واقع التوطين الفلسطيني ورومانتيكية العودة!
بقلم: طارق مصاروة
أوضاع الفلسطينيين
الآن، في العراق ليست مصادفة أملتها ظروف الفوضى الأمنية
بعد الاحتلال. فما يجري للفلسطينيين هو تجربة قابلة
للتعميم في بلدان الشتات العربية! وجس نبض لنوعية التلقي العربي (والدولي) لها. ومن المفجع أن أحداً في الوطن العربي لم يلتفت للتجربة المرّة
سواء في شارع حيفا، أو على الحدود الأردنية - العراقية.
مثلما أن المفجع أكثر
نجاح جس النبض إلى أبعد الحدود.. حتى
إن منظمة التحرير الفلسطينية ذاتها لم تجد نفسها معنية بهذا الطرد الجماعي من شارع
حيفا، ومن بيوت الفلسطينيين في بغداد.. وبهذا الترحيل
القاسي لآلاف الناس، من دون أن يكونوا قد اقترفوا ذنباً حقيقياً يمكن أن يربطهم
بالنظام السابق!
في الأردن، وفي لبنان
حيث يكبر المشكل الديمغرافي، نسمع بلغة رسمية حاسمة رفض
التوطين.. حتى في بلد يحمل الفلسطيني جنسيته. ولكن علينا
أن نفهم هذه اللغة بأكثر من معنى. فالوجود الفلسطيني في أرض
الشتات هو حقيقة تجاوز عمرها نصف القرن. وهناك أجيال لم تر فلسطين وإن كانت تنتمي إليها. ومن يزور جمعية رام الله في سان
فرانسيسكو بالولايات المتحدة يُدهش لهذه الأعداد الهائلة من الشباب الفلسطيني الذي
خرج من فلسطين بحثاً عن حياة أكثر أمناً واستقراراً، وأهنأ عيشاً.
ولا تجد هذه الأجيال الجديدة، سواء تلك التي لم
تكتحل عيونها برؤية الوطن، أم تلك التي خرجت من الوطن أي تناقض في انتمائها الوطني..
ربما لأن زمن التشرُّد الطويل وصعوبة الانزراع في الوطن
في ظل الاحتلال أعطيا لمفهوم الهوية معاني مختلفة. فقد سمعنا أيام بيروت كلاماً
شاعرياً جميلاً مثل: هوية الفلسطيني بندقيته. لكننا عدنا
بعد اتفاقيات أوسلو إلى التركيز على الفلسطيني في «أرض السلطة الوطنية»!
إن الفلسطيني الآن في
الضفة الغربية وغزة والجليل والمثلث والنقب (أربعة
ملايين) له هوية محددة وقائمة هي الهوية الفلسطينية.. سواء أكان
مواطناً إسرائيلياً أو مواطن السلطة الوطنية. وهو لا
يحتاج إلى الوضع التفاوضي النهائي، مهما كانت الظروف لأنه يعيش على أرضه! أما الفلسطيني في الأردن فإن مشكلته - رغم حمله الجنسية
الأردنية - لا حل حقيقي لها إلا بعد إقامة الدولة الفلسطينية بحيث يستطيع الاختيار
بين العودة إلى وطنه وبين البقاء في الأردن. والعودة هنا لا تعني أبداً العودة إلى
بيته في يافا أو حيفا أو اللد أو بئر السبع. وهنا علينا أن نفهم الاختلاف بين الفلسطيني في الأردن أو
الفلسطيني في أي مكان آخر في الوطن العربي.
لقد أثار الملك عبدالله أمام اجتماع مع أعضاء في مجلس الأعيان قضية التوطين،
فأعلن رفضه الحاسم لها، مع أن تركيز النظام في عهد الملك حسين أو عبدالله الثاني كان الهوية الوطنية للذين يعيشون على أرض الأردن،
من «شتى الأصول والمنابت». وقد وجد الملك أن عليه الرد
المباشر على اللغط الذي يدور هذه الأيام عن عملية بيع لوثائق اللاجئين لجهات غير
معروفة أو أنها معروفة لكنها غير محددة. وعن ارتفاع
أسعار الأراضي بشكل غير عادي في العاصمة عَمّان وما حولها أو حتى في البادية
الشرقية. وجنون بناء الشقق السكنية. وإذا كان المال
العربي قد ساهم في ارتفاع الأسعار بالشركات العقارية التي تعلن عن استثمارات
عقارية بالمليارات من الدولارات، فإن اللغط السياسي حاول، من جهته، تفسير ارتفاع
الأسعار في العقار، كما في سوق عَمّان المالي.
