دروس سلفادورية للحكام العرب

 

 

 

بقلم :زهير اندراوس

 

افتعلت الحكومة الاسرائيلية هذا الاسبوع ازمة ديبلوماسية مع دولة السلفادور في امريكا الجنوبية، واعلن وزير الخارجية، سيلفان شالوم، ان سفير تل ابيب في العاصمة سان سلفادور لن يعود الى مقره، حتى تخضع هذه الدولة "المارقة" للاملاءات الاسرائيلية النابعة من العنجهية ليس الا. السلفادور هي دولة فقيرة عانت الامرين من الحرب الاهلية حتى باتت تعتبر من جمهوريات الموز، وبالمناسبة فان تعبير جمهورية الموز في العلاقات الدولية يقصد به أنها دولة لا سيادة لها أو ضعيفة أو غير ديموقراطية أو ينتشر فيها الفساد او هذه العوامل مجتمعة. والسلفادور هي من اصدقاء اسرائيل بدليل ان سفارتها، خلافا لجميع الدول، بما فيها الولايات المتحدة الامريكية، اكبر حليفة لاسرائيل، تتواجد في القدس الغربية، وليس في تل ابيب. ولكن الصلف الاسرائيلي وصل الى القمة في الازمة المفتعلة مع السلفادور. وتعود خلفية هذا الخلاف الى قرار اتخذته بلدية العاصمة مؤخرا باطلاق اسم الرئيس الفلسطيني الراحل، ياسر عرفات، على ساحة عامة فيها، الامر الذي لم تفعله حظائر سايكس بيكو (الدول العربية). هذا القرار اثار حفيظة الخارجية الاسرائيلية التي اعلنت الحرب الشعواء على هذه الدولة لانها قررت تخليد اسم الراحل عرفات، تخيلوا ماذا كان سيحدث لو ان السلفادور او اية دولة اخرى كانت ستحتج على قيام اسرائيل، الدولة "الديمقراطية المتنورة الوحيدة في الشرق الاوسط" بالاحتجاج على اقامة نصب تذكاري في مستوطنة كريات اربع الكولونيالية على اسم السفاح باروخ غولدشتاين، منفذ مجزرة الحرم الابراهيمي الشريف، وقتل المصلين في المسجد بدم بارد، هذا النصب الذي تحول الى محج لسوائب المستوطنين واليمين المتطرف، في ظل صمت مريب من الحكومة الاسرائيلية. لو فعلا سمعنا عن احتجاج من هذا القبيل لكانت اسرائيل اقامت الدنيا ولم تقعدها وادعت كعادتها ان هذا الاحتجاج هو تدخل سافر في امور داخلية اسرائيلية وان دوافعه لا سامية.

وهاكم مثالا آخر: سيريلانكا ليست دولة اسلامية، ولا هي عربية، وواجهت مؤخرا كارثة انسانية وبيئية ادت الى مقتل عشرات الالوف من ابنائها غرقا، بفعل الزلزال البحري (تسونامي) وتبعاته، علاوة على تدمير بناها التحتية، وخسارة مليارات من الدولارات، ومع ذلك رفضت السماح لاعضاء وفد اسرائيلي بالدخول الي اراضيها لتقديم المساعدة الطبية والمالية لضحايا الزلزال.الحكومة السيرلانكية المنتخبة، في انتخابات نزيهة حرة وفي ظل تعددية حزبية راسخة لم تدع في اي يوم من الايام انها حكومة ثورية، ولم ترفع لواء المعارضة للولايات المتحدة ومشاريعها التدميرية في العالم، ولكنها ترفض استقبال وفد اسرائيلي يدعي الحرص الانساني، بينما حكومته تواصل احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة وتقتل الفلسطينيين.

