا يكتفى العبد لله بهذا، بل أعود لــ"دائرة المعارف
الكتابية" (مادة "عمانوئيل") فأجد الآتى: ""عمانوئيل" كلمة عبرية معناها
"الله معنا" أو بالحري "معنا الله". وهو اسم رمزي جاء في نبوة
إشعياء لآحاز ملك يهوذا كعلامة على أن الله سينقذ يهوذا من أعدائها (إش 7: 14، 8 و
10). وقد جاء في إنجيل متى أنها كانت نبوة عن "الرب يسوع المسيح" (مت 1:
23). لقد نطق إشعياء بهذه النبوة في حوالي 753 ق. م في أثناء مأزق حرج كان فيه
الملك آحاز، حيث تحالف ضده فقح بن رمليا ملك إسرائيل ورصين ملك أرام، لأنهما
أراداه أن ينضم إليهما في حلف ضد أشور القوة الصاعدة، لكنه فضَّل الوقوف إلى جانب
أشور (انظر 2 مل 16: 5- 9، 2 أخ 28: 16- 21) . ولكن إشعياء النبي أكد لآحاز أنه
ليس في حاجة إلى أن يخشى رصين وفقح، ولا إلى التحالف مع أشور، وقال له :
"اطلب لنفسك آية" ليتأكد من صدق ما قاله النبي. ولكن آحاز، بدافع من عدم
الإيمان، وتحت ستار التقوى الكاذبة، قال له: "لا أطلب ولا أجرِّب الرب".
وعندئذ أعلن إشعياء أن السيد الرب نفسه سيعطيهم آية: "ها العذراء تحبل وتلد
ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل"، وفي سنواته الباكرة ستنتهي الدولتان اللتان كان
يخشاهما (أرام وإسرائيل). وهو ما تم على يد تغلث فلاسر الثالث ملك أشور الذي صعد
إلى دمشق وفتحها وسبى أهلها وقتل رصين ملكها في 732 ق. م. وبعد ذلك بعشر سنوات
حاصر شلمنأسر ملك أشور السامرة مدة ثلاث سنوات، وأخيراً سقطت في يد الأشوريين في
722 ق. م.
وتتباين الآراء حول
من كان هذا "الابن المدعو عمانوئيل" ، ومن أمه التي توصف بأنها "عذراء" ("عُلْمة"...).
ويرى كثيرون من حيث أنها كانت علامة لآحاز، فلابد أنها كانت تشير أولاً إلى مرمى قريب
يستطيع آحاز أن يميزه. وهناك أربعة آراء تدور حول هذا اللغز: (1) يرى بعض المفسرين
أن كلمة "عُلْمة" (العذراء) لا تدل على واحدة بالذات، بل هي اسم جنس،
فيكون "عمانوئيل" في هذه الحالة رمزاً للجيل الجديد الذي ستتم النبوة في
باكر أيامه. ولكن هذا التفسير لا يتفق مع ما جاء بالعهد الجديد، ويقطع الصلة بين
هذه النبوة وسائر النبوات المتعلقة بالمسيا. (2) إنها نبوة تشير إلى إحدى إمرأتين:
إما امرأة إشعياء، أو امرأة آحاز. وفي الحالة الأولى يكون المقصود
"بعمانوئيل" هو "مهير شلال حاش بز" (إش 8 : 1-4)، وأمه هي
زوجة إشعياء الموصوفة بأنها "النبية" (إش 8 : 3)، التي كان إشعياء على
وشك الاقتران بها، أي أنها كانت مازالت عذراء في وقت النطق بالنبوة، ويؤيدون هذا
الرأي بأن أولاد إشعياء كانوا رموزاً (انظر عب 2: 13 مع إش 8: 18). ويرى آخرون أن
"العذراء" المقصودة هي إحدى زوجات آحاز، وأن الابن المقصود هو
"حزقيا"، ولكن هذا الرأي تعترضه صعوبات خطيرة، فحزقيا كان قد وُلد فعلاً
منذ نحو تسع سنوات قبل النطق بالنبوة (انظر 2 مل 16: 2 ، 18: 2)، بينما من الواضح
أن النبوة لم تكن عن أمر قد حدث، بل عن أمر سيحدث. (3) أن النبوءة تشير إلى المستقبل
البعيد، وبخاصة في ضوء ما جاء في إنجيل متى (1: 23) عن العذراء مريم وابنها يسوع
الذي "يُدعى اسمه عمانوئيل، الذي تفسيره الله معنا" لأنه كان هو الله
الذي "ظهر في الجسد" (1 تى 3: 16) ، والذي "فيه يحل كل ملء اللاهوت
جسدياً" (كو 2: 9). ومع أنه تفسير سليم بالنسبة لمرمى النبوة البعيد لكنه
يتغاضى عن أن النبوة كانت علامة لآحاز. (4) أن النبوة مزدوجة المرمى، كالكثير من
نبوات العهد القديم، فعمانوئيل والعذراء رمزان، فالعذراء يرمز بها في المرمى
القريب إلى امرأة إشعياء أو امرأة آحاز، وفي المرمى البعيد إلى العذراء مريم.
و"عمانوئيل" يرمز في المرمى القريب إلى "مهيرشلال حاش بز" أو
إلى "حزقيا"، أما في المرمى البعيد فإلى الرب يسوع.
ولاشك في أن النبوة كانت في مرماها
البعيد تتعلق بولادة الرب يسوع المسيح من مريم
العذراء، وهو ما نراه بكل وضوح في إنجيل متى حيث نقرأ:
"هذا كله كان ليتم ما قيل من الرب بالنبي القائل: "هو ذا العذراء تحبل وتلد ابناً ويدعون اسمه عمانوئيل، الذي تفسيره
الله معنا" (مت 1: 21- 23). وهو الذي يقول
عنه إشعياء أيضاً: "لأنه يولد لنا ولد، ونعطى ابناً وتكون الرياسة على كتفه، ويدعى اسمه عجيباً مشيراً إلهاً قديراً،
أباً أبدياً رئيس السلام " (إش 6:
9)، فهو وحده الذي يحق أن يقال عنه "الله
معنا"، ولم يكن مولده خلاصاً من ضيقة وقتية، بل
خلاصاً أبدياً من الخطية والموت". ومن هذه المادة يتضح الأمر كله، فالقوم يلوون عنق النص كى
ينطق بما يريدون رغم أنه لا علاقة له بهذا الذى يريدون، وذلك على مبدإ: "عنزة
ولو طارت"!
ولمَّا وُلِدَ يَسوعُ في بَيتَ لَحْمِ
اليَهودِيَّةِ، على عَهْدِ المَلِكِ هِيرودُسَ، جاءَ إلى أُورُشليمَ مَجوسٌ. مِنَ
المَشرِقِ 2وقالوا: "أينَ هوَ المَولودُ، مَلِكُ اليَهودِ؟ رَأَيْنا نَجْمَهُ
في المَشْرِقِ، فَجِئْنا لِنَسْجُدَ لَه".
3وسَمِعَ المَلِكُ
هِيرودُسُ، فاَضْطَرَبَ هوَ وكُلُّ أُورُشليمَ. 4فجَمَعَ كُلَ رُؤساءِ الكَهَنةِ
ومُعَلَّمي الشَّعْبِ وسألَهُم: "أينَ يولَدُ المَسيحُ؟" 5فأجابوا:
"في بَيتَ لَحْمِ اليَهودِيَّةِ، لأنَّ هذا ما كَتَبَ النَبِـيٌّ:
6"يا بَيتَ لَحْمُ، أرضَ يَهوذا، ما أنتِ الصٌّغْرى في مُدُنِ يَهوذا،
لأنَّ مِنكِ يَخْرُجُ رَئيسٌ
يَرعى شَعْبـي إِسرائيلَ".
7فَدَعا هيرودُسُ المَجوسَ سِرُا وتَحقَّقَ مِنْهُم
مَتى ظَهَرَ النَّجْمُ، 8ثُمَّ أرسَلَهُم إلى بَيتَ لَحْمَ وقالَ لَهُم: "اَذْهَبوا
واَبْحَثوا جيَّدًا عَنِ الطَّفلِ. فإذا وجَدْتُموهُ، فأَخْبِروني حتى أذهَبَ أنا
أيضًا وأسْجُدَ لَه".
9فلمَّا سَمِعوا كلامَ المَلِكِ اَنْصَرَفوا.
وبَينَما هُمْ في الطَّريقِ إذا النَّجْمُ الذي رَأَوْهُ في المَشْرقِ، يَتَقَدَّمُهُمْ
حتى بَلَغَ المكانَ الذي فيهِ الطِفلُ فوَقَفَ فَوْقَه. 10فلمَّا رَأوا النَّجْمَ
فَرِحوا فَرَحًا عَظيمًا جِدُا، 11ودَخَلوا البَيتَ فوَجَدوا الطَّفْلَ معَ
أُمَّهِ مَرْيَمَ. فرَكَعوا وسَجَدوا لَه، ثُمَّ فَتَحوا أَكْياسَهُمْ وأهْدَوْا
إلَيهِ ذَهَبًا وبَخورًا ومُرًّا.
12وأنْذَرَهُمُ الله في الحُلُمِ أنْ لا يَرجِعوا إلى
هيرودُسَ، فأخَذوا طَريقًا آخَرَ إلى بِلادِهِم.
الهرب إلى مصر
13وبَعدَما اَنْصرَفَ المَجوسُ، ظَهَرَ مَلاكُ
الرَّبَّ لِيوسفَ في الحُلُمِ وقالَ لَه: "قُمْ، خُذِ الطِفْلَ وأُمَّهُ
واَهربْ إلى مِصْرَ وأقِمْ فيها، حتى أقولَ لكَ متى تَعودُ، لأنَّ هيرودُسَ
سيَبحَثُ عَنِ الطَّفْلِ ليَقتُلَهُ". 14فقامَ يوسفُ وأخذَ الطَّفْلَ
وأُمَّهُ ليلاً ورحَلَ إلى مِصْرَ. 15فأقامَ فيها إلى أنْ ماتَ هيرودُسُ، ليتِمَّ
ما قالَ الربٌّ بِلسانِ النبـيَّ: "مِنْ مِصْرَ دَعَوْتُ اَبني".
