تأجيل الانتخابات في فلسطين بين حسن النوايا وسوء الظن

 

 

 

بقلم :د. فايز صلاح أبو شمالة

 

        أقل من ستة أشهر بين أولى قرارات الرئيس الفلسطيني في 8/1/2005 بالإعلان عن انتخابات المجلس التشريعي في شهر يوليو، وبين آخر قراراته بتأجيل الانتخابات إلى أجل غير معلوم، ستة أشهر من العمل الفلسطيني الديمقراطي، والحوار المبني على التعاون بين التنظيمات الفلسطينية، لقد انعكست روح المسئولية والثقة حتى أثناء تعالي أمواج الخلاف العاتية، احترم الجميع صيغ التفاهم، والوساطة المصرية التي فتحت دفتر اتفاق القاهرة، لقد ظل الأمل بالغد الأفضل، وبأننا نقترب من مرحلة يسود فيها الشعب على حكامه فترة الانتخابات، ويتدنى فيها منسوب الرتب العسكرية أمام تعالي منسوب رتبة مواطن، ويسيطر فيها العطاء على الأخذ، والشفافية على الضبابية، وكان المنطق السائد في كل المجالس هو: صبراً آل فلسطين؛ لأن الصندوق الانتخابي هو صاحب الصلاحية في تحديد صاحب الحق في القرار السياسي والميداني، ووسط كل ذلك تجلى قرار الرئيس، وإصراره على موقفه بالابتعاد عن الانزلاق إلى الصغائر الحزبية، وضغائن الانتفاع.

 

        فمن الذي أراد المس بمصداقية الرئيس، والحط من قدر الثقة الذي أوجده داخل المجتمع الفلسطيني؟ من صاحب المصلحة الذي سعى باتجاه تأجيل الانتخابات؟ أليس هو الذي قدر تضرره منها؟ لقد كان يمكن القفز عن ذريعة التأجيل لو صدقت نوايا بعض المتكسبين! وقرروا الاكتفاء بهذا القدر، ولكنهم ما زالوا طامعين، ويؤذيهم الاستمرار في إطلاق سراح الحريات، وتربية الوعي السليم بحقوق المواطن في عقول الأجيال، وتشجيع الحوار بالعقل والمنطق، وتكريس مفهوم التعددية، وأن السلطة لم تورث لشخص، أو لحزب دون آخر؟ وأن في الجواب الصريح المعروف فضح للسر المكشوف!!.

 

        كان شعبنا سيصدق مقولة: أن المجلس التشريعي قد تعمد التأخير في إقرار القانون، وأن المجلس التشريعي في موافقته على صيغة النظام الانتخابية التي تقول: ثلثين للدوائر وثلث للقوائم النسبية، قد خالف اتفاق أبي مازن مع الفصائل، ولكن رغم وجاهة هذا المنطق، إلا أن المجلس التشريعي كان قد أقر بالقراءة الثالثة قانون الانتخاب منذ زمن، ورفع عن نفسه العتاب عندما رفع القانون لمصادقة الرئيس عليه، فلماذا تأخرت المصادقة، ولماذا تأخر رد الرئيس في إرجاع القانون إلى المجلس للتعديل؟ وهذا ليس بيت القصيد، وإنما؛ لماذا لم يلزم الرئيس المجلس التشريعي بسرعة إتمام القراءات، ولاسيما أن الفترة الزمنية كانت كافية من تاريخ الإعلان عن موعد الانتخابات بتاريخ 8/1/2005، حتى 17/7/2005 فمن الذي أوحى للمجلس التشريعي الذي بغالبيته ينتمي إلى تنظيم فتح، بالتأني، وهدر الزمن؟

 

        ثم ما معنى أن يتزامن إعلان الرئيس عن تأجيل موعد انتخابات التشريعي مع قرار المجلس الثوري تأجيل مؤتمر فتح؟ وكان قد علق الكثير على مشجبه تأخير موعد انتخابات التشريعي، أي أن التشريعي سيأتي لاحقاً لإصلاحات تنظيمية تأذن لتنظيم فتح دخول الانتخابات بثقة، وهذا منطق وجيه، كنا سنصدقه، ونقول من حق الحزب الحاكم أن يرتب صفوفه كي لا يؤخذ على حين غرة، ولكن الذي يجري هو التفاف على قرار جماهيري بإجراء انتخابات التشريعي في موعدها، والتفاف على قرار تنظيمي بالإصلاحات، فمن المنتفع الحقيقي من التأجيل؟ أم هناك صفقة ما تقوم على إبقاء الحال على ما هو عليه؟.

 

        إن خطورة قرار تأجيل موعد الانتخابات تكمن في أنها فتحت باب الظن السيئ على مصراعيه، طالما لم يحدد الموعد الجديد، والمطلوب هو مزيد من الثقة المتبادلة بين الشعب والسلطة، تخدم المصلحة الفلسطينية العليا، وهذا ما يحتم على القوى والفصائل والأحزاب السياسية، وكل من له اهتمام في تنامي بذور الديمقراطية، وكل من هو معني بتكريس التعددية في الحياة الحزبية داخل مجتمعنا الفلسطيني، على الجميع أن يتداعى إلى لقاء موسع، تلتئم فيه الفصائل الرئيسة، ذات الثقل في الشارع، وتدرس أوجه الضغط لتحديد موعد زمني ملزم للجميع، بحيث لا يتعدى هذا العام 2005، وأن يتم مقابل ذلك الإعلان سريعاً عن موعد المرحلة الثالثة من انتخابات المجالس البلدية، وعدم تأجيلها إلى ما بعد انتخابات التشريعي، كما أعد لها سابقاً، وأن يطرح هذا الأمر على أجندة اللقاء بين قادة الفصائل والرئيس.

 

        ما عدا ذلك، فإن شكل المقاومة الديمقراطية حق كفلته المواثيق الدولية، والإنسانية والعربية، والفلسطينية، ومن حق الجميع التعبير عن رفضه لقرار التأجيل ما لم يتم الالتزام بزمن معلوم، وبالتالي يصبح الاعتصام، والتظاهر، والتوقيع على عرائض تضم مئات ألآلاف حق، ويغدو الوقوف في مفارق الطرق لساعات محددة حق، ويضحى الوقوف دقائق صمت في مكان العمل حق، ويمسي عقد المؤتمرات الصحفية المنددة بالتأجيل حق، ويبيت عقد المهرجانات الخطابية، والتجمعات الشعبية حق، ويظل للجميع حق المطالبة بتحديد موعد سريع للانتخابات الديمقراطية؛ التي دفع شعبنا دمه لتحديدها، وتحقيقها، فلم تكن الانتخابات منّة من أحد، ولم تكن تفضلاً من جهة ما على شعبنا، إن إجراء الانتخابات التشريعية استحقاق أقرته صيغة التفاهم التنظيمي في اتفاق القاهرة، التي يفترش حروفها ألاف الشهداء، ويتغطى بها عشرات ألاف الجرحى، والأسرى في السجون الإسرائيلية.

 

         إن هيبة أي سلطة، وقوة شخصيتها تكمن في شرعية وصولها إلى الحكم من خلال ثقة الجماهير بها، وما عدا ذلك الكمون لنواة تواصل الانفلات الأمني، والعصيان المدني.