نظرة في تحليل نتائج الانتخابات

1\2

 

 

 

بقلم :د . يحيى هاشم حسن فرغل

yehia_hashem@ hotmail .com

http://www.yehia-hashem.netfirms.com

 

تنويه واجب  : أشكر القارئ الكريم الأخ الفاضل عباس من بنغازي في إهدائه لي تصحيح خطأ وقع في كتابة آيتين وردتا في المقال الأسبق ، بعنوان " الإسلام هو الحل 1-2 " نشر بتاريخ 27\11\2005   والتصحيح كالآتي ( قولوا آمنا بالله .. ) 136 البقرة ،  بدلا من " قالوا آمنا باله "  ، و( ألا تعلوا علي .. ) بدلا من " أ تعلو علي .."  31 النمل

جزاه الله عنا خير الجزاء

 

 

 

يتساءلون : هل أخطأ الإسلاميون تقديم أوراق اعتمادهم في الديموقراطية إلى " مربض " العلمانية ؟

ويقولون : لكن أليس من حقهم بل من واجبهم أن يجربوا ؟ لتكون لهم الحجة أمام صندوق الانتخابات ؟  كما هي لهم أمام حركة التاريخ ؟ وكما تكون لهم أمام الله .

 

أما عن صندوق الانتخابات فنرى الإحصائيات التي تنشر عن هذه النتائج - : كذا للحزب الوطني وكذا للوفد وكذا للغد وكذا للتجمع وكذا للمستقلين أو المنشقين وكذا للإخوان المسلمين إلخ -  مغلوطة في أساسها ، إذ الواقع أن المرشحين إنما ينقسمون إلى حزبين لا غير " العلمانيين ، والإسلاميين ، ولذا فصحة الإعلان عن النتائج تكون في هذه النظرة : كذا للعلمانيين ، وكذا للإسلاميين ، مع التسليم بأنه وبعد الاتفاق على هذه النظرة يمكن للإسلاميين أن يتقاطعوا أو يتوازوا بحسب بعض المواقف مع بعض العلمانيين 

إنه مهما كانت الفروق المعلنة بين أطياف العلمانيين فهي باطلة بالنسبة لموقفهم من الإسلاميين ، ونسبية في مواقعهم بالنسبة للحاكم الأمريكي .

&&

فهم من ناحية علاقتهم بالإسلاميين يتوحدون في خندق العداء للإسلاميين  بأكثر مما يتوحدون في صف الإخلاص لذويهم ، وهم يعملون على إقصاء المسلمين ، ونفيهم من ساحة الحكم ولو باسم النظام الديموقراطي وإن أعلن المسلمون قبولهم له. وقسط كبير من عدائهم للإسلام ناشئ من جهلهم به ، وقسط كبير من جهلهم به ناشئ من ثنائية النظام التعليمي الذي حاصرهم بعيدا عن فهم الإسلام أو فهم تراثه : منذ  سادت هذه الثنائية البلاد الإسلامية إثر خضوعها  للعلمانية في ثوبها الاستعماري  ، -  ربما كجهل كثير من الدعاة بأسرار الحضارة الغربية  - وقسط آخر ناشئ من استلابهم عقليا ونفعيا لثقافة التبشير والاستشراق.

 