مقتل أولاد بيت لحم
16فَلمَّا رَأى هيرودُسُ أنَّ المَجوسَ اَستهزَأوا
بِه، غَضِبَ جدُا وأمرَ بقَتلِ.كُلٌ طِفْلٍ في بَيتَ لحمَ وجِوارِها، مِنِ اَبنِ
سَنَتَينِ فَما دونَ ذلِكَ، حسَبَ الوَقتِ الَّذي تحقَّقَهُ مِنَ المَجوسِ،
17فتَمَ ما قالَ النبـيٌّ إرْميا: 18"صُراخٌ
سُمِعَفي الرٍامَةِ، بُكاءٌ ونَحيبٌ كثيرٌ، راحيلُ تَبكي على أولادِها ولا تُريدُ أنْ تَــتَعزّى، لأنَّهُم زالوا عَنِ الوجودِ".
19ولمَّا ماتَ هِيرودُس ظهَرَ ملاكُ الرَّبَّ ليوسفَ في
الحُلمِ، وهوَ في مِصْرَ 20وقالَ لَه: "قُمْ، خُذِ الطَّفْلَ وأُمَّهُ
واَرجِـــعْ إلى أرضِ إِسرائيلَ، لأنَّ الَّذينَ أرادوا أنْ يَقتُلوهُ
ماتوا". 21فقامَ وأخَذَ الطَّفْلَ وأُمَّهُ ورَجَعَ إلى أرضِ إِسرائيلَ.
22لكِنَّهُ سَمِعَ أنَّ أرخيلاوُسَ يَملِكُ على اليَهودِيَّةِ خلَفًا لأبيهِ
هِيرودُسَ، فخافَ أن يذهَبَ إلَيها. فأَنذَرَهُ الله في الحُلُمِ، فلَجأَ إلى
الجَليلِ. 23وجاءَ إلى مدينةٍ اَسمُها النّاصِرَةُ فسكَنَ فيها، لِيَـتمَّ ما قالَ
الأنبياءُ: "يُدعى ناصِريًّا".
أول ما يخطر على البال
هنا هو أمر أولئك المجوس: من أين لهم العلم بأن هناك مَلِكًا لليهود قد وُلِد؟
أوقد ذُكِر ذلك فى كتبهم؟ لكن أين النص عندهم على ذلك؟ ولماذا يُذْكَر مثل هذا
الأمر لديهم، وهم ليسوا من بنى إسرائيل، الذين إنما أُرْسِل لهم وحدهم السيد
المسيح وليس إلى المجوس بأى حال؟ وإذا غضضنا النظر عن هذا فإن السؤال سرعان ما يجلجل
فى الذهن: فما فائدة عِلْم المجوس بولادة عيسى؟ هل آمنوا؟ إنهم لم يقولوا: لقد
جئنا لنعلن إيماننا بعيسى، بل ليسجدوا له. وهل السجود من علامات الإيمان أو
مقتضياته؟ لقد أجاب المسيح، حسبما سنقرأ بعد قليل، بأنه قد قيل: للرب إلهك وحده
تسجد! ولا يمكن القول بأنهم كانوا يعتقدون أنه ابن الله أو الله، إذ كل ما قالوه
عنه هو أنه "ملك اليهود" كما مرّ. كما لا يمكن القول بأنهم أرادوا أن
يعظموا هذا الملك، أولا لأنه لم يصبح ملكا بعد (ولن يصبح أبدا طبعا)، وثانيا لأنه
ليس ملكا فارسيا ولا مجوسيا، فلماذا يسجدون له؟ وعلى أية حال لماذا لم نسمع بهؤلاء
المجوس بعد ذلك؟ الطبيعى أن يظهروا بعد هذا حين يئين الأوان ويكبر عليه السلام
ويبلغ مبلغ الأنبياء ويعلن دعوته كى يكونوا من حوارييه ما داموا قد تجشموا المجىء
من بلادهم وتعرّضوا بسبب ذلك للخطر كما رأينا! أليس كذلك؟ واضح أن كاتب هذه التخاريف
لا يستطيع أن يَسْبِك التأليف كما ينبغى، ولذلك ترك فيه ثغرات كثيرة! ثم من هؤلاء
القوم؟ من أى بلد فى فارس؟ ما أسماؤهم؟ ماذا كانوا يعملون فى بلدهم قبل أن يفدوا
إلى فلسطين؟ ثم كيف أَتَوْا إلى فلسطين؟ وماذا صنعوا عند عودتهم إلى بلادهم؟
ولماذا لم يدعوا قومهم إلى الدخول فى دين عيسى؟ إن فارس تكاد أن تكون هى البلد
الوحيد فى الشرق الأوسط الذى لم يعتنق النصرانية رغم أن ذلك النفر المجوسى هم أول
البشر معرفةً بميلاد المسيح وإظهارًا لمشاعرهم نحوه وتبجيلهم له؟
ثم أليس غريبا أن
يعتمد هيرودس، الذى أهمّه مولد عيسى كل هذا الهم، على أولئك المجوس الغرباء فى
معرفة المكان الذى وُلِد فيه المسيح؟ أليس عنده العيون والجواسيس الذين يستطيعون
أن يأتوه بهذا الخبر؟ ألم يكن بمقدوره على الأقل أن يرسل فى أعقابهم من يرقب
حركاتهم وسكناتهم حتى يعرف بيت الوليد الجديد بدلا من أن ينتظر حتى يأتوه هم
بالخبر كما قال المؤلف السقيم الخيال؟ ثم هناك حكاية النجم، وهذه فى حد ذاتها
بَلْوَى مُسَيَّحة! كيف يا ترى يمكن أىَّ إنسان التعرفُ على بيت من البيوت من وقوف
أحد النجوم فوقه؟ إن هذا لهو المستحيل بعينه! إن الكاتب الجاهل يظن أن النجم
المذكور قد ظهر إثر ميلاد عيسى، غافلا (لأنه مغفل) أن الضوء الذى زعم أن المجوس
كانوا يَرَوْنَه آنذاك إنما صدر من النجم قبل ذلك بآلاف السنين، ولم يأت لتوه كما
توهم بجهله! ولقد كتب لى أحدهم منذ أَشْهُرٍ رسالةً مشباكيةً يحاول أن يقنعنى فيها
بأنه كان من السهل على أولئك المجوس أن يعرفوا أن النجم واقف فوق بيت الطفل الوليد
خَبْط لَزْق باستعمال بعض الآلات الفلكية! يا حلاوة يا أولاد! معنى ذلك أنهم كانوا
علماء فى الفلك والرياضيات (ولعلهم من أحفاد عمر الخيام، لكن بالمقلوب!)، جاؤوا من
بلادهم ومعهم مرصد وضعوه على ظهر حمار مثلا (تخيلوا مرصدا على ظهر حمار!)، فنصبوه
فى زقاق من أزقة بيت لحم وأخذوا يرصدون ويكتبون ويحسبون ويتجادلون برطانتهم
الفارسية، وفى أيديهم الآلات الحاسبة ومسطرة حرف "تى" لزوم المنظرة،
والناس تنظر إليهم وتتفرج عليهم (كما كنا نفعل ونحن لا نزال فى الجامعة حين نرى
طلاب كلية الهندسة أثناء تدريباتهم على أعمال المساحة والقياس فى حديقة الأورمان)،
لينتهوا فى آخر المطاف بعد فشلهم فى حسابات الفلك إلى اللجوء للطريقة التقليدية فى
بلادنا التى لا يوجد أحسن منها للشعوب المتخلفة (أما كان من الأول بدلا من تضييع
كل هذا الوقت؟) فينادوا فى الشوارع عن "عَيِّل مولود حديثا يا أولاد الحلال،
ولابس بيجامة كستور مقلّمة وفى فمه بزّازة، وفى رجله فردة لَكْلُوك واحدة بأبزيم
صفيح، فمن يدلنا على بيته له مكافأة ثمينة! وشىء لله يا عَدَوِى"! ثم كيف يا
ترى كان النجم يتقدمهم أثناء سفرهم، والنجوم لا تظهر إلا ليلا؟ هل معنى هذا أنهم
كانوا ينامون نهارا ثم يستيقظون ليلا ليستأنفوا المسير؟ أم ترى مخترع الإنجيل كان
يظن أن المسافة بين فارس وبيت لحم فى فلسطين لا تزيد عن "فَرْكَة كَعْب"
وتُقْطَع فى بضع ساعات من الليل؟ أليس ذلك أمرا يبعث على الاشمئزاز؟ ثم إذا أردنا
أن ننصحهم ونأخذ بيدهم كى ننتشلهم من هذا التخريف لأن حالهم يصعب علينا شتموا
نبينا وأقلّوا أدبهم عليه!
كما أشار الكاتب فى النصّ الذى بين أيدينا إلى
النبوءة الخاصة بولادة المسيح فى بيت لحم: "مِنكِ يَخْرُجُ رَئيسٌ يَرعى شَعْبـي
إِسرائيلَ"، وهى تعنى (كما هو واضح) أن المسيح سوف يكون راعيا لبنى إسرائيل.
