بعد التلوث البيئي والسياسي:
العراق يغرق بالتلوث الغذائي
بقلم المحامي حسن بيان
لقد أصبح امراً عادياً،أن تبقى المقاومة خبراً دائم الحضور في كل وسائل
الإعلام.وان ما يتسرب من أخبار المقاومة رغم كل إجراءات التعتيم و المحاصرة،كافٍ
ليثبت حجم المأزق الذي باتت تواجهه قوات الإحتلال و تلك
المرتبطة بها.كما أنه كافٍ ليثبت مدى القدرة التي تتمتع
بها المقاومة في تغيير وسائط عملها و اتساع مديات عملياتها.
كما انه اصبح امراً عادياً،ان تتخذ العمليات العسكرية التي تنفذها قوات الإحتلال و المرتبطة بها طابع حرب
المدن التي تمتد على مساحة الغرب العراقي فضلاً عن وسطه وشمال شرقه.وفي هذه
الجولات الحربية،تستعمل قوات الإحتلال كل صنوف الأسلحة
من الدبابات و الطائرات السمتية والقاذفات،عل ذلك يمكنها
من كسر شوكة المقاومة و إضعاف فعالية الإحتضان الشعبي
الذي شكل و منذ بداية اتخاذ القرار بالتصدي للإحتلال
حزاماً واقياً حال دون تمكن الإحتلال و ادواته من استفراد المقاومة كحلقة سياسية ومن مناضليها
كطليعيين في صفوفها.
وثالث عاديات الأمور
في العراق المحتل،الإنتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان على
أيدي قوات الإحتلال وحيث يكفي ما يتسرب منها لإدانة
المحتل بجرائم ضد الإنسانية ليس لأن العراق ِِشنت الحرب عليه و احتل دون أي مسوغ
شرعي،بل ايضاً لإنتهاك نظام
القيم الإنسانية و ممارسة سادية موصوفة بما ينم عن حقد عنصري من دولة تدعي الحرص على
حماية حقوق الإنسان وعلى سبيل المثال لا الحصر عينات التعذيب التي تمارس على
المعتقلين والاسرى في معتقل ابو
غريب و غيره.
اما رابع العاديات في العراق فهي استشراء الفساد
السياسي و الاداري في نظام الإدارة الواجهية
للمحتل الأميركي وحيث احتل العراق في ظل ادارة الإحتلال المرتبة الأولى في لائحة الدول الأكثر فساداً
سياسياً و ادارياً و مالياً.
واذا كانت بعض اسباب
هذا الفساد تعود الى افتقار ادوات
الحكم المباشرة الواجهية المشروعية القانونية والسياسية
و الشعبية فإن سببا جوهرياً اخراً يكمن وراء استشراء ظاهرة الفساد بكل اشكاله الا وهو ادراك الإحتلال بعد مرور اكثر من سنتين على احتلاله للعراق انه يواجه مأزقاً و احد
الخيارات التي ستكون مطروحة امامه اما
الإنسحاب و اما اعادة النظر باستراتجيته حيال
العراق اولاً.وهذا الادراك
لحجم المأزق الذي تواجهه ادارة الاحتلال الاميركي سحب نفسه على الادوات الواجهية.والتي بحكم ادراكها ايضاً لظرفية وجودها في ادارة الظل
تعمل لتوظيف الوقت في الحد الأقصى الممكن لنهب خيرات العراق و ثرواته وتحقيق اثراء غير مشروع.وهذا الذي يلاحظ بعد كل تشكيل سياسي و اداري،بان كل طاقم سياسي و اداري
يساءل الذي سبقه بجراءم الاختلاس و الفساد و الرشوة،لا
يمكنه ان يستر عورات القيمين شكلياً على شوؤن العراق،لأنه يلجأ للمساءلة لتغطية الصفقات المشبوهة التي
يعقدها مع المافيات الدولية و بالأخص منها المافيات الاميركية و الصهيونية
التي تخطط وتشرف على نهب ثروات العراق و خيراته.
اما خامس العاديات و التي باتت امراً معروفاً في واقع العراق منذ الحصار وصولاً حتى الاحتلال
وتداعياته،هو اقدام قوات الاحتلال على استعمال العراق
حقلاً لتجارب الاسلحة،من الاورانيوم
المنضب الذي احدث خللاً بيئياً و تسسباً بامراض سرطانية و اضعافاً لنظام
المناعة في جسد الانسان،الى
القنابل و الصواريخ الحرارية و الفراغية،والعنقودية و التي بقدر ما تسببت بالتدمير
البيئي فانها تسببت بتدمير انساني.ويكفي
الاشارة الى العينات البشرية
التي تشوهت من جراء هذا الاستعمال الاميركي للسلاح المحرم
دولياً،ليقف الانسان على حجم الكارثة ببعدها البيئي و الانساني فضلاً عن السياسي التي سببها السلوك الاميركي حيال العراق.
اما الامر السادس
الذي يحضر له كي يصبح امرا عادياً في شوؤن العراق،انما هو تطييف الحياة السياسية،و اسقاط هذا التطييف السياسي
على البيئات الشعبية و مكونات الشعب في العراق.وهذا لا يقتصر على رعاية الاحتلال و
تشجيعه للعمليات الامنية ذات الاثارات الدينية،والطائفيةوالمذهبية بل ايضاً
بتقديم الشعب في العراق،باعتباره مجموعة طوائف لكل منها خصوصية في السلوك الديني
الشعائري،واهدافاً سياسية،ترتبط بالمكونات الطائفية و
ليس بالمكون الوطني و اخيراً،رفع شعار التقسيم السياسي والاداري للعراق قياساً على حدود تواجد الانتشار الاكثري للمكونات الطائفية والاقليات
القومية.واشتراك المليشيات" كبدر" و" البشمركة"
في العمليات الامنية والقمع والاعتقال.
