عرائس الشمع دبت فيها الحياة

 

 

 

بقلم : د. السيد عبد الستار المليجى

 

نعم تحققت نبؤة الشهيد .. فالمسلمون في أيام ضعفهم يكثر فيهم الجدل ويقل منهم العمل .. يتحدثون طويلا عن بطولات الأجداد التى مضت ويفتقرون الى بطولات حاضرة بينهم وماثلة بين أياديهم .. أشباه المشايخ يهزون المنابر ويلوحون بسيوفهم الخشبية وهم يتكلمون عن بدر وأحد والخندق وخيبر وذات الرقاع والقادسية واليرموك وحطين وعين جالوت وما امتلك احدهم الجرأة ليأمر المصلين من خلفه ان يخرجوا اليوم الآن لمواجهة عدوهم وهو على باب المسجد وسلاحه فوق رؤوس المصلين ,  وما قام احد من المصلين بذلك .. اشباه العلماء يتحدثون بحرارة وتأثر عن قادة جيوش المسلمين العظماء على وحمزة وعمر وخالد وسعد والقعقاع وعمرو وطارق ولم يتحدث احد عن جيوش اليوم وكيف صارت جيوش من خشب لا تسمع ولا ترى ولا تتكلم , لم يتحدث احد عن قادة الجيوش اليوم وكيف صاروا من الكاوتش أو الجبس أوالقماش المحشو بالصوف , فلا انات المظلومين تحركهم ولا استغاثات المقهورين تسيرهم , وبالجملة لا جيوش مجاهدة ولا قادة محترمون وكل ما هناك في عالمنا اليوم كما يسجل دفتر الأحوال عصابات مجرمة أدمنت الحرام وعاشت في مستننقعاته الآسنة العفنة وارتكبت كل المحظورات من سطو على المال العام والخاص وهتك للعرض وتفريط في الأرض وعمالة للأعداء ومصادرة لحقوق الإنسان والحيوان والبيئة وتكميم للأفواه وتعديات على الخلق وازدراء للحق , فإذا رأوا من المقهورين أدنى تعبير عن الضجر والألم حركوا جحافلهم الخشبية وجنودهم الكاوتش فمعرت في الطرقات والشوارع واطلقت دخانها الأسود الكئيب  فخاف الناس على مسيرة شهر أويزيد وسكت الناس سكوت المقبورين وخضعوا للباغي خضوع المستضعغين , وعاد كبير المجرمين الى قصره وحوله جوقته ومصوريه وأعلن انتصاره على شعبه وإحكام السجون والمعتقلات على معارضيه وإعمال آلة التعذيب والقتل في من وقع في قبضته وأقيمت له حفلات الغوانى  وبدى منعما بالحرام وما سرق   , هكذا مرت السنون الكالحة طيلة القرن الماضى وزاد سواد  ليلها في الربع الأخير وأوشكت الأمة على النهاية , وقال الناس متى نصر الله ؟؟ هنالك همس بعض المقهورين برفض الظلم والقهر والسجون والمعتقلات والنهب والخداع والتضليل والفساد والمفسدين والجلادين وعلا همس الناس وتحول الى صراخ  ثم هتاف وشجع الناس بعضهم بعصا وقويت ارجلهم وحملت اجسامهم فوقفوا وتحركوا فخرجوا الى ساحات المواجهة وعلت حناجرهم يطلبون الحرية ويضحون من اجلها , وقوى الله عزائم الثائرين والطلائع ,فلما حرك الباغى جحافله الكاوتش واطلقت دخانها الأسود وخوارها المستنكر لم يخف منهم أحد , حتى اذا امتدت اياديهم الآثمة تنتهك عرض فتاة متظاهرة هرع لحمايتها مئات النساء المتشحات بالسواد في غضبة محمودة وثورة مطلوبة للدفاع عن الباقي من القيم , وفي مغرب  الأربعاء 8/7/2005 وقف المصريون يتحدون الخوف ويتحدون الظلم ويوقدون لكل معتقل في سبيل الحرية شمعة تعبيرا عن الشكر والتقدير لكل الباذلين حياتهم من أجل حرية امتهم كما تحترق الشمعة لتضيء للناس الطريق , في هذا الموقف المهيب تزكرت كلمة الشهيد الخالدة ( ..كلماتنا تبقى عرائس من الشمع  حتى إذا ضحينا من أجلها أو متنا في سبيلها دبت فيها الحياة ..) نعم ياسيدى ياشهيد تحققت نبؤتك بعد اربعين سنة أو يزيد قليلا .. ها هي أمتنا تواجه جلاديها وتقدم شهداء في سبيل الحرية وتجهر بالحق , عالية اصواتها , وها هى كلماتها التى كانت بالأمس مجرد عرائس من الشمع  دبت فيها الحياة .