 وبالرغم من ذلك فليس في عقيدة المسلمين أو في خطتهم عزم بالقضاء على أعدائهم من العلمانيين ، وهم أي المسلمين في قبولهم  - لا للعلمانية ولا لتعاليمها ولكن - للتعايش معها مع البراء منها ، ينطلقون في ذلك من إدراكهم لمغزى قوله تعالى " ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ، و لا يزالون مختلفين " 118 هود ، ولا بأس من القول بأنهم وهم يقبلون التعايش مع العلمانيين ينطلقون في ذلك قياسا على موقفهم من الشيطان نفسه ، فليس في الإسلام أساس للقول بالقضاء على الشيطان ، ولكن هناك الأساس للقول بمقاومته والبراء منه ، وضمان الخروج من تحت سلطانه عن  طريق إخلاص العبودية لله ، لقوله تعالى : ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا  ) 65 الإسراء ، وفرق دقيق وكبير بين القول بالمقاومة أو المعارضة ،  والقول بالإقصاء أوالإبادة  ، تلك الإبادة التي يمارسها أعداء الإسلام على خطى الأسبان فيما فعلوه بالمسلمين في الأندلس حيث أبادوهم عن بكرة أبيهم ،  وكما يقول أندرية نايتون في المصدر السابق ص 27 : ( يجب أن ننبه إلى أن حروب التفتيش التي شنتها الكنيسة الكاثوليكية على المسلمين لم تكن أقل بربرية ) مشيرا إلى بربرية ( ما قبل تاريخ الإنسان البربري ) كما يزعم ، وعلى خطى ما فعلته الهجرة الأوربية بالهنود الحمر حيث أبادوا الأغلبية الساحقة منهم وتقديرها – حسب المؤرخين – يتراوح بين مائتي مليون والمليار ، { أنظر رسالة المطران  برتولمي دي لاس كازاس   ت 1565 م نشرت ضمن سلسلة " من أجل الحقيقة " رقم 2 ترجمة سميرة عزمي ، من منشورات المعهد الدولي للدراسات الإنسانية ص16 }  .، وعلى خطى ما فعلته العلمانية الفرنسية بالجزائر قبل أن ترتد  جيوشها المسلحة على أعقابها أمام الزحف الإسلامي المعاصر ، وكما تحاول العلمانية المحلية والعالمية تدمير الإسلام وفق خطة أكثر من شيطانية على مستوى العالم .

 وفي عقيدة الإسلام ما يفيد أنه لا مفر من التعايش مع الشيطان  كما لابد من مقاومته والبراء منه ،  وهذا هو سر ابتلاء الإنسان بالعيش في هذه الحياة الدنيا القائمة على الاختلاط بين الحق والباطل والخير والشر ، والإنسان والشيطان ،( ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون ) 35 الأنبياء

 

والعلمانيون ليسوا بدعا في تاريخ التمرد على الدين إلا بمقدار ما أبدعوا  لأنفسهم من تسمية جديدة ، أو من مصطلح محدث ، أو بقدر ما بدلوا في منهجهم الشيطاني ، إذ كفوا عن طريقتهم العتيقة في تبديل النص وتحريفه أو إعادة تأويله كلما عنت لهم شهوة جديدة ، وتركوها اختصاصا ثمينا وهدية لذوي القربى من المرتزقة من رجال الدين المنحرفين ، وذهبوا يعلنون طريقتهم المتطورة :  استبعادا كليا للدين ، أو استبعادا لكل ما يتصل منه بتنظيم شئون الحياة ،  وبالتوازي فإن الشيطان مستقر في حياة الناس إلى يوم القيامة ، وهو في نظر الإسلام يقبع في أعماق الإنسان كقرين له طبقا لقوله تعالى : ( قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد ) 27 ق ( ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين ، وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون  ) 36- 37  الزخرف ( قال ياليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين ) 38 الزخرف ( ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا ) 38 النساء ، وهو يجري من ابن آدم مجرى الدم في العروق ، - كما جاء في حديث البخاري بسنده عن ابن شهابٍ عن علي بن حسينٍ «أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أتَتْهُ صَفيّة بنتُ حُيَيّ، فلما رجعتِ انطلَقَ معها، فمرّ به رجلان منَ الأنصار، فدعاهما فقال: إنما هي صَفية. قالا: سُبحانَ اللّه، قال: إنّ الشيطانَ يَجري من ابن آدَمَ مَجرى الدم»  .