فهل تحقق شىء من هذا؟ أبدا، فقد كفر به بنو إسرائيل واتهموا أمه فى شرفها وتآمروا
على قتله، بل إنهم والنصارى يقولون إنهم قد استطاعوا فعلا أن يقتلوه. وعلى أية حال
فإنه لم تُتَحْ له قَطُّ الفرصة لرعاية بنى إسرائيل لا روحيا ولا سياسيا! إنها إذن
نبوءةٌ فِشِنْك كمعظم نبوءات الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد! ولا ننس ما
أبديته قبل قليل من استغرابى اهتمام المجوس بولادة المسيح، إذ ليسوا من بنى
إسرائيل، الذين إنما أُرْسِل عليه السلام إليهم لا إلى المجوس. كذلك سمى المجوس
سيدنا عيسى: "ملك اليهود"، وهى أيضا تسمية كاذبة، إذ متى كان المسيح
مَلِكًا لليهود؟ لقد قال عليه السلام مرارا إن مملكته ليست من هذا العالم، فما
صلته إذن بالمَلَكِيّة والملوك؟ ثم ألم يجد المجوس من الألطاف ما يتحفونه به عليه
السلام إلا الذهب؟ وهل يحتاج ابن الله إلى مثل هذه الأشياء، وهو الذى فى يد أبيه
كل كنوز الأرض والسماء؟ إن الكاتب الأبله يقيس أبناء الآلهة على أبناء حكام الدول
المتخلفة الذين لا يشبعون من المال والذهب رغم أن ميزانية الدولة كلها فى أيديهم
يغرفون منها ما يشاؤون، أو على الباباوات المغرمين غرامًا مرضيًّا باستعراض أنفسهم
فى الإستبرق والسندس والذهب والياقوت وسائر الجواهر الثمينة رغم ما يزعجوننا به من
كلام عن الوداعة والتواضع والزهد والرهبانية والتشبه بالمسيح فى الانصراف عن زخارف
الحياة الدنيا! يا له من خيال سقيم! يا مَتَّى يا ابن الحلال، الله لا يسوءك،
أولاد الآلهة هؤلاء أولاد عِزّ شَبْعَى لا ينظرون إلى ذهب أو ألماس! والعجيب، كما
سوف نرى، أن المسيح يدعو إلى مخاصمة الدنيا خصومة لا هوادة فيها ولا تفاهم بأى حال
مما من شأنه أن يوقف دولاب الحياة ويشجع على العدمية والموت، فكيف لم يلهم الله
سبحانه وتعالى المجوس أن يقدموا لابنه شيئا يليق به وباهتماماته من أشياء الروح لا
من ملذات الدنيا، وليكن نسخة مصورة من العهد القديم للأطفال مثلا؟
وتقول الفقرة الثالثة
عشرة من الإصحاح: "وبَعدَما اَنْصرَفَ المَجوسُ، ظَهَرَ مَلاكُ الرَّبَّ
لِيوسفَ في الحُلُمِ وقالَ لَه: "قُمْ، خُذِ الطِفْلَ وأُمَّهُ واَهربْ إلى
مِصْرَ وأقِمْ فيها، حتى أقولَ لكَ متى تَعودُ، لأنَّ هيرودُسَ سيَبحَثُ عَنِ
الطَّفْلِ ليَقتُلَهُ". 14فقامَ يوسفُ وأخذَ الطَّفْلَ وأُمَّهُ ليلاً ورحَلَ
إلى مِصْرَ". ونقول نحن بدورنا: ولماذا اهتمام السماء بإنقاذ الطفل يسوع من
القتل إذا كان قد أتى إلى العالم كما يزعم القوم ليُقْتَل تكفيرًا عن الخطيئة
البشرية؟ ألم يكن الأفضل أن تتركه السماء يموت فى صغره فتنتهى مهمته سريعا بدل
الانتظار إلى أن يكبر وتضيع كل الجهود التى بذلتها أمه فى تربيته وتعليمه والإنفاق
عليه فى الهواء؟ وخير البر عاجله كما يقولون، وما دام مقتولاً مقتولاً فالأفضل
الآن، والذى تعرف ديته اقتله وانته من أمره سريعا، فالوقت من ذهب! آه، لكن فاتنا
أننا فى منطقة الشرق الأوسط حيث الوقت لا قيمة له، فهو يُعَدّ بالكوم وليس
بالثوانى ولا الدقائق، فضلا عن الساعات أو الأيام، ودعنا من السنين!
أما اتخاذ
القوم من عبارة "مِنْ مِصْرَ دَعَوْتُ ابني" دليلا على أنه، عليه
السلام، هو ابن الله حقا، فالرد عليه بسيط جدا جدا أسهل مما يتصور الإنسان، إذ
الأناجيل مفعمة بعبارة "أبناء الله" و"أبوك أو أبوكم الذى فى
السماوات" على قفا من يشيل، وكلها من كلام المسيح ذاته: "هنيئًا
لِصانِعي السَّلامِ، لأنَّهُم أبناءَ الله يُدْعَونَ" (متى/ 5/ 9)،
"أحِبّوا أَعداءَكُم، وصَلّوا لأجلِ الَّذينَ يضْطَهِدونكُم، فتكونوا أبناءَ
أبيكُمُ الَّذي في السَّماواتِ" (5/ 44- 45)، "فكونوا أنتُم كاملينَ،
كما أنَّ أباكُمُ السَّماويَّ كامِلٌ" (5/ 48)، "إيَّاكُمْ أنْ تعمَلوا
الخَيرَ أمامَ النَّاسِ ليُشاهِدوكُم، وإلاَّ فلا أجرَ لكُم عِندَ أبيكُمُ الَّذي
في السَّماواتِ" (6/ 1)، "فإذا صَلَّيتَ فاَدخُلْ غُرفَتَكَ وأغلِقْ
بابَها وصَلٌ لأبيكَ الَّذي لا تَراهُ عَينٌ، وأبوكَ الَّذي يَرى في الخِفْيَةِ
هوَ يُكافِئُكَ"، "لا تكونوا مِثلَهُم، لأنَّ الله أباكُم يَعرِفُ ما
تَحتاجونَ إلَيهِ قَبلَ أنْ تسألوهُ" (6/ 8)، "فصلّوا أنتُم هذِهِ
الصَّلاةَ: أبانا الَّذي في السَّماواتِ، ليتَقدَّسِ اَسمُكَ" (6/ 9)،
"فإنْ كُنتُم تَغفِرونَ لِلنّاسِ زَلاّتِهِم، يَغفِرْ لكُم أبوكُمُ السَّماويٌّ
زلاّتِكُم. وإنْ كُنتُم لا تَغفِرونَ لِلنّاسِ زلاّتِهِم، لا يَغفِرُ لكُم أبوكُمُ
السَّماويٌّ زلاّتِكُم" (6/ 14- 15)، "... حتى لا يَظهَرَ لِلنّاسِ
أنَّكَ صائِمٌ، بل لأبيكَ الَّذي لا تَراهُ عَينٌ، وأبوكَ الَّذي يَرى في
الخِفْيَةِ هوَ يُكافِئُكَ" (6/ 18)، "انظُروا طُيورَ السَّماءِ كيفَ لا
تَزرَعُ ولا تَحْصُدُ ولا تَخزُنُ، وأبوكُمُ السَّماويٌّ يَرزُقُها" (6/ 26)،
"فإذا كُنتُم أنتُمُ الأشرارَ تَعرِفونَ كيفَ تُحسِنونَ العَطاءَ
لأَبنائِكُم، فكَمْ يُحسِنُ أبوكُمُ السَّماويٌّ العَطاءَ للَّذينَ
يَسألونَهُ؟" (7/ 11)، "وأمّا الأبرارُ، فيُشرِقونَ كالشَّمسِ في
مَلكوتِ أبـيهِم" (13/ 43)، "وهكذا لا يُريدُ أبوكُمُ الَّذي في
السَّماواتِ أنْ يَهلِكَ واحدٌ مِنْ هَؤلاءِ الصَّغارِ" (18/ 14)، "ولا
تَدْعوا أحدًا على الأرضِ يا أبانا، لأنَّ لكُم أبًا واحدًا هوَ الآبُ السَّماويٌّ"
(23/ 9)، فضلا عن أن المسيح عليه السلام كثيرا ما سمى نفسه: "ابن
الإنسان" كما هو معروف، كما أكد أن أمه وإخوته الحقيقيين هم المؤمنون الذين
يطيعون الله ويخلصون له سبحانه، وهو ما يدل دلالة قاطعة على أن بنوة البشر لله
إنما تعنى فى مثل هذه السياقات الإيمان والطاعة المطلقة له عز وجل: "وبَينَما
يَسوعُ يُكلَّمُ الجُموعَ، جاءَتْ أمٌّهُ وإخوَتُهُ ووقَفوا في خارِجِ الدّارِ
يَطلُبونَ أن يُكلَّموهُ. فقالَ لَه أحَدُ الحاضِرينَ: "أُمٌّكَ وإخوتُكَ
واقفونَ في خارجِ الدّارِ يُريدونَ أنْ يُكلَّموكَ".فأجابَهُ يَسوعُ:
"مَنْ هيَ أُمّي؟ ومَنْ هُمْ إخْوَتي؟" وأشارَ بـيدِهِ إلى تلاميذِهِ
وقالَ: "هؤُلاءِ هُمْ أُمّي وإخوَتي. لأنَّ مَنْ يعمَلُ بمشيئةِ أبـي الَّذي
في السَّماواتِ هوَ أخي وأُختي وأُمّي" (12/ 46- 50).
ثم إن ابن
الإله لا يمكن أن ينزل بنفسه إلى مرتبة النبى أبدا، لكننا نسمع عيسى بأذننا هذه
التى سيأكلها الدود يقول لأهل الناصرة حين رفضوا الإيمان به: "لا نبـيَّ بِلا
كرامةٍ إلاّ في وَطَنِهِ وبَيتِهِ" (13/ 57). كذلك ففى كل من العهد القديم
وكلام الرسل فى العهد الجديد كثيرا ما نقابل عبارة"أبونا" مقصودا بها
الله سبحانه وتعالى، ومنها قول إشعيا مثلا: "تطلَّعْ من السماء، وانظر من
مسكن قدسك...، فإنك أنت أبونا، وإن لم يعرفنا إبراهيم، وإن لم يدرنا إسرائيل. أنت
يا رب أبونا" (إشعيا/ 63/ 15- 16)، "والآن يا رب انت ابونا. نحن الطين وانت جابلنا وكلنا عمل يديك" (إشعيا/ 64/ 8)، "هو
يدعوني ابي انت. الهي وصخرة خلاصي" (مزامير/ 89/ 26، والمتكلم
هو الله، والحديث عن داود)، "ارجعوا ايها البنون العصاة، يقول الرب... وانا قلت كيف اضعك بين البنين واعطيك ارضا شهية ميراث مجد امجاد الامم. وقلت تدعينني يا ابي ومن ورائي لا ترجعين" (إرميا/ 3/ 14، 18)، "نعمة لكم وسلام من الله ابينا" (إفسوس/ 1/ 2، وكورنثوس/ 1/
2، وتسالونيكى/ 1/ 1)، "يثبّت قلوبكم بلا لوم في القداسة امام الله ابينا" (تسالونيكى/ 3/ 13). هذا،
ولمعلوميّة القارئ نشير إلى أن هناك فرقة تنسب نفسها إلى الإسلام ظهرت فى العصر
الحديث (لكن المسلمين يتبرأون منها ويرمونها بالكفر، وهى فرقة القاديانية) لها
تفسير غريب لميلاد عيسى من غير أب، إذ يقولون بالحَبَل الذاتى اعتمادا على ما قاله
بعض الأطباء من أنهم لا يستبعدون أن يتم الحمل فى رحم امرأة دون تلقيح من رجل
(انظر تفسير الآية 47 (48 عندهم) من سورة "آل عمران" فى التفسير الكبير
(5 مجلدات) الذى وضعه ميرزا بشير الدين محمود (الخليفة الثانى للمسيح الموعود
عندهم غلام ميرزا أحمد نبى قاديان المزيف): Mirza
Bashir-ud-Din Mahmood Ahmad (1889-1965)، وترجمه
أتباعه إلى الإنجليزية بعنوان "The Holy Quran"/ م 1/ ص 398/ هـ 337). أى أنه لم يكن هناك روح قدس ولا
يحزنون. ولا شك أن هذا التفسير، رغم عدم اتساقه مع ظاهر القرآن ورغم أنى لا أوافق
عليه وأراه حيلة من الحيل التى يلجأ إليها القاديانيون لإنكار المعجزات كى يبدوا
عصريين يحترمون كلمة العلم، هو أفضل ألف مرة من الكفر الذى يرتفع بمقام السيد
المسيح عليه السلام عن مقام البشرية ويقول إنه هو الله أو ابن الله، تعالى الله عن
ذلك الشرك تعاليا عظيما يليق بجلال ألوهيته!
