الثأر للشرف الوطني فرض عين علي نساء مصر ورجالها

 

 

 

بقلم : محمد عبدالحكم دياب

 

نظام الرئيس حسني مبارك، الذي سقط وانتهت صلاحيته، يعمل علي استرداد عافيته ونفوذه، مرة أخري. وفق منطق يائس يستخدم ويقامر بكل الأسلحة الباقية تحت تصرفه، بعد أن ذهب غطاء الشرعية عنها، وكانت شرعية مزيفة، صنعها استبداد الحكم، والزواج بين المال والسياسة، والسادية التي حكمت التصرفات الأمنية، وأحدثت رعبا وخوفا.. سند التزوير واعتمد عليه ترزية القوانين ، في تبرير ما اقترفوه. ولم ييق أمام الرئيس حسني مبارك إلا أسلحة الاغتيال المعنوي بعد أن عجز الاغتيال المادي للخصوم والمعارضين عن وقف عملية الرفض الكاسحة له. وبعد أن طال القتل المادي كثيرا من المصريين العاديين، انتقلت الدولة الفاشية، من مرحلة الإرغام، عن طريق التعذيب الوحشي المفضي إلي الموت، في أقسام ومراكز الأمن والشرطة. انتقلت من طور القتل والتعذيب البدني للمواطن، إلي الاغتيال المعنوي للوطن، في محاولة يائسة للحد من اتساع حركة الرفض المصرية لكامل عائلة الرئيس ، ووصول هذه الحركة إلي ذروتها، بحيث أصبح من الصعب استثناء أحد من الإنتماء إليها أو عدم التعاطف معها، وسيطرت علي الرئيس مبارك فكرة العقاب الجماعي، التي يجيدها، بعد أن اطمأن إلي التأييد الأمريكي، ولأن الاغتيال المعنوي هو أشد أنواع القتل، كان هو الأساس في وضع خطة اغتيال الوطن، وسجل التاريخ يوم الأربعاء قبل الماضي يوم اغتيال مصر.. وهو أكبر عار لحق بنظام أو حاكم أو عائلة حاكمة ، في هذا اليوم تحولت تعليمات الرئيس حسني مبارك إلي بيان عملي ، لعملية الاغتيال.ppp

كلنا يعلم ما ترمز إليه المرأة في الوجدان العربي، فهي الأم والوطن، وهي الحبيبة والصدر الحنون، الذي يحتضن الأبناء والأحبة في السراء والضراء، والمصريون لا يقولون، أن مصر أم الدنيا هباء، وذلك من فرط محبتهم لها، وذوبهم عشقا فيها، وهم بذلك يؤكدون ما ترسخ في الوجدان العربي، علي مدي قرون. ولم يجرؤ أحد، لا من الغزاة ولا من المحتلين علي اقتراف جريمة بهذا المستوي من البشاعة، هتك عرض أم الدنيا ، في وضع النهار، وتحت أعين وحماية جلادي مبارك وسفاحيه ونفايات نظامه. اعتدوا عليها وهتكوا عرضها عندما افترسوا فتيات ونساء، لم يكنّ سوي مدافعات عن كرامة وعزة أم الدنيا ، أو مؤديات لعمل صحافي أو إعلامي، وإما مشاركات في دورة للغة الانكليزية، اقامتها نقابة الصحافيين لأعضائها، لم تكن بينهن سمسارة أو داعرة أو نشالة، ولسن من إرباب السوابق، كن صورة صادقة للوطن المكافح الصابر. وتحت حماية الأمن ورجال السلطة وعصابة الحكم، تمت عملية العدوان والانتهاك، وبذلك تحول الرفض السياسي لنظام حسني مبارك إلي ثأر وطني، لا يغسل فيه العار، الذي لحق بالجميع، إلا بنفاذه. وجرح بهذا العمق جعل الثأر الوطني فرض عين في رقبة كل مواطن ومواطنة.

اتسع ميدان المعركة لتكون باتساع مصر كلها، من أقصاها إلي أقصاها. ومبارك وهو يطلق غول العنف الاجتماعي والأخلاقي في مصر من عقاله، إنما يسحب البساط من تحت أقدام الجماعات السياسية الوطنية والدينية المسالمة، لتصب مياه هذا العنف في مجري القوي الشابة اليائسة، غير القابلة بجدوي المسالمة، والمنطقة العربية تعج بأيديولوجيات تبحث عن فرصتها في استقطاب هؤلاء اليائسين لترد الصاع صاعين لمنتهكي الأعراض والطواغيت. ومنطق الرئيس حسني مبارك، يتطابق مع منطق الصهاينة في موقفهم من الفلسطينيين، فالفلسطيني الطيب، من وجهة النظر الصهيونية، هو الفلسطيني الميت، وهكذا ينظر الرئيس حسني مبارك، فالمصري الصالح، لديه، هو المصري الميت.