 والترمذي بسنده عن مُجَالِدٍ، عنِ الشّعْبِيّ، عنْ جَابِرٍ، عنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم قالَ: «لاَ تَلِجُوا عَلَى الْمغيبَاتِ. فَإِنّ الشّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ أحَدِكُمْ مَجْرَى الدّمِ» قُلْنَا: ومِنْكَ؟ «وَمِنّي, ولكِنّ الله أَعَانَنيِ عَلَيْهِ, فَأَسلَم».

  قال أبو عيسى: هَذَا حدِيثٌ غرِيبٌ مِنْ هذَا الْوَجْهِ.

  والمُغِيبَةُ: الْمَرْأَةُ الّتِي يَكُونُ زَوْجُهَا غَائِباً والْمغيبَاتُ جَمَاعةُ الْمُغِيبةِ.

 

  ولا تعني مماهاة العلماني بالشيطان أن ندعو عليه بالرجم أو اللعن كما ندعو على الشيطان ( إبليس ) ، إذ اللعن إنما يكون لمن لا ترجى أوبته ، وليس العلماني هكذا بخلاف الشيطان ، هذا في نفس الوقت الذي ورد فيه الضمان بالانتصار عليه ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان  إلا من اتبعك من الغاوين ) 42 الحجر ،

وليس من باب المصادفة أن نجد العلماني الليبرالي الحديث القديم يقول ما يقول الشيطان عند المحاسبة : ( وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ) 22 إبراهيم

&&&

والإسلاميون  في علاقتهم بالشعب و باحتكامهم إلى  تجربة الديموقراطية – يقبلون الاحتكام في المعاملة مع العلمانيين -  على أساس المقاومة والبراء - إلى إرادة الشعب الذي يختارهم أو لا يختارهم في انتخابات حرة  ، انطلاقا من قوله تعالى  ( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ، قد تبين الرشد من الغي ، فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى ، لا انفصام لها والله سميع عليم )   256 البقرة ( وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ، ومن شاء فليكفر،  إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها ، وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا )  29 الكهف ، ( ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا ، إن الله عليم بذات الصدور ، نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ ) 23-24 لقمان ، وقوله تعالى : ( يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ) 41 المائدة ، وقوله تعالى : ( قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون ، فإنهم لا يكذبونك ، ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ) 33 الأنعام ، ( واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون ، لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون ، فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون ) 76 يس .

وهذا يعني أيضا تحميلهم المسئولية أمام الله في اختيارهم لشريعة الله أو في التمرد عليها وهم – أي الإسلاميين - في ذلك لا يريدون - ولا يمكنهم إرغام الشعب - على مالا يريد ولو كان هو الإسلام نفسه ، وهو – أي الشعب - من ثم مصدر السلطات لا بالمعنى الذي تتيحه العلمانية مشروطا باللاإسلامية ، ولكن بمعنى أن تستمد الدولة هذه السلطات من الشعب وهو ليس شعبا كائنا في فراغ النظريات ، ولكنه بحسب الواقع الذي يتعاملون معه هو الشعب الذي اختار الإسلام ، اختيارا حرا لا إكراه فيه ؛  بحيث ينتقل الإسلاميون  بشـَعبهم هذا في النظام الإسلامي من المبايعة الانتخابية – إذ لا سبيل إلى إكراههم على دين أو سلطان – إلى حكمهم بشريعة الله التي بايعوا عليها ، وفي هذا النطاق ينحصر من وجهة النظر الإسلامية كون الشعب مصدر السلطات ، ولا معنى إذن للتخوف – في المجال الإسلامي بالذات – من أن يؤدي ذلك إلى أن تصبح الأمة الإسلامية مختصة بالتشريع خارج نطاق الاستنباط  من شريعة الله وفقا لنظام تراتبي علمي ملحوظ .