ونأتى لما قاله مؤلف
السفر من أن هيرودس قد أمر بقتل أطفال بنى إسرائيل من سن سنتين فنازلا، وهذا نص
كلامه حرفيا: "فَلمَّا رَأى هيرودُسُ أنَّ المَجوسَ اَستهزَأوا بِه، غَضِبَ
جدُا وأمرَ بقَتلِ.كُلٌ طِفْلٍ في بَيتَ لحمَ وجِوارِها، مِنِ اَبنِ سَنَتَينِ
فَما دونَ ذلِكَ، حسَبَ الوَقتِ الَّذي تحقَّقَهُ مِنَ المَجوسِ، 17فتَمَ ما قالَ
النبـيٌّ إرْميا: 18"صُراخٌ
سُمِعَ في الرّامَةِ، بُكاءٌ ونَحيبٌ كثيرٌ، راحيلُ تَبكي على أولادِها ولا تُريدُ أنْ تَــتَعزّى، لأنَّهُم زالوا عَنِ الوجودِ". ولست أطمئن لهذا الكلام
الذى لم يسجل التاريخ عنه شيئا ولا تكلمت عنه الأناجيل ولا السيد المسيح بعد ذلك
وكأن هؤلاء الأطفال "شويّة لبّ فى قرطاس" قزقزهم هيرودس فى سهرة قدّام
التلفزيون وانتهى الأمر! أما النبوءة الجاهزة التى ساقها المؤلف عقب القصة كعادته
فى كل خطوة يخطوها وكأنه خالتى بَمْبَة التى لم تكن تكفّ عن الاستشهاد بالأمثال فى
برنامج المرأة فى الإذاعة المصرية، فلا معنى لها هنا كما هو الحال فى كثير من المواضع،
لأن راحيل هذه هى أم يوسف، فلا علاقة لها من ثم بتلك الواقعة غير القابلة للتصديق.
ومن قال إنها فى القصة لم تتعزّ عن موت أولادها بل ظلت تصرخ وتنتحب وتبكى فى حرقة،
وقد رأينا أن أحدا لم يبال بالأطفال المساكين أو يذرف عليهم دمعة؟ وهل الرامة هى
بيت لحم؟ إن الرامة تقع إلى الشمال من أورشليم على بعد عدة كيلومترات، أما بيت لحم
فشىء آخر. وأقرب شىء إلى أن يكون هو المراد من تلك النبوءة رجوع بنى إسرائيل من
المنفى إلى بلادهم، وليس قتل هيرودس المزعوم لأطفال بنى إسرائيل، لأنها تفتقد
التناظر الذى ينبغى أن يتوفر فى الرمز. إننى لأتعجب فى كل مرة أقرأ فيها لأمثال
زيكو حين يتكلمون عن نبوءات الكتاب المقدس ويحاولون تفسيرها، وأتساءل: ترى هل
تَغَطَّوْا جيدا قبل الإخلاد إلى الفراش فلم تتعرّ أردافهم وهم نائمون؟ الواقع أن
النبوءة المذكورة التى رآها إرميا حسبما جاء فى العهد القديم (إرميا/ 31/ 15- 17)
لا علاقة لها بحادثة قتل هيرودس أطفال بنى إسرائيل من سِنّ عامَيْن فهابطًا، إذ
الكلام عن تغيب أبناء راحيل عن البلاد فى أرض العدو. وهذا نص النبوءة كما ورد فى
ترجمة جمعيات الكتاب المقدس المتحدة: "صوتٌ سُمِع فى الرامة. نَوْحٌ، بكاءٌ
مُرّ. راحيل تبكى على أولادها وتأبى أن تتعزى عن أولادها لأنهم ليسوا بموجودين،
هكذا قال الرب. امنعى صوتك عن البكاء وعينيك عن الدموع لأنه يوجد جزاء لعملك، يقول
الرب، فيرجعون من أرض العدو، ويوجد رجاء لآخرتك، يقول الرب، فيرجع الأبناء إلى
تُخْمهم". وفى "دائرة المعارف الكتابية" تحت عنوان
"راحيل" نقرأ أن "النبى (أى النبى إرميا) صوَّر فى عبارة شعرية عويل راحيل على أبنائها، إما
لأنه سبق فرأى أن المسببِّين من يهوذا وبنيامين سيجتمعون فى الرامة بعد سقوط
أورشليم وقبل اقتيادهم إلى السبى فى بابل (إرميا 40: 1)، أو لأن الرامة كانت أكمة
مرتفعة فى أرض بنيامين يمكن منها رؤية الخراب الذى أصاب البلاد". وطبعا هذا
كله لو أن النبى إرميا قال فعلا ذلك الكلام.
الفصل الثالث:
وفي تِلكَ الأيّامِ جاءَ يوحنّا المَعمدانُ يُبشَّر
في برَّيَّةِ اليهودِيَّةِِِ 2فيقولُ: "تُوبوا، لأنَّ مَلكوتَ السَّماوات
اَقتربَ!" 3ويوحَنّا هوَ الذي عَناهُ النبـيٌّ إشَعْيا بِقولِهِ:
"صوتُ صارِخِ في البرّيّةِ: هَيَّئوا طريقَ الربَّ واَجعَلوا سُبُلَهُ مُستَقيمةً".
4وكانَ يوحنّا
يَلبَسُ ثوبًا مِنْ وبَرِ الجِمالِ، وعلى وسَطِهِ حِزامٌ مِنْ جِلد، ويَقْتاتُ مِنَ
الجَرادِ والعَسَلِ البرَّيَّ. 5وكانَ النّاسُ يَخرُجونَ إليهِ مِنْ أُورُشليمَ
وجَميعِ اليَهودِيَّةِ وكُلٌ الأرجاءِ المُحيطَةِ بالأُردنِ. 6ليُعَمَّدَهُم في
نَهرِ الأردُنِ، مُعتَرِفينَ بِخَطاياهُم.
7ورأى يوحَنّا أنَّ كثيرًا مِنَ الفَرَّيسيّـينَ
والصَدٌّوقيّـينَ يَجيئونَ إلَيهِ ليَعتَمِدوا، فقالَ لَهُم: "يا أولادَ
الأفاعي، مَنْ علَّمكُم أنْ تَهرُبوا مِنَ الغَضَبِ الآتي؟ 8أثْمِروا ثمَرًا
يُبَرْهِنُ على تَوْبتِكُم، 9ولا تقولوا لأنفسِكُم: إنَّ أبانا هوَ إبراهيمُ.
أقولُ لكُم: إنَّ الله قادرٌ أنْ يَجعَلَ مِنْ هذِهِ الحِجارَةِ أبناءً لإبراهيمَ.
10ها هيَ الفأسُ على أُصولِ الشَّجَرِ. فكُلُّ شجَرَةٍ لا تُعطي ثَمرًا جيَّدًا
تُقطَعُ وتُرمى في النّارِ. 11أنا أُعمَّدُكُمْ بالماءِ مِنْ أجلِ التَّوبةِ،
وأمّا الَّذي يَجيءُ بَعدي فهوَ أقوى مِنَّي، وما أنا أهلٌ لأنْ أحمِلَ حِذاءَهُ.
هوَ يُعمَّدُكُم بالرٌّوحِ القُدُسِ والنّارِ، 12ويأخذُ مِذراتَه. بيدِهِ ويُنَقّي
بَيدَرَه، فيَجمَعُ القَمحَ في مَخزَنِه ويَحرُقُ التَّبنَ بنارٍ لا تَنطَفئُ.
13وجاءَ يَسوعُ
مِنَ الجليلِ إلى الأُردنِ ليتَعَمَّدَ على يدِ يوحنّا. 14فمانَعَهُ يوحنّا وقالَ
لَه: "أنا أحتاجُ أنْ أَتعمَّدَ على يدِكَ، فكيفَ تَجيءُ أنتَ إليَّ
15فأجابَهُ يَسوعُ: "ليكُنْ هذا الآنَ، لأنَّنا بِه نُــتَمَّمُ مَشيئةَ
الله". فَوافَقَهُ يوحنّا.
16وتعمَّدَ يَسوعُ وخَرَجَ في الحالِ مِنَ الماءِ. واَنفَتَحتِ
السَّماواتُ لَه، فرأى رُوحَ الله يَهبِطُ كأنَّهُ حَمامَةٌ ويَنزِلُ علَيهِ.
17وقالَ صوتٌ مِنَ السَّماءِ: "هذا هوَ اَبني الحبيبُ الَّذي بهِ
رَضِيتُ".
من الغريب غير المفهوم
أن يستقبل يحيى عليه السلام من أتاه من الفَرِّيسيّين والصَّدُوقيين ليتعمدوا على
يديه ويعترفوا بخطاياهم، بهذه الشتائم، مع أنهم بمجيئهم إليه قد برهنوا على أنهم
يشعرون بالذنب ويريدون التوبة، وإلا فهل يحق لنا أن نشق عن قلوب الناس ونقول إننا
نعرف ما فى طيات ضمائرهم أفضل مما يعرفونه ثم نتهمهم بأنهم لا يصلحون للتوبة؟ أليس
هذا افتئاتا منا على شأن من شؤون الله؟ ألم يكن ينبغى أن يعطيهم يحيى عليه السلام
فرصة يجربهم فيها قبل أن يُسْمِعهم تلك الشتائم القارصة المهينة دون داعٍ؟ إننى لا
أصدّق أبدا أن يحيى كان بهذه الخشونة مع من جاء ليتوب حتى لو كانت توبته ظاهرية لم
تخرج من الأعماق! إن عبارة كاتب السفر تقول: "وفي تِلكَ الأيّامِ جاءَ يوحنّا
المَعمدانُ يُبشَّر في برَّيَّةِ اليهودِيَّةِِِ". والواقع أن هذا ليس تبشيرا
على الإطلاق، بل هو تنفير من التوبة وتعسير لها وتبغيض للناس فى الدين والعمل
الصالح كله!