إنه يريد مصريا لا يتناسل، فزيادة السكان تمثل مشكلة، ويريده ألا يأكل، لأنه حيجيب له منين ، بعد أن جعله من عبيد إحساناته، وعليه ألا يتعلم، فالتعليم أصبح حكرا علي أبناء الأغنياء واللصوص والحكام. وعليه ألا يمرض فالموت أيسر وأرخص من طلب العلاج، وهو بذلك يخفف من الكثافة السكانية، التي يشكو منها ليل نهار. ولا يجب أن يشارك في الحكم وتقرير مصير بلده، لأنه لم ينضج بعد، فالعمل السياسي صار حكرا علي عائلة الرئيس . وليس من حقه العمل، فهو ليس لائقا اجتماعيا بين اللصوص، الذين يحددون نوع العمل، حتي نظافة الشوارع وكنسها أسندت للأجانب، والوراثة، هي الأخري، ضيقت الفرص لتكون علي حجم الورثة. وليس للمصري الحق في وسيلة مواصلات عامة، نظيفة ومريحة، فأزمة المواصلات هي الباب الذهبي لـ مافيا الحافلات الصغيرة الميكروباص وأباطرتها، من أمناء وضباط شرطة، استولوا علي سيارات قديمة، خردة غير صالحة للاستخدام، وسلموها لمجرمين وأرباب سوابق وخريجي سجون وإحداثيات، فحولوها إلي نعوش طائرة، تجاوزت في عدد الضحايا ما سقط في كل الحروب التي دخلتها مصر، يريده غير طامح أو طامع في مسكن، فمصر أصبحت عزبة الحكام اللصوص. والحاكم اللص عندما يتحكم يتدني بمستوي المواطن، يفقر أبناءه ويذلهم، فالفقير والذليل، في منطق الحكام اللصوص ليس من بني البشر، وليس أمامه إلا مكان من ثلاثة: إما الاحتماء بالمقابر، أو المأوي في حزام العشوائيات المحيط بالمدن، أو الاستسلام لخيام إيواء لا تصلح للحيوانات، وأما إذا كان من المعدمين عليه افتراش الشوارع والأرصفة، بينما تشيد القصور والحصون والقلاع للحكام واللصوص، ومنها قلعة أهداها أحد هؤلاء للرئيس حسني مبارك، علي طريق مصر ـ الاسماعيلية، ويتولي الإشراف علي تشييدها لص يتخفي في لباس مسؤول سياسي كبير.. يتفاخر بأنه يعيش في خمسة قصور تليق بمكانته ومنصبه.

وفي الخارج بدأت تتكشف أمامنا صورة أخري، ترسمها أموال، تقدر بمئات الملايين من الدولارات، خرجت من مصر، في الأسابيع الأخيرة، صورة أعطت المراقبين مؤشرا عما أسموه ترتيبات تجري لتأمين عائلة الرئيس وحاشيتها في الخارج، إذا ما حانت لحظة الرحيل، ولفتت مصادر بريطانية الأنظار إلي نشاط محموم لعدد من رجال مصارف مصريين يتولون إخراج الأموال بالسرعة القصوي، بعد تداول تقارير تقول بأن أيام الرئيس مبارك في الحكم أصبحت معدودة، وهذا يضع عبئا علي عاتق القوي الوطنية والإسلامية، الرافضة للحكم، تفضح، من خلاله، وتعري هؤلاء المصرفيين، وتكشف مخاطر ما يقومون به علي الاقتصاد المصري، ودعوة العاملين في المصارف إلي وقفة وطنية وإنسانية وأخلاقية لكشف التحويلات وعمليات النهب والتهريب التي تمت، وأشرف عليها عدد من كبار المصرفيين، مع ضوء أخضر من وزارة المالية، والمطالبة بمحاسبة هؤلاء، ووضع قوائم سوداء تضمهم مع الذين أفسدوا الحياة السياسية ونهبوا المنشآت الاقتصادية والانتاجية.