 

وإذا كان من السائد القول بضرورة الفصل بين السلطات الثلاثة – التشريع ، والتنفيذ ، والقضاء - فإنه لا يوجد تطبيق أدق لهذا الشعار منه في المجال الإسلامي ، خلافا لما يروجه الكارهون للإسلام ولتاريخ الإسلام ،  إذ يقوم الفصل بين جهة السلطة الرقابية والتشريعية التي ترجع إلى شرع الله والذين يستنبطونه من أمر الله –  وهم الفقهاء والعلماء والخبراء ومن في حكمهم - ، وجهة التنفيذ التي يستقل بها الحاكم وأعوانه مهما اختلف اسمه بين خليفة وأمير وملك ورئيس ومدير ، وجهة القضاء التي يقوم بها قضاة علماء وفقهاء وخبراء مستقلون تماما عن الجهتين السابقتين ، ولم ينخرم هذا الفصل إلا في فترات بداية بناء الدولة مؤقتا و فترات اضمحلال الدولة الإسلامية فيما بعد .

 

وفي هذا النطاق يأتي إقرار التيار الإسلامي للتعددية الحزبية التي تترك مكانا للشيوعيين ( الشيطان ) ، بمعنى أنه إذا أرادت جماعة من الشعب فرزهم ، أو انتخابهم في انتخابات حرة فهذا يعني أنهم لا يريدون الإسلام ولا مجال – إسلاميا ولا ديموقراطيا – لإجبارهم على ذلك ، ولو كان بعضهم زعيما سليطا لحزب

 

 ولا مجال هنا للتهريج على الإسلاميين  بالاستشهاد ضدهم بكلمات ليست من الوحي ، ولا من الثوابت المطلقة ، ولا من المقدسات ، والتي يصح لهم ولغيرهم أن يختلفوا حولها ، أقوال مرسلة صرح بها بعض قادتهم أو الشخصيات البارزة فيهم ، وهي بحاجة إلى التدقيق ، أو قابلة للرفض ، أو قابلة للفهم في السياق الذي قيلت فيه ، مثلما استشهدوا برفض الشهيد حسن البنا طيب الله ثراه وأحسن جزاءه مع الصديقين والشهداء والأنبياء والمرسلين والصالحين : رفضه للحزبية في تصريح له أساء العلمانيون فهمه قصدا ، وأخذوا يهرجون بفهمهم هذا على الجو السياسي ، فهو في هذا التصريح إنما رفض وبصريح كلامه المذاع والمنشور أخيرا رفض الحزبية التي كانت تسود الساحة : الحزبية المتناحرة المهترئة الفاسدة الانتهازية العميلة والتي تولت الحكم على ظهر الدبابات الإنجليزية تارة أواستبداد الأقلية تارة  ، و التي سادت  فوضاها في العقود السابقة على الثورة ، شأنه في ذلك شأن الإجماع الشعبي الذي عبرت عنه الثورة ورجالها ومنطقها وتطوراتها التي استمرت  منذ قيام مجلس قيادة الثورة ، والاتحاد القومي ومن بعده الاتحاد الاشتراكي ، ومن بعده المنابر ومن بعده حزب مصر ، وأخيرا الحزب الوطني الديموقراطي ، وما انفتح بعدُ من تشكيل الأحزاب العلمانية المتعددة .

 

وفي الدعاية الانتخابية : ملأ العلمانيون الأفق صراخا يقلق الموتى ويصم آذان الأحياء في صحفهم وفضائياتهم - المصرية خصوصا - من ظهور ضوء خافت للإسلام على الساحة السياسية ، من ذ لك مثلا استنكارهم تعبير البعض عن التوجه إلى الله في هذه المعركة الانتخابية بعبارة " النصر من الله " ومن ذلك ما يقوله بعض رموزهم : الدكتور علي الدين هلال - أمين أمانة التثقيف بالحزب الحاكم وعضو أمانة السياسات - مستنكرا ( ..  عندما يحتشد 5 آلاف شخص ويصيحون " حسبي الله ونعم الوكيل {!!} أو يصيحون الله أكبر {!!} ……. خاصة الصيحات التي تردد أ ن في مصر قضاة لا يخشون الا الله {!!} طوال عمليات الإحصاء والفرز، وهو نوع من الترويع والإكراه ، خلق مناخا نفسيا تشعر فيه بأنك لست حرا..؟؟ ) !!! واللي على راسه بطحة ..