ثم إننا
نسمعه يقول: "11أنا أُعمَّدُكُمْ بالماءِ مِنْ أجلِ التَّوبةِ، وأمّا الَّذي
يَجيءُ بَعدي فهوَ أقوى مِنَّي، وما أنا أهلٌ لأنْ أحمِلَ حِذاءَهُ. هوَ
يُعمَّدُكُم بالرٌّوحِ القُدُسِ والنّارِ، 12ويأخذُ مِذراتَه. بيدِهِ ويُنَقّي
بَيدَرَه، فيَجمَعُ القَمحَ في مَخزَنِه ويَحرُقُ التَّبنَ بنارٍ لا تَنطَفئُ".
وتعليقنا على هذا أن المسيح عليه السلام لم يعمد أحدا بالنار، وهذه هى الأناجيل
بين أيدينا، فلْيُرِنى فيها المعترض على كلامى ما يخالفه! ولا يقل أحد إن الكلام
هنا على المجاز، لأن النار إنما ذُكِرَتْ فى مقابل الماء، والماء هنا على الحقيقة،
فقد كان يحيى يعمّد الناس (كما يقول الكاتب) فى نهر الأردن، كما أنه عليه السلام
قد قال بنفسه إنه إذا كان يعمّدهم فيه بالماء فسوف يأتى ذلك الشخص الآخر (الذى
يفسره النصارى بأنه السيد المسيح) فيعمدهم بالنار، مع أنه لا نار هناك ولا دياولو!
والعجيب، وكل أمور القوم عجب، أن النصارى إنما يعمّدون أولادهم والمتنصرين من أهل
الأديان الأخرى بالماء رغم ذلك لا بالنار. ثم نقول، من أجل ذلك ومن أجل غير ذلك،
إن كتابهم محرَّف فيردّ سفلة المهجر بسبّ الرسول الكريم ويتطاولون عليه سَفَهًا
منهم وإجرامًا وكفرًا!
كذلك يقول
يحيى حسب كلام المؤلف: "وأمّا الَّذي يَجيءُ بَعدي فهوَ أقوى مِنَّي، وما أنا
أهلٌ لأنْ أحمِلَ حِذاءَهُ". ومرة أخرى يرى القوم أن المقصود هو السيد
المسيح، ومع هذا نراه يعمّد السيد المسيح، فكيف ذلك؟ ولقد جاء فى الترجمة
التفسيرية لكتاب الحياة على لسان عيسى حين امتنع يحيى فى البداية عن تعميده:
"أسمح الآن بذلك، فهكذا يليق بنا أن نُتِمّ كل بِرّ"، وهو ما يعنى أن
المسيح من دون هذا التعميد سوف يكون ناقصًا بِرًّا، فكيف يكون ابن الله ناقصًا
بِرًّا؟ بل كيف يكون الآتى لتكفير الخطايا البشرية من لدن آدم إلى يوم الدينونة
ناقصًا بِرًّا ويحتاج من ثم للتعميد؟ على رأى المثل: "جئتك يا عبد المعين
تعيننى، فوجدتك يا عبد المعين تُعَان". أما فى الترجمة التى أعتمد عليها هنا
فقد جاء كلام المسيح هكذا: "ليكُنْ هذا الآنَ، لأنَّنا بِه نُــتَمَّمُ
مَشيئةَ الله"، ويا له من فارق فى المعنى! ثم نقول لهم إن فى كتابكم تحريفات
وتخريفات كثيرة فيسبوننا ويهدوننا بأمريكا! يا للعجب، وهل تستطيع قوة أمريكا أن
تغير من حقائق الأمور؟ وهل يليق بمن يزعمون أنهم على الحق وأنهم لا يعتمدون إلا
على "قوة الله" أن يستقووا بأمريكا؟ ليس أمامى إلا أن أقول أنا إذن كما
كان يقول فريد شوقى: "يا قوة الله"!
وفى الفقرة الأخيرة
نقرأ الآتى: "16وتعمَّدَ يَسوعُ وخَرَجَ في الحالِ مِنَ الماءِ. واَنفَتَحتِ
السَّماواتُ لَه، فرأى رُوحَ الله يَهبِطُ كأنَّهُ حَمامَةٌ ويَنزِلُ علَيهِ.
17وقالَ صوتٌ مِنَ السَّماءِ: "هذا هوَ اَبني الحبيبُ الَّذي بهِ
رَضِيتُ"، ثم نتساءل: كيف يا ترى انفتحت السماوات؟ هل كانت مغلقة؟ إن التصور
الكامن وراء هذه العبارة يشى بالكثير، إذ من الواضح أن كاتب هذا الكلام المضحك
يحسب أن السماء سقف معدنى ينفتح وينغلق كسقف جراج ألكترونى مثلا. ثم من أدرانا أن
الحمامة التى رآها المسيح (لو كانت هناك حمامة فعلا وليست من بُنَيّات خيال
الكاتب) هى الروح القدس؟ إن هناك أغنية مصرية جميلة من أغانى أواسط الخمسينات من
القرن المنصرم تغنيها المطربة أحلام بصوتها الناحل الخجول تقول كلماتها: "يا
حَمَام البَرّ سَقَّفْ * طِيرْ وهَفْهَفْ * حُومْ ورَفْرَفْ * على كِتْف الحُرّ
وقَّفْ * والْقُطِ الغَلَّة"، فإذا نظرنا فى هذه الأغنية وجدنا هاهنا أيضا
حماما ينزل على كتف إنسان كما هبطت الحمامة على السيد المسيح إن صحت القصة، لكننا
لا نستطيع أن نقول إن الحمامة هنا هى الروح القدس، لأن الروح القدس ليس مسألة هينة
يدّعيها كل من هب ودب، فما الدليل إذن على أن الحمامة الواردة فى القصة الإنجيلية
هى الروح القدس فعلا؟ لقد ذكرت القصة أن ثمة حمامة نزلت على المسيح، وهذا كل ما
هنالك، فبأى حق يقال إنها الروح القدس؟ إنها لم تنطق ولم تأت من التصرفات ما يمكن
أن يكون أساسا لبحث هذه المسألة، بل نزلت وحسب. وكم من الحمام يطير وينزل على كتف
الحُرّ وعلى رأس العبد وفى الأجران وفوق الأغصان وعلى ضفاف الأنهار وأسلاك
البرق... إلخ، فكيف نميز بين حمامة هى روح القدس وحمامة أخرى هى روح البؤس؟ إنه
كله حمام، والحمام أكثر من الهم على القلب، أفكلما رأينا حمامة تهبط من الفضاء
قلنا إنها الروح القدس؟ كلا وحاشا! ثم من الذى رأى هذه الحمامة وروى قصتها؟ لا
يمكن أن يكون هو السيد المسيح لأنه كان دائم الحرص على ألا يعرف أحد بما يعمله من
آيات، فمن هو إذن يا ترى؟ وكيف عرف أن الحمامة هى الروح القدس؟ فإذا كان الناس هم
الذين رَأَوْها فهل من الممكن أن يكونوا قد رَأَوْها ثم سكتوا رغم ذلك فلم يعلقوا
على هذه الحادثة العجيبة؟ وهل كلَّ يوم ينزل الروح القدس؟ لقد كان ينبغى أن يكون
هذا الأمر حديث المدينة والقرية والنَّجْع والكَفْر والدنيا كلها! وهذا إذا صدّقنا
أوّلاً أن متى هو كاتب هذا الإنجيل، وثانيًا أنه أهل للتصديق، وثالثًا أن الذى حكى
له القصة صادق أيضا، ورابعًا أنها لا تناقض العقل والمنطق. وأين نحن من هذا؟
ثم هذا الصوت النازل
من السماء، من يا ترى سمعه غير المسيح، إذ النص قد سكت عن هذا؟ ذلك أن الناس
جميعا، كما رأينا، كانوا يقولون إنه ابن يوسف النجار لأن كل الظواهر والمظاهر تقول
ذلك، وهو ما شاركهم فى ترديده الكاتب عدة مرات على ما سيأتى بيانه! وتعالَوْا
نتأمل فى العبارة التالية: "هذا هوَ اَبني الحبيبُ الَّذي بهِ رَضِيتُ":
ما معناها يا ترى؟ هل كان الله قبل ذلك غير راض عن ابنه؟ ولماذا؟ أم هل سبب الرضا
أنه أصبح أخيرا، وبعد طول انتظار، أبًا بعد أن كاد اليأس يستولى عليه من أن تحمل
زوجته وتنجب له طفلا بعد كل تلك الأحقاب الطويلة؟ وهل يمكن أن يقال بعد ذلك إن
عيسى (الذى هو الأقنوم الثانى، أى الابن) هو نفسه الأقنوم الأول، لكن من وجهٍ آخر،
فى الوقت الذى يتحدث فيه الله (الآب، وهو الأقنوم الأول) عنه بوصفه شخصا ثانيا
مختلفا تمام الاختلاف، مثلما هو نفسه الأقنوم الثالث، لكن من وجه آخر أيضا، فى
الوقت الذى يعمّد هو فيه الناس بالروح القدس بما يدل على أن الروح القدس شخص ثالث
مختلف تمام الاختلاف؟ والذى يغيظ أننا كلما قلنا إن دين القوم محرّف هبّوا يشتمون
وينادون "ماما أمريكا" يهددوننا بها، ولا يريدون أبدا أن يفكروا معنا
ولو مرة واحدة بالعقل والمنطق!
"إبليس يجرب يسوع
وقادَ الرٌّوحُ القُدُسُ يَسوعَ إلى البرَّيَّةِ
ليُجَرَّبَهُ إِبليسُ. 2فصامَ أربعينَ يومًا وأربعينَ لَيلةً حتَّى جاعَ. 3فَدنا
مِنهُ المُجَرَّبُ وقالَ لَه: "إنْ كُنْتَ اَبنَ الله، فقُلْ لِهذِهِ
الحِجارَةِ أنْ تَصيرَ خُبزًا". 4فأجابَهُ: "يقولُ الكِتابُ: ما
بِالخبزِ وحدَهُ يحيا الإنسانُ، بل بكلٌ كَلِمَةٍ تَخرُجُ مِنْ فمِ الله".
