انتهى زمن النُّسَخ الكربونيّة

 

 

 

بقلم:مصطفى الصواف

 

لقد انتهى ذلك الزمن الغابر الذي خلا من قول كلمة "لا"، وانتهى معه زمن النسخ الكربونية، تلك التي ما كانت تملك لها إرادة وتصادق على ما يقوله من بيده سطوة المال التي بها كان الجميع يقول نعم، وإنْ كانت كلمة "لا" تُردَّد في كواليس المجالس السياسية.

 

هل من المعقول أنْ تبقى طريقة التفكير هذه قائمة حتى يومنا هذا، لماذا لا نقول "لا"، وبأعلى صوتنا، طالما أنّ ما تُقال من أجله يمسّ الجميع، لماذا يريد البعض من الجميع أنْ يقول سمعاً وطاعة؟! وهل يعتقد هذا البعض أنّ الناس قطيعٌ من الغنم يجب أنْ يُساقوا إلى المسلخ بإرادتهم أو بغير إرادتهم؟!.

 

هل من المعقول أنّ منْ يقول "لا " بات خارجاً عن الصف الوطني وعن المصلحة الوطنية التي تغيب وتحضر عندما يريد هذا البعض؟ وما الفائدة من نظامٍ يقوم على التعددية ولا تجد فيه من يقول "لا"؟! وما جدوى هذه التعدّدية إذا كان الجميع يقول سمعاً وطاعة.

قرار تأجيل الانتخابات التشريعية لم يكنْ بالشيء المفاجئ، بل كان متوقّعاً بشكلٍ لا يقبل الشك، خاصةً وأنّ تسويف المجلس التشريعي في إقرار القانون الانتخابيّ لم يكن بالأمر العارض، بل جاء بشكلٍ مدروس ممّن لا يريدون لهذه الانتخابات أنْ تكون في هذا الموعد لأنّ بيتهم مازال مهلّلاً، وهم بحاجة إلى الوقت الكافي لإعادة الترتيب والتي لم يصلح المصلحون شيء فيه طالما أنّ عقلية الإقصاء وحبّ الهيمنة ونرجسية الأنا تسيطر على طريقة التفكير، ويضع المخطّطون رؤوسهم في الرمال حتى لا يروا الحقيقة التي باتت ساطعة كنور الشمس، وهي أنّ هناك تغييراً حادثاً على الأرض لا بدّ أنْ يُؤخَذ بعين الاعتبار.

 

لماذا هذا الهجوم على حركة المقاومة الإسلامية (حماس) التي قالت مع غيرها من القوى والفصائل الفلسطينية "لا" لقرار الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات لتأجيل الانتخابات؟ هذا القرار الذي أقرّ في القاهرة بالتوافق الوطني وتمّ الاتفاق فيه على أنْ تُجرى الانتخابات التشريعية في السابع عشر من تموز القادم، كان من المفترض أنْ يكون قرار التأجيل أيضاً بطريقة التوافق الوطنيّ، طالما أنّنا ارتضينا من البداية بالتوافق الوطنيّ.

 

لكن على ما يبدو أنّ لدى حركة "فتح" قراراً مسبقاً بتأجيل الانتخابات التشريعية، وازدادت ضرورة هذا التأجيل بعد نتائج انتخابات البلديات في مرحلتيها الأولى والثانية والتي شكّلت صفعةً قوية لحركة "فتح"، ولبعض قادتها الذين اعتبروا ما حدث في المرحلة الثانية هزيمة شخصية لهم، لم يبادروا فيها إلى تقديم استقالاتهم كما فعل الكثير من قيادات حركة "فتح" في الضفة الغربية، فبدلاً من تقديم الاستقالة أخذوا على عاتقهم الهجوم على حركة حماس لتعويض الذات بعد الخسارة، رغم أنّ العلاقة بين "فتح" و"حماس" وصلت في مرحلةٍ من مراحلها إلى علاقةٍ حميمة كان الحوار واللقاء هو سيد هذه العلاقة؟

 

