تأجيل انتخابات التشريعيّ: الانقلاب "الأسود"

 

 

 

 

بقلم : عبد الرحمن فرحانة

 

أصدر رئيس السلطة الفلسطينية، أبو مازن، اليوم السبت، قراراً بتأجيل انتخابات المجلس التشريعي التي كانت مقرّرة في السابع عشر من تموز المقبل؛ بحجّة استكمال الإجراءات القانونية اللازمة، والمشاورات الوطنية في هذا الصدد. وجاء ذلك مباشرةً بعد عودته من واشنطن؛ وأثناء اجتماعات المجلس الثوري لـ"فتح" في رام الله.

 

والسؤال الطبيعي المستتبع؛ لماذا جاء هذا القرار؟

 

وبأفقٍ أوسع؛ ما هو المقترب الموضوعي الذي أنتج هذا القرار "الانقلابيّ" المتوقّع؟

 

في القراءة الأولية للمشهد الفلسطيني يدرك المراقب أن الحالة الفلسطينية مبتلاة عن سواها من الحالات العربية بدرجة استجابة أعلى بالمؤثرات الدولية والإقليمية؛ ناهيك عن الظروف الفلسطينيّة المحلية المُعقّدة التي يقع في قلبها موقف "فتح" التي ما زالت تنام على وسادة حلم "الفصيل القائد" وتمانع دون مغادرتها؛ مضافاً إلى ذلك العامل "الإسرائيليّ"؛ باعتبار الحالة الفلسطينية تقع في قلب الاحتلال جغرافيّاً، بمعنى أنّ "القرار الفلسطيني الرسميّ" محتلٌّ بصيغة ما. والعامل الأخير مؤثّر ويحيط بالقرار الفلسطيني ويحرِمُه حتى من نكهة الاستقلال. وجملة هذه المؤثّرات بوتائر متباينة تشكّل وقود الفرن الذي ينتج القرار الفلسطينيّ، والقرار المتناول لا يخرج عن هذا الإطار.

 

وبتناولٍ آخر: ماذا يعني القرار؟

 

يدرك الرجل العادي قبل المراقب أنّه يتضمّن حزمة من المعاني:

 

- القرار بدائرته القريبة يعني استجابةً للفئة الانقلابية داخل "فتح"؛ وهو التيار الذي ظلّ يدعو للتأجيل منذ البداية؛ ويرفض التساوق مع قواعد المعادلة التي أفرزتها انتفاضة الأقصى؛ التي تؤكّد ضرورة التشارك ومغادرة حالة الاستفراد التي أسرت القرار الفلسطينيّ، ودمّرت الحياة السياسية الفلسطينية. وفي ذات السياق يحمل القرار دلالة نجاحٍ لالتحام موقف التيار الانقلابيّ مع البعدين الدولي والإقليمي المطالبين بالتأجيل؛ إذْ شكّلت المطالبات الدولية والإقليمية تجاه التأجيل كضوءٍ أخضر لهذا التيار.

 

- وهو يعني هروبٌ "فتحاويّ" من استحقاقاتٍ قد تفرضها نتائج التشريعيّ تتعلّق بمكانة حركة "فتح" وبرنامجها القائم على التسوية؛ إذْ أنّ القراءة الفاحصة لنتائج الانتخابات البلدية تشير لفرصٍ واسعة لفوز حماس بنسبٍ ستؤثّر على مكانة "فتح" في النظام السياسيّ الفلسطينيّ؛ وبالتالي على برنامج التسوية الذي يشكّل أساس القاعدة التي تتلاقى فيها "فتح" مع الأطراف الدولية والإقليمية؛ بمعنى أنّ فوز حماس من هذا المنظور يشكّل خطراً لقواعد اللعبة القائمة وهي رحم البقاء لحركة "فتح".

 

- شكّل المشهد الفلسطينيّ بوضعه الحالي؛ وفي قلبه حماس بسلاحها وأدائها السياسيّ ونتائج الانتخابات البلدية التي عملت كمعايير قياس قوة رسّمت مكانتها بشكّلٍ لا يقبل الجدل، وحدّدت حيّزها بمساحةٍ واسعة في الخارطة السياسية الفلسطينية، كلّ ذلك؛ جاء عكس الصورة التي كانت متخيّلة في ذهن من رغبوا في مشاركة حماس، وعلى ضوء ذلك ربما أخذوا بالشروع للبحث عن خياراتٍ أخرى. فالطرف الصهيونيّ كان يأمل أنْ ينسحب بهدوءٍ من غزة على أنْ تتسلّمها السلطة وفق معادلة أوسلو القديمة؛ ولأنّ ذلك غير متاحٍ في الوقت الراهن؛ فأصبح حتى ما يسمّى بخطة الانسحاب الأحادي من غزة في علم الغيب، بل إنّ الأجهزة الأمنية الصهيونية تتحدّث حالياً عن خيارات عسكرية تجاه حماس بغزة في ظلّ فشل شارون في خلق حالة تصادمٍ بين السلطة وقوى المقاومة.

 

- "فتح" لم تَعُدْ تطيق رؤية البساط يُطوى من تحت قدميها؛ وترفض استمرار التفاعل السياسيّ الجاري الذي سينتج معادلةً تكون فيها أحد الأطراف؛ وليست الفصيل المتفرد، وأولى خطوات الانقلاب كانت برفض نتائج الانتخابات البلدية للمرحلة الثانية في غزة، وما إجراءات القضاء القسرية سوى أداة ممانعة أولية لإيقاف هذا التفاعل؛ ستتبعها خطوات؛ وربما جاءت خطوة التأجيل في هذا السياق، والأفق مفتوحٌ أمام هذه الخيارات التي يمكن أنْ تصل حتى إلغاء انتخابات التشريعي ما دام الضوء الأخضر مضاء في واشنطن وتل أبيب.

 

- العامل الأمريكي يقف بوضوحٍ خلف هذا القرار؛ فالحسابات الأمريكيّة لا يمكنها أنْ تستوعب قوةً سياسية فلسطينية تترسّم في الميدان الفلسطيني وفي يدها بندقية المقاومة؛ إذْ أنّ الإستراتيجية السياسية الصيو-أمريكية تقوم أساساً على قاعدة "وجود فلسطيني منزوع الشوكة"؛ قابل للتشكّل وفق عوامل الضغط والطرق.

 

ومع ذلك فإنّ هذا الانقلاب "الأسود" الفلسطينيّ؛ الذي يشكّل تمريناً حياً على نماذج الانقلابات العربية بشتى أصنافها؛ لن يغيّر من الواقع الفلسطيني شيئاً، لأنّ المعادلة الفلسطينية الجديدة سوف تتشكّل في كلّ الظروف؛ وستنتج في نهاية المطاف خارطة قوى جديدة؛ برغم المحاولات القسرية لإيقاف عملية التفاعل الجارية. وكما قال الصحافي الصهيونيّ "داني روبنشتاين" في "هآرتس"، فإنّ الانتخابات سواءً جرت في موعدها أو تأجّلت فإنّ ذلك لن يغيّر من النتيجة النهائيّة شيئاً.