وفي لبنان، نسمع الآن صوتاً أكثر خفوتاً عن رفض
توطين الفلسطينيين في لبنان. ويتردد الآن أن «الحل اللبناني» حسب قرار مجلس الأمن
رقم 1559 يبدأ بثلاثة مؤثرات خارجية على الداخل اللبناني: خروج القوات السورية
وأجهزتها الأمنية، وعدم التدخل بالشؤون اللبنانية. ثم نزع سلاح الفلسطينيين وجعل
حياتهم أقل تعاسة بالإفراج عن قوائم منعهم من العمل خارج المخيمات. ونزع سلاح حزب الله، ومرابطة الجيش اللبناني على الخط الأزرق
الذي رسمته الأمم المتحدة بعد الانسحاب الإسرائيلي.
ومن «الحل اللبناني» الخاص بالفلسطينيين،
فالظاهر أن كندا ونيوزيلندا وحتى استراليا لا تزال متحمسة لاستيعاب نصف اللاجئين
في لبنان - 175 ألفاً - أما النصف الثاني فإن جزءاً رئيسياً تم حلّه منذ أكثر من
أربعين عاماً. فقد تم منح المسيحيين من الفلسطينيين هويات لبنانية وخرجوا من
المخيمات. أما الباقي فالسنة لا ترفض توطينهم، حيث هم ويمانع الموارنة، ولا يمانع الأرثوذوكس والدروز.
أما حزب الله ومنظمة أمل فإن المخيمات
الفلسطينية في الجنوب، وفي الضاحية الشرقية ليست سعيدة بوجودها في وسط الكثافة
الشعبية. خاصة أن «أمل» دخلت بأقسى حرب على المخيمات بعد حرب الموارنة والاقتحام
الإسرائيلي عام 1982!
بدأنا بالإشارة إلى فلسطينيي العراق ومأساتهم التي لا يريد أحد التعامل معها. وحاولنا فهم أوضاعهم في الأردن وفلسطين، وفي كل الأحوال فإن حل
«المشكل الفلسطيني» يعني حل مشكلة الفلسطينيين في الوطن أو في الشتات. فإنه لا
يمكن أن يتم إلا بإقامة دولتهم على أي جزء من الوطن، وضمن أية صيغة من الصيغ
الاستقلالية. ومن دون النظر إلى الخطوط الخضر أو الحمر
للحدود مع جيران دولة فلسطين.
لقد أدرك
الفلسطينيون، منذ سلام كامب ديفيد مع مصر، أن انتظارهم
للعرب غير مجد إطلاقاً. وإذا كانوا ابتدأوا بمشروع
القرار المستقل والنضال المسلح، فإنهم وصلوا في العقد الأخير من القرن العشرين
وبعد كارثة حرب الخليج أن عليهم القبول بالحلول السياسية المتاحة. وإذا تعثرت الحلول بسبب «حق العودة» وقضية اللاجئين، فإن
السنوات الأخيرة نقلت عن قياداتهم، نوعاً من القبول بإبقاء قضية اللاجئين معلقة إذا
كانوا سيحصلون على مواطئ قدم في القدس.
وقد سمعنا من الرئيس الراحل عرفات كلاماً بأن
الفلسطينيين لن يعودوا كلهم.. وأن أعداداً قليلة قد
تعود، وهو كلام مغمغم قد تكون أملته سنوات الحصار، أو التغيرات الدولية السلبية.. لكن
الكلام وارد.. وضمن المفاوضات التي يسميها الطرف الإسرائيلي بالمساومات. فلا يوجد
في اللغة العبرية إلا تعبير: مساومتين!