لقد ماطلت كتلة "فتح" في المجلس التشريعي المحكوم منها كون غالبية الأعضاء هم من حركة "فتح"، في إقرار القانون الانتخابيّ المعدّل، واعتماد طريقة الانتخابات، وافقت على جزءٍ إلا أنّها اختلفت في الجزء الآخر وخالفت الإجماع الوطني عندما قرّرت أنْ تكون طريقة الانتخابات ثلثاً للنسبي وثلثين للدوائر، وهي تعلم أنّ هذا لن تقبل به الفصائل ولكن يقبل به الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وكانت على يقينٍ أنّ الرئيس عباس سيردّ القانون، وبذلك لن تتمكّن اللجنة المركزية للانتخابات من إجراء الانتخابات وفق الموعد المحدّد لها لأنّها بحاجةٍ إلى الوقت الكافي لترتيب عملية الانتخابات وفق القانون المعتمد.

 

واليوم، وبعد أنْ تمّ التأكّد من الانتخابات، لن تتمّ في وقتها المحدّد لها وفق اتفاق القاهرة وتفاهمات القوى الوطنية، وتحت ضغطٍ كبيرٍ من حركة "فتح" على السيّد محمود عباس، والذي يريد أنْ يتحاشى أيّ صدامٍ مع حركة "فتح" والتي في غنىً عن مثل هذا الصدام وحتى لا يحمل عبء المرحلة القادمة ونتائجها، كانت الموافقة على التأجيل ولكن هذه المرة بشكلٍ متفرّد، الأمر الذي رفضته كلّ القوى الفلسطينية وليس حركة حماس لوحدها.

 

إنّ الهجوم الذي قالته حماس غير مبرّر، فحركة حماس كغيرها من الحركات الفلسطينية التي لم يرُقْ لها قرار التأجيل لاعتباراتٍ كثيرة ذُكِرت عبر وسائل الإعلام، والتي سعت حركة حماس لمعرفة موقفها، وليست حركة حماس التي تسعي لوسائل الإعلام كما يظنّ البعض أو يحاول تصوير الأمر، فمنْ يدير حلبة الإعلام يدرك أكثر ممّن لا يجد إلا الهجوم على حركة، هذه الوسائل لا تقبل سياسة دفن الرؤوس في الرمال فهيَ ترى بعين المستقبل ولديها القناعة المبنية على مقدّمات وإرهاصات تقول إنّ حركة حماس باتت لاعباً أساساً في الحلبة السياسية الفلسطينية، ليس ذلك فحسب بل لاعبٌ واعدٌ لمستقبلٍ واعد.

 

اليوم أيضاً المجلس الثوري لحركة "فتح" يوافق على ما أُقِرّ في القاهرة من طريقة إجراء الانتخابات التي توافقت عليها القوى الفلسطينية مجتمعة في القاهرة ومن بينها حركة "فتح"، جاء هذا القرار من "فتح" بعد أنْ ضمنت التأجيل وصدر بذلك مرسومٌ رئاسيّ، فعادت إلى ما تمّ الاتفاق عليه، وسوف توافق على كلّ ما يريد محمود عباس أبو مازن الرئيس الفلسطينيّ، معنى ذلك أنّ لعبة "فتح" باتت مكشوفة وهي ضرورة تأجيل الانتخابات التشريعية حتى يتمّ  حلّ كلّ الخلافات داخل حركة "فتح"، على ذلك يعيد لها ما خسرته أو ربما تحقّق ما تريد من انتخابات في المجلس التشريعي التي تؤكّد كلّ القراءات والدراسات والتحليلات أنّ حركة "فتح" لن تكون هي صاحبة الأغلبية وفي أضعف الإيمان ستتقاسم ذلك هي وحركة "حماس"، وهذه هي المعضلة التي تواجه حركة "فتح" في المرحلة القادمة.

 

 

 