وهذا ينقلنا إلي نقطة نراها هامة في هذه المرحلة، فعملية نهب ما تبقي من ثروة وطنية، تقتضي الالتفات إلي ما جري من تغييرات، نقلت سلطة القرار بالكامل إلي يد الرئيس الموازي ، جمال مبارك، ولم يبق من الأب إلا الواجهة، تتخفي وراءها ترتيبات التجديد والتوريث أو الرحيل، وقد يختفي أثناءها رئيس الدولة، بفعل تداعيات أحداث يوم 25 أيار (مايو) الماضي. فمنطق الثأر، الذي ما زال من عادات المصريين في الصعيد، لا يرضي إلا بالرأس الأكبر والأكثر مكانة، ولا يتم العفو عن الجاني إلا بحضوره صاغرا، حاملا كفنه طلبا للعفو، وقد يحدث الاختفاء علي طريقة إنقلابات القصور، قد يلجأ إليها البعض تمكينا لـ الرئيس الموازي ، المتعجل في تقلد المنصب الرفيع، وهو ينال تشجيعا غير محدود من والدته!!.

ويأتي هذا الوضع في ظل ظروف يعتبرها البعض مواتية لقوي من داخل النظام للتخلص من الرئيس، تتمثل هذه الظروف في مشكلات حادة يعاني منها جهاز مباحث أمن الدولة، اليد الباطشة للرئيس، فمنذ مدة ومع وصول اللواء صلاح سلامة إلي قمة هذا الجهاز، مع تعيين حبيب العادلي وزيرا للداخلية، بعد أحداث الأقصر، قام صلاح سلامة بإزاحة الجيلين الأول والثاني من علي القمة، ليتمكن من بسط سيطرته علي جهاز أمن الدولة، يضمن الإمساك بمفاتيح الأمن السياسي، وأحدث بذلك تصدعا شديدا في بنيان جهاز أمن الدولة، فبإبعاد الخبرات الكبيرة. اعتمد علي أبناء ذوي النفوذ، الذين دخلوا عن طريق الوساطة أو الوراثة، طمعا في امتيازات أو حماية لأسر، لها باع طويل في مجالات المال والأعمال، وبعضهم أباطرة في أنشطة غير شرعية، وقدرات هؤلاء الضباط المهنية المحدودة، زادت من جرعات التعذيب علي كل مستويات العمل الأمني في مصر.

ثم أن دور المليشيات التابعة لـ عائلة الرئيس زاد من تفاقم الوضع الأمني ولم يخفف منه، وأصبح حبيب العادلي في وضع صعب، بسبب المساحة الضيقة التي وجد نفسه فيها، ووقوعه بين أكثر من رحي، الأولي رحي رجاله القلقين من الضعف الذي يعيشه جهاز أمن الدولة وغياب كفاءاته، وعدم وجود حل سريع لأزمته، ثم رحي صلاح سلامة، محافظ كفر الشيخ حاليا، الذي يستعد للعودة وزيرا للداخلية، وتبدو الظروف في غير صالح الوزير الحالي، فقد يكون كبش الفداء، بتحميله مسؤولية ما جري يوم الأربعاء قبل الماضي، وإقالته في محاولة لامتصاص غضب الشارع المصري، وهذا يضعف اليد الباطشة للرئيس حسني مبارك.

ويبقي احتمال الاختفاء المفاجئ للرئيس، طوعا أو كرها، ليفرض علي القوي الوطنية، خاصة حركة كفاية وأنصارها، أن تنبه إلي المخاطر التي قد تترتب علي هذا الاختفاء. وتدعو إلي سرعة قيام جبهة وطنية، مستعدة لمواجهة الاحتمالات، وتضع في حسابها سرعة تشكيل حكومة ظل ، لملء الفراغ الرئاسي والإداري المتوقع.. تتولي إدارة الدولة، وتوزع المسئولياتت فيما بينها، لمواجهة أعباء الفترة الانتقالية، التي تحتاجها البلاد لوضع قواعد النظام الجديد وحكومة الظل هذه تقطع الطريق علي أطراف تسعي لإقناع الإدارة الأمريكية بتشكيل حكومة منفي، تفرض بقوة النفوذ الأمريكي، العسكري والمالي والسياسي، وتشكيل حكومة ظل من قوي وطنية في الداخل، هو بالقطع أكثر جدوي من حكومة يتم استيرادها من الخارج.!!