وصدق الله العظيم إذ يصفهم بقوله تعالى : ( وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم ، وإن يقولوا تسمع لقولهم كـأنهم خشب مسندة ، يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم ، قاتلهم الله أنى يؤفكون ) 4 المنافقون .  

وفي هذا السياق  يحق لنا في المقابل أن نعبر عن شعورنا بالخجل والعار وخيبة الأمل عندما نفتقد  صوتا لرجال الدين في الأزهر والأوقاف يعبر عن دفاعهم عن الثوابت الني أهينت في هذا الضخ الإعلامي الهائل تحت ستار معارضة التيار الإسلامي وفي المقدمة شعار " الإسلام هو الحل " الذي لا يصح أن يترك لتفترسه العلمانية غضبا وسخرية وحقدا وكراهية .. بينما هو شعار كل مسلم ومنهم رجال الدين هؤلاء فرضا ؟؟

 

يأتي ذلك كله في إطار دلالة بالغة على أن العلمانيين  كانوا قد وقعوا تحت غفلة قاتلة ، وأنهم اليوم واقعون تحت صدمة تاريخية ، إذ كانوا قد زين لهم شيطانهم الرجيم ما زين ، فحسبوا فعلا أن الإسلام قد تم طرده  خلال استيلائهم على الحكم منذ مجيء الاستعمار ، وقيامهم بدورهم في العمالة له  بعد أن تم جلاؤه ، وبدا لهم أخيرا ما لا يريدون تصديقه من أن كل جهودهم قد ذهبت هباء  - اللهم لا شماتة -  وأن مصر قد عاد إليها أو تريد أن يعود إليها من يعبر عن ضميرها الإسلامي الجريح ، لأنها عادت  أو بالأحرى تريد أن تعود إلى أصلها إلى عمقها ، إلى تاريخها المتمثل في أكثر من أربعة عشر قرنا ، إلى إسلامها الذي غشيته فيها غاشية منذ قرن تقريبا ،  والذي رحبت به واستقر في أعماقها  طوال أربعة عشر قرنا ، منذ الفتح على يد الصحابي الجليل عمرو بن العاص رضي الله عنه وأثابه عن تحريره لأقباط مصر وعن إسلام كل مسلم في أرضها ، وفي كل أرض ساهم في فتحها لهذا الدين ، مهما حقد الحاقدون ، أو تطاول المتطاولون ، والذي لم يحارب في هذا الفتح أقباطا ولكنه حارب الجيوش الأوربية التي تمثلت آنذاك في الدولة الرومانية المغتصبة ، والتي كانت قد سبقتها الدولة اليونانية ،  لمدة ثلاثة قرون ، ثم جاءت الدولة الرومانية بعد انتحار كليوباترا لتغتصب مصر طوال سبعة قرون تقريبا ، كانت فيها دولة وثنية عظما ولحما وشحما قرابة  أربعة قرون تقريبا ، ثم دولة لكنيسة هرطقية اضطهدت الأقباط وكنيستهم أيما اضطهاد ، قرابة ثلاثة قرون قبل تحرير الإسلام لهم - وكانت في ذلك تظلمهم ظلما ( أشبه بظلم ذوي القربى ، وهو أشد مرارة وأشرس واعمق جرحا وإيلاما وحقل الدين يضرب أمثلة كثيرة على ذلك . أليس الصراع الدامي بين البروتستانت والكاثوليك دليلا على ذلك ) كما يقول أندريه نايتون من ألمع علماء مقارنة الأديان في جامعات فرنسا ،  في كتابه " المفاتيح الوثنية للمسيحية " 

الأمر الذي يفتح المجال للقول بأنه لا مبرر للكلام عن الجزية أو الذمة بالنسبة للأقباط في الإسلام اللهم إلا أنهم كانوا قد خضعوا لهما إذ ذاك عندما وجدوا فيهما تحريرا من ناحية ، وحماية من التجنيد ، وبديلا عن الإسهام في فرض الزكاة من ناحية أخرى .