5وأخذَهُ إبليسُ
إلى المدينةِ المُقَدَّسَةِ، فأوْقَفَهُ على شُرفَةِ الهَيكل 6وقالَ لَه:
"إنْ كُنتَ اَبنَ الله فأَلقِ بِنَفسِكَ إلى الأسفَلِ، لأنَّ الكِتابَ يقولُ:
يُوصي ملائِكَتَهُ بكَ، فيَحمِلونَكَ على أيديهِم لئلاَّ تَصدِمَ رِجلُكَ
بِحجرٍ".
7فأجابَهُ يَسوعُ: "يقولُ الكِتابُ أيضًا: لا
تُجرَّبِ الرَّبَّ إلهَكَ".
8وأخَذَهُ إبليسُ إلى جبَلٍ عالٍ جدُا، فَأراهُ
جَميعَ مَمالِكِ الدٌّنيا ومجدَها 9وقالَ لَه: "أُعطِيكَ هذا كلَّهُ، إنْ
سجَدْتَ لي وعَبدْتَني". 10فأجابَهُ يَسوعُ: "إِبتَعِدْ عنّي يا
شَيطانُ! لأنَّ الكِتابَ يقولُ: للربَّ إلهِكَ تَسجُدُ، وإيّاهُ وحدَهُ
تَعبُدُ".
11ثُمَّ تَركَهُ إبليسُ، فجاءَ بَعضُ الملائِكةِ
يخدِمونَهُ.
يسوع يبشر في الجليل
12وسَمِعَ يَسوعُ باَعتِقالِ يوحنّا، فرجَعَ إلى
الجليلِ. 13ثُمَّ ترَكَ النّاصِرةَ وسكَنَ في كَفْر َناحومَ على شاطِـىءِ بحرِ
الجليلِ في بلاد زَبولونَ ونَفتالي، 14ليَتِمَّ ما قالَ النَّبـيٌّ إشَعْيا:
15"يا أرضَ زَبولونَ وأرضَ نَفتالي، على طريقِ البحرِ، عَبْرَ الأردنِ، يا
جليلَ الأُمَمِ! 16الشَّعْبُ الجالِسُ في الظَّلامِ رأى نورًا ساطِعًا،
والجالِسونَ في أرضِ المَوتِ وَظِلالِهِ أشرَقَ علَيهِمِ النٌّورُ". 17وبدأَ
يَسوعُ مِنْ ذلِكَ الوقتِ يُبشَّرُ فيَقولُ: "توبوا، لأنَّ مَلكوتَ
السَّماواتِ اَقتَرَبَ".
يسوع يدعو التلاميذ الأوّلين
18وكانَ يَسوعُ
يَمشي على شاطئِ بحرِ الجليلِ، فرأى أخَوَينِ هُما سِمعانُ المُلقَّبُ بِبُطرُسَ
وأخوهُ أندراوُسُ يُلقِيانِ الشَّبكَةَ في البحرِ، لأنَّهُما كانا صيَّادَيْنِ.
19فقالَ لَهُما: "إتبَعاني، أجعَلْكُما صيَّادَيْ بشرٍ". 20فتَركا
شِباكَهُما في الحالِ وتَبِعاهُ.
21وسارَ مِنْ هُناكَ فَرأى أخوَينِ آخَرينِ، هُما
يعقوبُ بنُ زَبدي وأخوهُ يوحنّا، مَعَ أبيهِما زَبدي في قارِبٍ يُصلِحانِ شِباكَهُما،
فدَعاهُما إلَيهِ. 22فتَركا القارِبَ وأباهُما في الحالِ وتَبِعاهُ.
يسوع يعلّم ويبشّر ويشفي المرضى
23وكانَ يَسوعُ يَسيرُ في أنحاءِ الجليلِ، يُعلَّمُ في
المجامعِ ويُعلِنُ إنجيلَ المَلكوتِ ويَشفي النّاسَ مِنْ كُلٌ مَرَضٍ وداءٍ.
24فاَنتَشرَ صيتُهُ في سوريةَ كُلَّها، فجاؤوا إلَيهِ بِجميعِ المُصابينَ بأوجاعِ
وأمراضٍ متنوَّعَةٍ: مِنْ مَصروعينَ ومُقْعَدينَ والذينَ بِهِمْ شياطينُ، فشفاهُم.
25فتَبِعَتْهُ جموعٌ كبيرةٌ مِنَ الجليلِ والمُدُنِ العَشْرِ وأُورُشليمَ
واليهوديَّةِ وعَبْرِ الأُردن"ِ.
والآن أى إله ذلك الذى
يقوده إبليس ليجربه؟ إن الإله هو الذى يجرِّب لا الذى يجرَّب! وأى إله ذلك الذى
يجوع ويعطش ويحتاج من ثم إلى الطعام والشراب؟ هذا ليس إلها ولا يمكن أن يكونه. هذا
مخلوقٌ فانٍ ضعيفٌ محتاجٌ إلى أن يملأ معدته بالأكل والشرب حتى يمكنه الحياة، وإلا
مات. وأى إله أيضا ذلك الذى يتجرأ عليه إبليس ويعرض عليه أن يسجد له؟ لقد عَيَّلَت
الألوهية تماما! ثم أى إله أو أى ابن إله ذلك الذى لا يعرفه أبو العفاريت ويتصرف
معه على أساس أنه ليس إلا عبدا مخلوقا يستطيع أن يخدعه ويتلاعب به ويمسكه فى قبضته
أربعين يوما ويدفعه إلى الصوم والمعاناة، والمفروض أن أبا العفاريت يعرف الكُفْت
ذاته؟ إن الشيطان مخلوقٌ عاصٍ: نعم، لكنه لا يمكن أن يكون جاهلا بهذا الشكل، فليس
هذا عهدنا بأبى الأباليس ولا عشمنا فيه! وأى إله ذلك الذى لا يستطيع أن يرى العالم
وممالكه إلا إذا أراه إياها إبليس؟ إن إبليس هو مخلوق من مخلوقات الله، فما الذى
جعل له كل هذا السلطان يا ترى على خالقه، أو على الأقل: على ابن خالقه؟ ولا تقف
الطامة عند هذا الحد، فقد عرض إبليس على ابن الله (أو قل: على الله نفسه، فلا فرق)
أن يعطيه ملك الدنيا، وهو ما لا معنى له إلا أن المسيح لم يكن ابن الله بحق وحقيق،
بل مجرد كلام وابن عمه حديث، وإلا لجاء رده على الفور: ومن أنت يا صعلوك، حتى تحشر
نفسك بين الآلهة والملوك؟ ألا تعرف من أنا؟ قم انهض وأنت تكلمنى! لكننا ننصت فنجد
عجبا، إذ كل ما قاله له: "ابتعد عنى يا شيطان. مكتوب أنه للرب إلهك وحده
تسجد"! وواضح ما فى الرد من تخاذل! والحمد لله أن الكاتب لم يجعله يبكى ويقول
له: ابعد عنى، وإلا ناديت لك ماما!
وفى هذا الفصل أيضا
نقرأ أن الشيطان قد اقترح عليه أن يحول الحجارة خبزا، لكنه رفض بحجة أنه "ما
بِالخبزِ وحدَهُ يحيا الإنسانُ، بل بكلٌ كَلِمَةٍ تَخرُجُ مِنْ فمِ الله".
فكيف يرفض عيسى أن يقوم بمعجزة هنا، ولسوف نراه بعد ذلك يقوم بمعجزات طعاميّة
وشَرَابِيّةً فيحوّل الماء خمرا ويحوّل الكِسَر اليابسة القليلة والسمكات المعدودة
إلى أرغفة وأسماك مشوية لا تُحْصَى حتى لتَأكل منها الجموع وتفيض عن حاجتها؟ كيف
نسى المسيح المبدأ الذى استند إليه فى رفض القيام بتلك المعجزة؟ كما أن الحجة التى
استند إليها السيد المسيح فى رفض عمل المعجزة هى من الضعف والتهافت بحيث لا تقنع
أحدا، إذ لا أحد يشاحّ فى أنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، لكن فى نفس الوقت لا
أحد يشاح أيضا فى أننا، وإن لم نعش بالخبز وحده، لا يمكننا أن نعيش بدون الخبز
أيضا، وهو ما يعنى أن هناك مكانا هاما للخبز فى حياتنا، وكذلك لمثل هذه المعجزة فى
منظومة الإيمان العيسوى، وهو ما سنراه بعد ذلك حين يقوم عليه السلام بمعجزات
طعاميّة وشرابيّة كما قلنا. ثم ما الفرق بين هذه المعجزة ومعجزات الشفاء من البَرَص
والخَرَس والعَمَى والمسّ والنزيف والشلل والحُمَّى؟ إنها أيضا يصدق عليها ما يصدق
على معجزة الخبز فى أنها أيضا ليس مما يحيا بها وحدها الإنسان. فما العمل إذن؟
إنها مشكلة دون شك!
كما أن
قوله عليه السلام للشيطان ردا على طلبه منه السجود له: "للربّ إلهِكَ
تَسجُدُ، وإيّاهُ وحدَهُ تَعبُدُ" لا يعنى إلا شيئا واحدا لا غير، ألا وهو أن
العلاقة بين عيسى والله سبحانه وتعالى هى علاقة الألوهية بالعبودية لا علاقة
الأبوة بالبنوة أبدا، وإلا فلا معنى لشىء اسمه اللغة. فلنفضَّها سيرةً ولْنُلْغِ
اللغة فنريح ونستريح! ونتابع فنقرأ: "أخذَهُ إبليسُ إلى المدينةِ
المُقَدَّسَةِ، فأوْقَفَهُ على شُرفَةِ الهَيكل 6وقالَ لَه: "إنْ كُنتَ اَبنَ
الله فأَلقِ بِنَفسِكَ إلى الأسفَلِ، لأنَّ الكِتابَ يقولُ: يُوصي ملائِكَتَهُ
بكَ، فيَحمِلونَكَ على أيديهِم لئلاَّ تَصدِمَ رِجلُكَ بِحجرٍ".7فأجابَهُ
يَسوعُ: "يقولُ الكِتابُ أيضًا: لا تُجرَّبِ الرَّبَّ إلهَكَ". وهنا
كذلك يقر المسيح عليه السلام أن العلاقة بينه وبين الله هى علاقة العبد بإلهه، لا
جدال فى ذلك!