وعود على بدء: ما من شك بان الرئيس الراحل ياسر عرفات كان وما زال وعلى ما يبدو سيبقى يقض مضاجع الاسرائيليين حتى بعد انتقاله الى جوار ربه. وهذا هو السبب الذي يرفع الصلف الاسرائيلي الى اعلى درجاته. مجلس بلدي في دولة اجنبية يتخذ قرارا لا يروق لاسرائيل، فيتعرض هو ودولته الى حملة شعواء وكأنه ارتكب فعلة نكراء تندرج في خانة الجريمة والعقاب. المهم في الامر ان السلفادور حكومة وشعبا قررت تحدي اسرائيل والتصدي لوقاحتها التي فاقت كل التصورات، والتهديد الاسرائيلي بعدم اعادة السفير الى العاصمة سان سلفادور لم يدفع الحكومة السلفادورية الى قمع المجلس البلدي وزج اعضائه في السجون واجباره على تغيير القرار "المشين"، لان هذا المجلس انتخب بانتخابات ديمقراطية ويتمتع بصلاحيات واسعة، ولم يعين الاعضاء فيه حسب التوزيعة العشائرية او الحمائلية او العائلية، ولم يتنخب اعضاؤه في استفتاء نتائجه معروفة سلفا، كما هو الحال في المحميات الطبيعية وغير الطبيعية الامريكية في الشرق الاوسط (الدول والمشيخات والمملكات العربية من المحيط الى الخليج).

التحدي السلفادوري لاسرائيل يتزامن مع الهرولة العربية للتطبيع مع اسرائيل، ومن المفارقات العجيبة الغريبة ان نظام الرئيس المصري حسني مبارك، منع الكاتب علي سالم من الدخول الى اسرائيل لكي يتسلم شهادة الدكتوراة الفخرية من جامعة بئر السبع. ومع اننا نرفض توجهات السيد سالم ولهاثه للتطبيع مع اسرائيل، الا انه يحق لنا ان نوجه سؤالا الى السيد الرئيس مبارك: نظامكم يا فخامة الرئيس هو الذي وقع على السلام مع اسرائيل وليس علي سالم، نظامكم هو الذي اعاد سفيركم الى اسرائيل وليس علي سالم ومن على شاكلته، فاذا كانت مصر مطبعة مع اسرائيل وتساعدها على اختراق العالم العربي، فبأي حق تمنعون كاتبا مصريا ان يدخل الى اسرائيل؟

ليس هذا فحسب، فعناصر الموساد الاسرائيلي (الاستخبارات الخارجية) تغلغلت في المناطق الكردية من العراق الذي يقع تحت الاحتلال الامبريالي الذي يقوده مجرم الحرب، جورج دبليو بوش، ودمية الاحتلال، "الرئيس البطل"، جلال الطالباني، يتبادل الرسائل مع رئيس الوزراء الاسرائيلي، ارئيل شارون، الذي صرح مؤخرا بان علاقة الدولة العبرية مع الاكراد في العراق وطيدة للغاية. علاوة على ذلك فان عملاء الامبريالية المكشرة عن انيابها يسمحون للاسرائيليين بتصدير منتوجاتهم الى العراق والشركات العبرية تتخذ من بغداد الرشيد مقرات لها. ولا نستبعد البتة ان تقوم حفنة العملاء في العراق بابرام السلام مع الدولة العبرية، بايعاز من قائدة الارهاب العالمي، السيدة امريكا. المهم في الامر من وجهة النظر الاسرائيلية تفتيت ما تبقى من لحمة لدى الامة العربية، ولكن نحن على ثقة بان المقاومة العراقية الباسلة ستعرف كيف تتصدى لهذا النهج السلامي الاستسلامي، الذي نصب رموزه في مناصبهم لتمرير مخططات اليمين المسيحي المحافظ في امريكا والمخططات الصهيونية المبيتة والخبيثة.

السفادور ليست دولة عربية ولكن تحديها لاسرائيل يدفعنا لان نقترح على الحكام والملوك والسلاطين والمشايخ العرب وايضا عملاء الاحتلال في العراق ان يتعلموا شيئا من هذا الموقف، لانه موقف مشرف لدولة تحترم نفسها وشعبها، وليس عارا ان تقوم جامعة الدول العربية بدعوة اعضاء المجلس البلدي في العاصمة السلفادورية لاعطاء دروس تاهيل في الكرامة والعزة والكبرياء والانتماء لحكام الامة العربية. والمأساة انك كلما قررت سبر غور هذه الظاهرة العجيبة الغريبة فان منسوب الاكتئاب يرتفع. اذن، فلنتوقف هنا.

* رئيس تحرير صحيفة "كل العرب" - الناصرة