هذه العلامات التي ندرجها تحت عنوان العاديات في العراق و التي بعضها ا يجابي كما في تتالي العمل المقاوم واتساعه.فان السلبيات في
هذه العاديات يراد ان تكون كفتها الراجحة.
هذه السلبيات
التي تندرج تحت عناوين عريضة،و التي ترخي
ظلالها الثقيلة.تبرز في سياقاتها ظاهرة سلبية حادة،هي في طريقها لان تصبح من
عاديات الامور باعتبارها واحدة من نتائج الاحتلال وتدعياته.
هذه الظاهرة،هي إغراق السوق العراقي بالمواد الغذائية الفاسدة.و اخر الاخبار في هذا المضمار اكتشاف
كميات هائلة من الطحين المستورد من استراليا،يحتوي على نسبة من برادة الحديد،كما
اكتشاف شحنات من الشاي فيها نسبة من برادة الحديد وهذا غيض من فيض،لان ما يتسرب من
داخل العراق عن اغراق السوق العراقي بالمواد الغذائية
الفاسدة،كان يدور حول صلاحيات المواد الغذائية خاصة بعدما اكتشفت عمليات تزوير
لتاريخ الصنع و الانتهاء.اما و ان
تضرب المادة الغذائية الاساسية بمادة ترتقي الى مستوى السم،والتسبب بامراض
سرطانية فهذا هو الامر الجديد الذي حل بالعراق في ظل
الاحتلال مع الادارة الجديدة التي قيل انها انبثقت عن ارادة شعبية بعد
العملية الانتخابية التي جرت تحت الاحتلال.
هذه الظاهرة الجديدة
،اضافت تلوثاً غذائياً اضافة
الى ما هو قائم.
فالتلوث لم يعد يقتصر
اولاً على التلوث البيئي من جراء تدمير قوات الاحتلال
المقومات البيئية سواء من خلال استعمال السلاح الكيماوي واليورانيوم
المنضب والذي ادى الى
تشويهات بيئية وجسدية،وعلى التلوث السياسي ثانياً،من خلال استعمال القوة لتشريع
الاحتلال وكل ما ينتج عنه،ومن خلال ضخ منظومة مفاهيم سياسية تشكل في محصلتها
برنامجاً منهجياً لتقويض المقومات الوطنية سواء لجهة اعادة
رسم خارطة العراق السياسية على اساس التوزع القومي و الطائفي،او لجهة تطييف الحياة الساسية و اسقاط هذا التطييف على واقع الحياة
المجتمعية او لجهة تنصيب ادارة
جعلت العراق يحتل المرتبة الاولى في انظمة الفساد السياسي و الاداري و
المالي.
بل،اضيف تلوث ثالث،هو التلوث الغذاثي
من خلال اغراق السوق العراقية بالمنتوجات
الغذائية الفاسدة و المنتهية صلاحية استعماله او من
خلال شحنات غذائية تحتوي على مواد سامة كما في شحنات الطحين و الشاي.
وبهذا التلوث الغذائي
يكون العراق فد وقع بسبب الاحتلال و تداعياته تحت كابوس تلوث مثلث الاضلاع،تلوث بيئي و تلوث سياسي وتلوث غذائي.وطبعاً الضحية هو
الشعب العراق الذي بعد ان عجزت ادارة
الاحتلال من قهر ارادته تعمل لتسميم بيئته و حياته و
قيمه و غذائه ،وعلى قاعدة
من لم يمت بالسيف مات
بغيره، تعددت الاسباب و الموت واحد.
ان هذه اللوثة المثلثة الاضلاع،هي
النتاج الاول لاحتلال،لا يريد تقويض مقومات العراق
الوطنية ودوره الريادي و حسب،بل تقويض معالم الحياة البشرية و الانسانية،
و تحويل المجتمع من مجتمع ينبض بالحياة و يملك كل مقومات القدرة على النهوض و
التطور الى مجتمع معاقٍ بيئياً و سياسياً وبنيوياً.وكل
هذا يحصل،و العراق ما يزال ضمن دائرة المحاصرة السياسية و الاعلامية،و
لابصيص نور يتلمس بواسطته طريقه.ولا عينة من الهواء
النظيف في مناخه الا المقاومة، التي بقدر ما اعادت الاعتبار لدى الحركة الشعبية العربيةفي
مقاومتها الاحتلال،عليها يعول لاسقاط مفاعيل هذه اللوثة
المثلثة الاضلاع.والتي بتناميها و قدرتها على التكييف
مع اصعب الظروف المحيطة يحركتها
تسقط المسبب الاساسي لهذا التلوث البيئي و السياسي و
الغذائي الذي هو الاحتلال بكل تشخيصاته وافرازاته و ادواته و رموزه و
مفرداته. وانه بالقدر الذي تستطيع فيه المقاومة تحقيق مواقع متقدمة على طريق اسقاط هذا المسبب بالقدر الذي تمكن فيه نظام التغذية النضالي
الذي تضخه،ان يححقق امتلاءً
سياسياً و وطنياً للشعب العراقي بكل اطيافه و عندها
يكون العراق قد وقف على ارضية استعادة مناعته بعد ان تكون قد اسقطت كل عناصر التلوث
التي افرزها الاحتلال و المسؤول عن اسبابها
ونتائجها اولاً و اخيراً.
هل تدرك وتعي الامم المتحدة والمنظمات الدولية ذات الصلة و خاصة منظمة
الصحة العالمية هذه الحقائق؟ انها بتصرفها!