وكما يقول الأستاذ جمال بدوي في جريدة الوفد عن الأقباط في ( مصر عندما دخلها عمرو بن العاص منذ ألف وأربعمائة عام علي رأس جيش الفتح الإسلامي، وطوال هذه القرون والأقباط يتمتعون بحرية العقيدة ـ وهو أغلي ما يحرص عليه المصري ـ ومع الفتح، فتحت الكنائس المعلقة، وعمرت الأديرة المعطلة، وارتفعت الصلبان، ودقت النواقيس بعد صمت دام طوال العصر الروماني والبيزنطي، وأعيدت الأموال إلي البابا بنيامين باعتراف المؤرخ المعاصر يوحنا النقيوسي  . وكان الولاة المسلمون يحرصون علي مشاعر الأقباط، فيشاركون الشعب احتفاله بالأعياد المسيحية، وكان الولاة يجعلون أعيان الأقباط في المناصب المرموقة بما فيها منصب الوزارة ) .. 

 

ومن العجيب أن العلمانيين الذين اغتصبوا حكم مصر منذ أكثر من قرن وما زالوا يغتصبون حكمها : باسم الإنجليز تارة واستقواء بالسوفييت تارة وباسم الولايات المتحدة الأمريكية تارة أخرى وباسم قوات الأمن الباطشة  في جميع الأحوال ، …– دون أن يعلنوا عن سماتهم القبيحة - كما فعل أتاتورك في تركيا – من العجب أنهم يعتذرون لأنفسهم – في غباء شديد - عن خيبة أحزابهم الورقية  في هذه الانتخابات بأنها كانت نتيجة اضطهاد الدولة لهم على الساحة السياسية ، كأنما كانت الدولة طوال تلك الفترة – وما زالت تحتضن الإسلاميين ، وتهدهدهم وتغذيهم بلبان حنانها !! ، ولم تكن تضطهدهم  أشد ما يكون الاضطهاد  وتعذبهم أشد ما يكون تعذيب بشر لبشر ، ، طوال الخمسين عاما الماضية : ضيوفا على المشانق والسجون والمعتقلات والمطاردات والمصادرات ، بتأييد من هؤلاء الأغبياء وهم يتفرجون ويشمتون و ، ويصفقون ، ألا فليعلموا أنه لقد ( قتل أصحاب الأخدود ، النار ذات الوقود ، إذ هم عليها قعود ، وهم على ما يفعلون بالمؤمنين  شهود ، وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ، الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد ، إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق ) 8-10 البروج .

 

ومن أسخف السخف أن الفاشلين من هؤلاء  العلمانيين يضعون أنفسهم في خانة المعارضة لدولة الحزب الواحد ، ويتناسون أنهم – باستثناء حزب العمل - كانوا " سمن وعسل " مع دولة هذا الحزب وبخاصة عندما يكون الأمر متعلقا بمطاردة الإسلاميين والتحريض على اعتقالهم وقتلهم ، ولم تكن تنبس لهم بنت شفة بمعارضة جدية قبل ظهور حركة كفاية أخيرا ، ومن يراجع صحفهم كالوفد يجد استئناسا ناعما مع الحكومة ، وصل بهذا الحزب إلى حد أن تراجع عن المطالبة بتعديل المادة 76 من الدستور ، حتى فاجأهم حزب الحكومة بتعريتهم بطرح ذلك التعديل الهزلي المانع لإمكانية المنافسة على انتخاب رئيس الجمهورية من خارج الحزب الحاكم ، والناطق بما يمهد لفكرة التوريث .