ومن هنا كان علينا أنْ نطرح السؤال التالي: هل بالفعل حركة "فتح" تريد لانتخابات التشريعيّ أنْ تتمّ؟ وكذلك لبقية المراحل البلدية والمحلية؟ وهل تعتقد حركة "فتح" أنّ تأجيل الانتخابات سوف يغيّر من موقف الشعب الفلسطيني من قضية التغيير؟.. أنا أعتقد والكثيرون من المراقبين ومن أبناء الشعب الفلسطيني أنّ التأجيل لن يخدم حركة "فتح"، ولن يأتيَ لها بالحلّ السحريّ، وأنّ الشعب الفلسطيني قال كلمته عبر الأشكال الديمقراطية ولن يتراجع عنها، بل هذا التأجيل أخشى ما أخشاه أنْ يأتيَ بنتائج عكسية ويزيد الهوّة بين المواطن الفلسطيني وحركة "فتح" مما سيعمّق الشرخ داخل حركة "فتح"، لذلك كان يجب على واضعي السياسة في حركة "فتح" أنْ يأخذوا في الحسبان ردّات الفعل المعاكسة لأنّ الشارع الفلسطيني هو أساس اللعبة السياسية وأساس اللعبة الديمقراطية، وما حدث في المرحلة الثانية من انتخابات البلديات لم ينطلِ على أحدٍ وربما يأتي بنتائج عكسية حتى وإن حقّقت حركة "فتح" بعض النتائج منه ولكنّها ستظهر الحقيقة بوضوح في انتخابات المجلس التشريعي.

 

 

 

نقطةٌ أخرى لا بدّ أنْ نضعها في الحسبان، وهي الواقع الدولي والواقع الإقليميّ، وكلاهما شكّلا عاملاً ضاغطاً على الرئيس محمود عباس، وربما كان لهما دوراً في قرار التأجيل، وسنمرّ على هذه النقطة بشكلٍ عاجل.

 

 

 

فالواقع الإقليميّ لا يرغب أنْ تنجح حركة "حماس" بشكلٍ لافتٍ للنظر في الساحة الفلسطينية لما له من انعكاساتٍ على هذه الدول، وهنا سأضرب مثالاً واحداً، وهو ما حدث في مصر من تحرّكٍ لافتٍ للإخوان المسلمين الذي اعتقدَ البعض أنّ أجواء الديمقراطية التي تحاول أمريكا إشاعتها في المنطقة العربية هي الدافع الأول لتحرّك الإخوان، ولكن على ما أظنّ أنّ ما حدث في فلسطين هو الدافع والمحرّك الأول لتحرّك الإخوان في اتجاه اللعب بقوة في الساحة السياسية المصرية وهذا ما لا تقبله مصر مثلاً، صحيح هي تريد أنْ تكون الأجواء في الأراضي الفلسطينيّة تسير نحو التوافق وضرورة استيعاب حركة حماس، لكن في نفس الوقت لا تريد لحركة حماس أنْ تكون بهذه القوة والنفوذ في الشارع الفلسطيني وفي نفس الوقت لا تريد أنْ تضطرب الأوضاع في الأراضي الفلسطينية لأنّ ذلك سينعكس عليها داخلياً.

 

كذلك أمريكا والاتحاد الأوروبيّ، و(إسرائيل) معهما، لا يختلف كثيراً عن الموقف الإقليميّ، فهم  لا يريدون لحركة حماس أنْ تحقّق ما حقّقت من نتائج، وهي ترى ضرورة أنْ تتمّ عملية تأجيل انتخابات التشريعي، بل لا ترى ضرراً في عدم إجرائها وإلغائها بالكلية، لأنّ الإدارة الأمريكية تدرك أنّ النتائج لن تكون إلا في صالح حركة حماس لأنّها أكثر دراسةً للشارع الفلسطيني من بعض أصحاب هذا الشارع الذين لا زالوا ينظرون بعيون ما قبل ثلاثين أو أربعين عاماً.

 

من هنا نقول إنّ موقف حركة حماس وكذلك مواقف بقية القوى الفلسطينية جاء في السياق الطبيعي وأنّ مواقف هذه القوى من قرار التأجيل هو موقف صحيّ، مؤشّرٌ على رفض هيمنة السبعينيات والثمانينات، فنحن في القرن الواحد والعشرين، ولم يتكلّس الشعب الفلسطيني وقواه عند حدود القرن الماضي الذي حكمته ظروف مخالفة لما يجرى في القرن الحالي، ولكن الغريب هذا الهجوم غير المبرّر على حركة حماس لمجرّد أنّها أبدت موقفها من قرار التأجيل كغيرها من القوى الفلسطينية، ولكن على ما يبدو أنّ الهجوم ليس على "لا" التي قالتها حماس، فغيرها قالها، ولكنّ الهجوم هو المقصود منه حركة حماس.