لكن ثمة
مشكلة كبيرة لا حل لها، ألا وهى قول القصة إن إبليس أخذ المسيح وأوقفه على شرفة
الهيكل... إلخ، إذ هاهنا يثور فى التوّ سؤال يحتاج لجواب عاجل: أين كان الناس يا
ترى، والمسيح يعتلى شرفة الهيكل ويدور بينه وبين إبليس ذلك الحوار المُسَلِّى؟ من
المؤكد أنه كان سيكون منظرا مثيرا يخفف من جهامة الواقع اليومى الكئيب آنذاك حيث
لم يكن هناك تلفاز ولا مذياع ولا دور خيالة ولا كاتوب ولا... ولا...، فكيف لم نسمع
بأن الناس قد اجتمعوا يشاهدون هذا المنظر الفريد، منظر إبليس (وهل كلَّ يوم يرى
الناس إبليس؟) وهو يحاول إغراء المسيح بالقفز فى الهواء كالرَّجُل العنكبوت؟ لا شك
أنها كانت ستكون نمرة ساحرة من نمر السيرك الإبليسى تساوى أن يقطع الناس لها تذكرة
بالشىء الفلانى! ثم كيف يا ترى أخذه إبليس من فوق قمة الجبل إلى هناك؟ أساقه أمامه
ماشيا على قدميه أم أخذه على جناحه أم قذفه فى الهواء فانتقل فى غمضة عين من الجبل
إلى شرفة الهيكل أم ماذا؟ وأين كان الناس طوال كل ذلك الوقت؟ وقبل ذلك كله ما الذى
كان يجبر المسيح على طاعة الشيطان طوال تلك الفترة ويصبر على قلة أدبه معه إلى هذا
الحد؟ إن القصة تريد أن تقول إنه، لعنه الله، لم تكن له على عيسى عليه السلام أية
سلطة. آمَنّا وصَدَّقْنا! لكن ألا يقول المنطق إنه كان ينبغى أن يشخط فيه عيسى منذ
أول لحظة شخطة عنترية تجعل رُكَبه تسيب ويتبول على نفسه، ومن ثم لا يعطيه فرصة
للتساخف كما يتساخف أوغاد المهجر ويُقِلّون أدبهم على سيد الأنبياء، بل يسكعه
قلمين على صُدْغه تعيد له رشده المفقود وتجعله يمشى على العجين فلا يلخبطه؟ أظن أن
هذا هو ما كان ينبغى أن يكون، فما رأيكم أنتم أيها القراء الأعزاء؟
وإذا كان
المسيح هو ابن الله، والملائكة فى خدمته بهذا الاعتبار، فلماذا لم يهتم بإنقاذ
يحيى عليه السلام من المصير السئ الذى انتهى إليه، أو على الأقل بإعادته للحياة كرة
أخرى كما فعل مع ناس آخرين؟ أيكون يحيى أرخص عنده من فلان وعلان وترتان ممن رَدَّ
فيهم الروحَ بعد أن كانوا قد فارقوا الحياة؟ لكننا ننظر فنجده عليه السلام، حسبما
كتب مؤلف الإنجيل، ما إن يتم القبض على يحيى حتى يتحول للجليل وكأن شيئا لم يكن.
وحين وُضِع يحيى فى السجن لم يهتم المسيح به، اللهم إلا عندما جاءه تلاميذ يحيى
وسألوه عن بعض الأمور وانصرفوا، فعندئذ أثنى المسيح عليه وعلى إيمانه، ثم لا شىء
آخر البتة: "2وسمِعَ يوحنّا وهوَ في السَّجنِ بأَعمالِ المَسيحِ، فأرسَلَ
إلَيهِ بَعضَ تلاميذِهِ 3ليقولوا لَهُ: "هلْ أنتَ هوَ الَّذي يَجيءُ، أو
نَنتظرُ آخَرَ؟" 4فأجابَهُم يَسوعُ: "اَرْجِعوا وأخْبِروا يوحنّا بِما
تَسمَعونَ وتَرَوْنَ: 5العميانُ يُبصرونَ، والعُرجُ يمشونَ، والبُرصُ يُطهَّرونَ،
والصمٌّ يَسمَعونَ، والمَوتى يَقومونَ، والمَساكينُ يَتلقَّونَ البِشارةَ. 6وهنيئًا
لمن لا يفقُدُ إيمانَهُ بـي".7فلمّا اَنصَرَفَ تلاميذُ يوحنّا، تَحدَّثَ
يَسوعُ لِلجُموعِ عَنْ يوحنّا فقالَ: "ماذا خَرَجتُم إلى البرَّيَّةِ
تَنظُرونَ؟ أقَصَبةً تَهُزٌّها الرَّيحُ؟ 8بلْ ماذا خَرَجتُم ترَوْنَ؟ أرَجُلاً
يلبَسُ الثَّيابَ النّاعِمَةَ؟ والَّذينَ يَلبَسونَ الثَّيابَ النّاعِمَةَ هُمْ في
قُصورِ المُلوكِ! 9قولوا لي: ماذا خَرَجتُم تَنظُرونَ؟ أنبـيُا؟ أقولُ لكُم: نعَم،
بلْ أفضَلَ مِنْ نَبِـيٍّ. 10فهوَ الَّذي يقولُ فيهِ الكِتابُ: أنا أُرسِلُ رَسولي
قُدّامَكَ، ليُهيَّـئَ الطَّريقَ أمامَكَ. 11الحقَّ أقولُ لكُم: ما ظهَرَ في
النّاسِ أعظمُ مِنْ يوحنّا المَعمدانِ، ولكِنَّ أصغَرَ الَّذينَ في مَلكوتِ
السَّماواتِ أعظمُ مِنهُ. 12فَمِنْ أيّامِ يوحنّا المَعمدانِ إلى اليومِ،
والنَّاسُ يَبذُلونَ جَهدَهُم لِدُخولِ مَلكوتِ السَّماواتِ، والمُجاهِدونَ
يَدخُلونَهُ. 13فإلى أنْ جاءَ يوحنّا كانَ هُناكَ نُبوءاتُ الأنبـياءِ وشَريعَةُ
موسى. 14فإذا شِئتُم أنْ تُصَدَّقوا، فاَعلَموا أنَّ يوحنّا هوَ إيليّا
المُنتَظرُ. 15مَنْ كانَ لَه أُذُنانِ، فَلْيَسمَعْ!".
وهو ما سوف
يتكرر عندما يُقْتَل عليه السلام: "3وكانَ هيرودُسُ أمسَكَ يوحنّا وقَيَّدَهُ
وسَجَنَهُ مِنْ أجلِ هيرودِيَّةَ اَمرأةِ أخيهِ فيلبٌّسَ، 4لأنَّ يوحنّا كانَ
يقولُ لَه: "لا يَحِلُّ لَكَ أنْ تَتَزوَّجَها". 5وأرادَ أنْ يَقتُلَهُ،
فخافَ مِنَ الشَّعبِ لأنَّهُم كانوا يَعدٌّونَهُ نَبـيُا. 6ولمّا أقامَ هيرودُسُ
ذِكرى مَولِدِهِ، رقَصَتِ اَبنَةُ هيرودِيَّةَ في الحَفلةِ، فأعجَبَتْ هيرودُسَ،
7فأقسَمَ لها أنْ يُعطِيَها ما تَشاءُ. 8فلقَّنَتْها أمٌّها، فقالَت لِهيرودُسَ:
"أعطِني هُنا على طَبَقٍ رَأسَ يوحنّا المَعمدانِ!" 9فحَزِنَ المَلِكُ،
ولكنَّهُ أمَرَ بإعطائِها ما تُريدُ، مِنْ أجلِ اليَمينِ التي حَلَفَها على
مسامِـعِ الحاضرينَ. 10وأرسَلَ جُنديُا، فقَطَعَ رأسَ يوحنَّا في السَّجن 11وجاءَ
بِه على طبَقٍ. وسلَّمَهُ إلى الفتاةِ، فحَمَلْتهُ إلى أُمَّها. 12وجاءَ تلاميذُ
يوحنّا، فحَمَلوا الجُثَّةَ ودَفَنوها، ثُمَّ ذَهَبوا وأخبَروا يَسوعَ. 13فلمّا
سَمِعَ يَسوعُ، خرَجَ مِنْ هُناكَ في قارِبٍ إلى مكانٍ مُقْفِرٍ يَعتَزِلُ فيهِ.
وعرَفَ النّاسُ، فتَبِعوهُ مِنَ المُدُنِ مَشيًا على الأقدامِ. 14فلمّا نزَلَ مِنَ
القاربِ رأى جُموعًا كبـيرةً، فأشفَقَ علَيهِم وشفَى مَرضاهُم. 15وفي المساءِ،
دَنا مِنهُ تلاميذُهُ وقالوا: "فاتَ الوقتُ، وهذا المكانُ مُقفِرٌ، فقُلْ
لِلنّاسِ أنْ يَنصرِفوا إلى القُرى لِـيشتَروا لهُم طعامًا". 16فأجابَهُم
يَسوعُ: "لا داعيَ لاَنصرافِهِم. أعطوهُم أنتُم ما يأكلونَ". 17فقالوا
لَه: "ما عِندَنا هُنا غيرُ خَمسةِ أرغِفةٍ وسَمكتَينِ".18فقالَ يَسوعُ:
"هاتوا ما عندَكُم". 19ثُمَّ أمَرَ الجُموعَ أنْ يَقعُدوا على العُشبِ،
وأخَذَ الأرغِفَةَ" (متى/ 14)! أين الرحمة؟ أين عاطفة القرابة؟ إنه لم يذرف
عليه دمعة واحدة وكأنه لم يكن هناك شخص اسمه يحيى تربطه به قرابةٌ وثيقةٌ أسريةٌ
وروحيةٌ كما لم يكن بينه وبين أى شخص آخر: "وسَمِعَ يَسوعُ باَعتِقالِ
يوحنّا، فرجَعَ إلى الجليلِ".