 

ومن أسخف السخف قول بعض أباطرتهم الإعلاميين أن الدولة تتآمر لإتاحة الفرصة للإسلاميين عن طريق اضطهادهم ، فما بالهم لو أن الدولة استجابت لترهاتهم  فرفعت عن الإسلاميين  سيف هذا الاضطهاد . – والله المجيب - ووجهته إلى أحزابهم العلمانية الورقية  ، ولماذا لا يطالبون صراحة بما يشتهون  لينهلوا مما يرغبون ، ولا أظن إلا أن الدولة سوف تكون كريمة معهم كما هو شأنها مع أبناء الأسرة العلمانية الكريمة ؟ أم ترى أن الدولة تضطهدهم بحرمانهم من الاضطهاد ؟

 

ومن أسخف السخف قولهم إن الإسلاميين لا يـَصدُقون في إعلانهم قبولهم بالديموقراطية المشروطة - وهي للعلم في كل مجال مشروطة -  تراهم يظنون أن الإسلاميين من السذاجة بحيث يُصَـدِّقونهم  في إعلانهم قبولهم للإسلام المشروط ؟ 

 

ومن الملاحظ أنه ما من نقد أو اتهام وجهه هؤلاء العلمانيون للتيار الإسلامي إلا كانوا هم   أحق به على منوال " رمتني بدائها وانسلت "، وإن كان يصدق على بعض الإسلاميين   بدرجة   – فرضا – إلا كان لخصومهم بأربع وعشرين   ؟

 

وبعد : فإذا كان شعار " الإسلام هو الحل "  غامضا " فأين هو الوضوح في شعار " الحرية هي الحل " ؟ و" الليبرالية هي الحل  ؟  و" الاشتراكية هي الحل " ؟ و " الديموقراطية هي الحل " ؟  والحداثة هي الحل "؟ و" المشاركة الشعبية هي الحل " ؟ " ومحاربة الفساد  هي الحل " ، و " القضاء على البطالة هي الحل " ؟ و" إزالة الجهل والفقر والمرض هي الحل " ؟ ماذا ؟ وكيف ؟ ومتى ؟ ومنذ متى ؟

والعجب أن أصحاب هذه الحلول العلمانية كأنهم  يعتبرون فضيلة حلولهم كامنة في أنها شعار لنخبة متميزة من الأفراد أو المئات أو الآلاف ، وأن عيب الشعار الإسلامي أنه يرتفع بأيدي عشرات الملايين ومئاتهم من المسلمين في جميع أنحاء العالم .

 

ومن العجب أن هؤلاء العلمانيين " يحسدون " الإسلاميين - في وقاحة منقطعة النظير - على ما يزعمون أنه عشرات الآلاف من المنابر المتاحة لدعاياتهم في المساجد ، متجاهلين – وهم يعلمون حق العلم - أن هذه المساجد وقد تم استيلاء الدولة عليها جبرا بواسطة وزارة أوقاف الدولة العلمانية وسيطرة أجهزة الأمن التي لا تنام .. تم تأميمها ، وأصبحت محرمة على الصوت الإسلامي الحر الخالص ، وتحشرجت ثم اختنقت وهي تحاول أن تمارس مهمتها الشرعية في الدعوة إلى الله ، واقتصر فتح أبوابها للمسلمين  على دقائق معدودة لأداء الصلوات ، ودقائق أخرى لخطبة الجمعة ثم تغلق في وجوههم  فيما عدا ذلك ، { بينما الكنائس التي بايعت الحزب الوطني من بداية المعركة مفتوحة لأقباطها ليل نهار } ولو أن المساجد أتيحت للصوت الإسلامي الحر الخالص لضمنت للعلمانيين مجالا فيها ، على الأقل لكي يتم دحضها والرد عليها  أو مناقشتها  - وقد كانت متاحة لمثل ذلك مع أهل الكتاب في تاريخ الدولة الإسلامية العريق .

 

ومن وقاحة بعض العلمانيين انهم وهم يطلقون هذه الأكاذيب يتجاهلون انهم يستبدون بعشرات المنابر الفضائية التي يخاطبون من خلالها عشرات الملايين في جو مفعم بالجهل والتعصب والانحياز والتشنج ضد التيار الإسلامي وشعائر الإسلام ومقدساته في العقائد والأخلاق والعبادات والمعاملات ، ، فضلا عما تقوم عليه هذه الفضائيات من تقنية وبرمجة ومسرحة وفلمنة ، وسينمة، وسطوة ومال وسلطان وغواية و"إبداع " ! وما  توفره للملايين من زبائنها  من الترفيه ووسائل الإغراء ، و" الفرفشة "  ، وفنون الطبل والزمر و" اللي ما يشتري يتفرج " ، تحت قانون " إذا لم تستح فقل وافعل ماشئت " !

 

 وإذا كان رفع شعار " الإسلام " يعني اتهاما مغلوطا لخصمهم باللاإسلامية ، فهو صادق بمنطقه على رفع شعار " الوطني " أي  أنه يعني اتهاما لخصمهم باللاوطنية ، وهو صادق بمنطقه على شعار " الديموقراطي " أي  أنه يعني اتهاما لخصمهم باللاديموقراطية ،وهو صادق بمنطقه على شعار " العدالة الاجتماعية  " أي  أنه يعني اتهاما لخصمهم باللاعدالة  ؟ وهو صادق بمنطقه على شعار " التجمع  " أي  أنه يعني اتهاما لخصمهم باللاتجمع ، وهو صادق بمنطقه على شعار " الغد   " أي  أنه يعني اتهاما لخصمهم بالأمسوية ؟ وهو صادق بمنطقه على شعار " المستقبل  " أي  أنه يعني اتهاما لخصمهم بالماضوية ؟

وإذا كان العقاب على " اللا إسلامية " مؤجلا إلى يوم القيامة وإلى يد الله العليم بالسرائر الحسيب الرقيب القدير ، وإنه لكذلك في الفهم الإسلامي الصحيح لأغلب المواقف العلمانية أو أهمها ، أفليس العقاب الذي يتعرض له المسلمون على يد العلمانيين مفتوحا على اعتقال الدعاة على أبواب المساجد ، ومطاردة حول مراكز الاقتراع ، وقصف أقلام ، وغلق صحف ، ، وحظر قانوني ، واستقواء أجنبي ، وتشجيع أمريكي ، ودعم أممي ، وإعلام شيطاني ، ومشانق تنصب بأحكام استثنائية ، وقهر طائفي أو فئوي ، وسجون خاصة بالطوارئ ، ومعتقلات  غير قانونية  ، وسجون سرية ، لا يعلم المصير فيها أحد إلا الله ، ومن دخل تجربة جوانتانامو وما أدراك ما جوانتانامو ، وطرة وما أدراك ما طرة ، وما الله أعلم به ؟

وتأتي الطامة القاضية على شرعية الانتخابات ومصداقية الديموقراطية في ضرب القضاة داخل لجان الانتخابات ، حيث  اعتدت قوات الأمن علي جمع من القضاة  المشرفين علي انتخابات المرحلة الثالثة في المنزلة وبلقاس وأتميدة بالدقهلية وأبوحماد بالشرقية ، كما استخدمت القوات العنف مع الناخبين ومنعتهم من الإدلاء بأصواتهم في العديد من الدوائر. وتلقي المستشار محمود أبوالليل وزير العدل ورئيس اللجنة العليا للانتخابات بلاغا من المستشار زكريا عبدالعزيز رئيس نادي القضاة بواقعة الاعتداء علي القضاة ومنع الناخبين من الإدلاء بأصواتهم بالقوة، وأجري وزير العدل اتصالات مع حبيب العادلي وزير الداخلية للتحقيق في البلاغ ، وأكد رئيس نادي القضاة تلقيه عشرات الشكاوي من القضاه المشرفين علي الانتخابات. ( نقلا عن جريدة الشعب بتاريخ 3\12\2005