أولو كان
المسيح ابن الله على الحقيقة أكان يمكن أن يتصرف هكذا أمام تلك المأساة الدموية
التى كانت كفيلة بتحريك قلب الحجر، وكأنه عليه السلام بلا قلب؟ إن هذا لو وقع من
بشر يستطيع أن يبادر لإنقاذ يحيى ثم لم يفعل لكانت سبة الدهر وفضيحة الأبد، فما
بالنا بابن الله؟ أيعقل أن يهتم بتوفير الطعام لبعض الناس ولا يهتم بإنقاذ قريبه
هذا الذى كان نبيا مثله والذى بشر به ومهد له الطريق وعمّده ليكمل بِرّه؟ ولنلاحظ
أن المعجزات التى عملها هنا إنما هى المعجزات التى رفض عملها من قبل بالحجة التى
ذكرناها ووجدنا أنها ليست بحجة على الإطلاق! إن هذا وغيره من الأسباب لدليل على أن
فى الأمر خللا، ونحن نستبعد أن يكون المسيح على ذلك النحو من تبلد الإحساس وموتان
القلب واللامبالاة بموت قريبه وصديقه وصاحب الفضل عليه فى المعمودية ورصيفه بل رائده
فى النبوة، ونقول إنه بالأحرى العبث بالإنجيل. إن الإنجيل الذى نؤمن نحن المسلمين
به والذى يغالط المبشرون الكذابون فيحاولون أن يوهموا الأغرار منا قائلين لهم إن
المسلم لا يكمل إيمانه إلا بالإيمان بالأناجيل الحالية، هذا الإنجيل لا علاقة له
بالأناجيل التى بين أيدينا الآن. إن الأناجيل التى بين أيدينا شىء، والإنجيل الذى
نزل على عيسى عليه السلام شىء آخر. الإنجيل السماوى ضاع، وإن كنا نرجّح أن يكون قد
بَقِىَ منه بعض العبارات التى تُنْسَب للمسيح فى الأناجيل الحالية، أما ما نقرؤه
الآن فهو مجموعة من السِّيَر العيسوية تشبه السِّيَر النبوية لدينا، وإن لم تقم
على نفس الأساس الذى تقوم عليه سِيَر الرسول عليه الصلاة والسلام من الرغبة على
الأقل فى التمحيص وإعلان أسماء الرواة حتى يكون لدى من يهمه الأمر الفرصة للتحقق
بنفسه من مدى مصداقية هذه الروايات؟ وكيلا يمارى القوم مراءهم المشهور فيقولوا إنه
لم يكن هناك إلا هذه الأناجيل التى بين أيدينا أنبه القراء إلى قول الكاتب ذاته لا
قولى أنا: "وكانَ يَسوعُ يَسيرُ في أنحاءِ الجليلِ، يُعلَّمُ في المجامعِ
ويُعلِنُ إنجيلَ المَلكوتِ". فأين ذلك الإنجيل الذى كان يعلنه عيسى عليه السلام
ويعلمه للناس؟ اللهم إلا إذا قيل: لقد أكلته القطة!
الفصل الخامس:
"الموعظة على الجبل
فلمّا رأى يَسوعُ الجُموعَ صَعِدَ إلى الجبَلِ
وجلَسَ. فَدنا إلَيهِ تلاميذُهُ، 2فأخَذَ يُعلَّمُهُم قالَ: "3هنيئًا
للمساكينِ في الرٌّوحِ، لأنَّ لهُم مَلكوتَ السَّماواتِ. 4هنيئًا للمَحزونينَ،
لأنَّهُم يُعزَّونَ. 5هنيئًا للوُدَعاءِ، لأنَّهُم يَرِثونَ الأرضَ. 6هنيئًا
للجِياعِ والعِطاشِ إلى الحقَّ، لأنَّهُم يُشبَعونَ. 7هنيئًا للرُحَماءِ، لأنَّهُم
يُرحمونَ. 8هنيئًا لأنقياءِ القُلوبِ، لأنَّهُم يُشاهِدونَ الله. 9هنيئًا لِصانِعي
السَّلامِ، لأنَّهُم أبناءَ الله يُدْعَونَ. 10هنيئًا للمُضطَهَدينَ مِنْ أجلِ
الحقَّ، لأنَّ لهُم مَلكوتَ السَّماواتِ. 11هنيئًا لكُم إذا عَيَّروكُم
واَضطَهَدوكُم وقالوا علَيكُمْ كَذِبًا كُلَ كَلِمةِ سوءٍ مِنْ أجلي. 12اَفرَحوا
واَبتَهِجوا، لأنَّ أَجرَكُم في السَّماواتِ عظيمٌ. هكذا اَضطَهَدوا الأنبياءَ
قبلَكُم.
الملح والنور.
13"أنتُم مِلحُ الأرضِ، فإذا فسَدَ المِلحُ،
فَماذا يُمَلَّحُهُ؟ لا يَصلُحُ إلاَّ لأَنْ يُرمَى في الخارِجِ فيدوسَهُ
النَّاسُ.
14أنتُم نورُ العالَمِ. لا تَخفَى مدينةٌ على جبَلٍ،
15ولا يُوقَدُ سِراجٌ ويوضَعُ تَحتَ المِكيالِ، ولكِنْ على مكانٍ مُرتَفِـعِ حتَّى
يُضيءَ لِجميعِ الَّذينَ هُمْ في البَيتِ. 16فلْيُضِىءْ نورُكُم هكذا قُدّامَ
النّاسِ ليُشاهِدوا أعمالَكُمُ الصّالِحةَ ويُمَجَّدوا أباكُمُ الذي في
السَّماواتِ.
الشريعة.
17"لا تَظُنّوا أنّي جِئتُ لأُبطِلَ الشَّريعَةَ
وتَعاليمَ الأنبياءِ: ما جِئتُ لأُبطِلَ، بل لأُكمَّلَ. 18الحقَّ أقولُ لكُم: إلى
أنْ تَزولَ السَّماءُ والأرضُ لا يَزولُ حرفٌ واحدٌ أو نقطةٌ واحدةٌ مِنَ
الشَّريعةِ حتى يتِمَّ كُلُّ شيءٍ. 19فمَنْ خالفَ وَصيَّةً مِنْ أصغَرِ هذِهِ
الوصايا وعلَّمَ النَّاسَ أنْ يَعمَلوا مِثلَهُ، عُدَّ صغيرًا في مَلكوتِ
السَّماواتِ. وأمَّا مَنْ عَمِلَ بِها وعَلَّمَها، فهوَ يُعَدٌّ عظيمًا في مَلكوتِ
السَّماواتِ. 20أقولُ لكُم: إنْ كانَت تَقواكُم لا تَفوقُ تَقْوى مُعَلَّمي
الشريعةِ والفَرَّيسيَّينَ، لن تَدخُلوا مَلكوتَ السَّماواتِ.
الغضب.
21"سَمِعتُم أنَّهُ قِيلَ لآبائِكُم: لا
تَقتُلْ، فمَنْ يَقتُلْ يَسْتَوْجِبْ حُكْمَ القاضي. 22أمّا أنا فأقولُ لكُم: مَنْ
غَضِبَ على أخيهِ اَستَوجَبَ حُكمَ القاضي، ومَنْ قالَ لأخيهِ: يا جاهلُ اَستوجبَ
حُكمَ المجلِسِ، ومَنْ قالَ لَه: يا أحمقُ اَستوجَبَ نارَ جَهَنَّمَ.
23وإذا كُنتَ تُقَدَّمُ قُربانَكَ إلى المَذبَحِ
وتذكَّرتَ هُناكَ أنَّ لأخيكَ شيئًا عليكَ، 24فاَترُكْ قُربانَكَ عِندَ المَذبَحِ
هُناكَ، واَذهَبْ أوَّلاً وصالِـحْ أخاكَ، ثُمَّ تَعالَ وقَدَّم قُربانَكَ.25وإذا خاصَمَكَ أحَدٌ، فسارِعْ إلى إرْضائِهِ ما دُمْتَ معَهُ في الطَّريقِ، لِئلاّ
يُسَلَّمَك الخَصمُ إلى القاضي، والقاضي إلى الشٌّرطي، فَتُلقى في السَّجنِ.
26الحقَّ أقولُ لكَ: لن تخرُجَ مِنْ هُناكَ حتَّى تُوفيَ آخِرَ دِرهَمِ.
الزنى.
27"وسمِعتُمْ
أنَّـهُ قيلَ: لا تَزنِ. 28أمَّا أنا فأقولُ لكُم: مَنْ نظَرَ إلى اَمرأةٍ
لِيَشتَهيَها، زَنى بِها في قلبِهِ. 29فإذا جَعَلَتْكَ عَينُك اليُمنَى تَخْطَأ،
فاَقلَعْها وألْقِها عَنكَ، لأنَّهُ خَيرٌ لكَ أنْ تَفقِدَ عُضوًا مِنْ أعضائِكَ
ولا يُلقَى جَسدُكَ كُلٌّهُ في جَهَنَّمَ. 30وإذا جَعَلَتْكَ يدُكَ اليُمنَى تَخطأُ،
فاَقطَعْها وألْقِها عنكَ، لأنَّهُ خَيرٌ لكَ أنْ تَفقِدَ عُضوًا مِنْ أعضائِكَ
ولا يذهَبُ جسَدُكَ كُلٌّه إلى جَهَنَّمَ.
الطلاق.
31"وقِيلَ أيضًا: مَنْ طَلَّقَ اَمرأتَهُ،
فلْيُعطِها كِتابَ طَلاقٍ. 32أمّا أنا فأقولُ لكُم: مَنْ طلَّقَ اَمرأتَهُ إلاَّ
في حالَةِ الزَّنَى يجعلُها تَزْني، ومَنْ تَزوَّجَ مُطلَّقةً زنَى.
حلف اليمين.
33"وسَمِعْتُمْ أنَّهُ قيلَ لآبائِكُم: لا
تحلِفْ، بل أَوفِ للرَّبَّ نُذورَكَ. 34أمَّا أنا فأقولُ لكُم: لا تَحلِفوا
مُطلَقًا، لا بالسَّماءِ لأنَّها عرشُ الله، 35ولا بالأرضِ لأنَّها مَوطِـىءُ
قدَمَيْهِ، ولا بأُورُشليمَ لأنَّها مدينةُ المَلِكِ العظيمِ. 36ولا تحلِفْ
برَأْسِكَ، لأنَّكَ لا تَقدِرُ أنْ تَجعلَ شَعْرةً واحدةً مِنهُ بيضاءَ أو سوداءَ.
37فليكُنْ كلامُكُم: "نَعَمْ" أو "لا"، وما زادَ على ذلِكَ
فهوَ مِنَ الشَّرَّيرِ.
الانتقام.
38"سَمِعْتُمْ أنَّهُ قِيلَ: عَينٌ بِعَينٍ وسِنٌّ بسِنٍّ. 39أمّا أنا فأقولُ لكُم: لا تُقاوِموا مَنْ يُسيءُ إلَيكُم. مَنْ لطَمَكَ على خَدَّكَ الأيْمنِ، فحَوِّلْ لَه الآخَرَ. 40ومَنْ أرادَ أنْ يُخاصِمَكَ ليأخُذَ ثَوبَكَ، فاَتْرُكْ لَه رِداءَكَ أيضًا. 41ومَنْ سَخَّرَك