مهام مصيرية امام مجلس النواب اللبناني القادم

 

 

بقلم : علي حسين باكير

 

لم نعد بحاجة إلى الانتظار لمعرفة معالم البرلمان اللبناني الجديد الذي سيأتي كمحصلة لنتائج الانتخابات النيابية اللبنانية التي بدأت في 29 مايو الماضي، وستنتهي في 19 يونيو الجاري؛ فنتائج الانتخابات عرفت وحسمت في معظمها حتى قبل خوض الانتخابات، وتشير جميع المعطيات إلى أن مقاعد البرلمان الجديد ستكون مقسمة إلى ثلاثة أثلاث: ثلث يحصل عليه تحالف الحريري وجنبلاط، وثلث يحصل عليه تحالف حزب الله وحركة أمل، والثلث الأخير يحصل عليه المسيحيون بمختلف انتماءاتهم وتشعباتهم.

وعلى الرغم من أن النتائج باتت شبه معروفة فإن هناك تطاحنًا كبيرًا وخفيًّا، يسعى من خلاله كل فريق إلى تعزيز موقعه في الخريطة السياسية اللبنانية الجديدة، على اعتبار أن المجلس النيابي اللبناني الجديد قد يغير وجه لبنان وسياساته، لا سيما باتجاه استحقاقات كبيرة وصعبة قد لا تخلو من صدامات داخلية لبنانية لبنانية؛ نتيجة حساسية المواضيع التي سيكون على البرلمان الجديد حلها ومناقشتها.

مصير لحود

أولا: بحث مصير الرئيس اللبناني إميل لحود؛ فالبعض يطالب باستقالته، متهمين إياه بأنه أحد رموز الحقبة السورية، وقد تم التمديد له بشكل غير شرعي كما يدعون، ومن أشد المطالبين باستقالته تيار جنبلاط والحريري. في حين يتحفظ البعض الآخر على استقالته حاليا منعا لأي استغلال سياسي للمسألة بانتظار تشكيل المجلس النيابي الجديد، واضطلاع الأكثرية النيابية بهذه المسألة، فإذا استقال الرئيس لحود طواعية يتم انتخاب رئيس جديد دون أي مشاكل؛ لأنه سيأتي حسب رأي الأغلبية البرلمانية، وإن لم يستقل طواعية فإن مجلس النواب الجديد قد يضع مشروع قانون يقضي برفض دستورية وشرعية تعديل المادة 94 من الدستور، والتي نصت على أن ولاية الرئيس إميل لحود تستمر حتى 23-11-2007، فإذا نال مشروع القانون هذا أكثرية ثلثي أعضاء مجلس النواب يصبح التمديد للرئيس إميل لحود باطلا، ويتم انتخاب رئيس جديد للجمهورية.

ومن المرشح أن يتم التداول آنذاك باسم "غطاس خوري" المدعوم أمريكيا والذي أشارت بعض المصادر إلى أن انسحابه من الانتخابات النيابية كان قرارا أمريكيا لوضعه فيما بعد على لائحة المرشحين للمنصب الرئاسي بعد أن تم تهميش الجنرال العائد من فرنسا حديثا "ميشيل عون"؛ نظرا لمشروعه الإصلاحي والمحاسبي الذي يطالب بمحاسبة الجميع بمن فيهم أولئك الذين يدعون المعارضة (يقصد الحريري وجنبلاط خاصة).

قانون انتخابي جديد

ثانيا: العمل على إيجاد قانون انتخابي جديد يناسب التركيبة اللبنانية الشديدة التعقيد والمتنوعة إلى حد كبير، والتي يصعب معها توحيد الجميع في بوتقة واحدة أو على رأي واحد؛ وهو ما يجعل مسألة إيجاد قانون انتخابي يرضي الجميع ويؤمن التمثيل الصحيح لهم قضية ليست بالهينة، خاصة للمسيحيين الذين يشعرون بتهميش كبير. وهنا فإن الأمر الراجح هو أن القانون الذي سيتم اعتماده يقوم على النظام النسبي أو على أساس الدائرة الفردية وفقاً للنظام الأكثري.

سلاح حزب الله

ثالثا: البت في موضوع سلاح حزب الله أو جناحه العسكري إن صح التعبير، وهو موضوع شائك ومعقد وخطير، خاصة أن الحزب يعتقد أنه قد تم لفلفة الموضوع بالحديث عن سلاحه قبيل الانتخاب لصالح كمين يعد له فيما بعد عند ولادة البرلمان الجديد لتجريده من سلاحه. هذا فيما يعتقد البعض أن الأمريكيين أخطئوا خطأ كبيرًا عندما تركوا سوريا تخرج من لبنان قبل نزعها لسلاح حزب الله؛ فحتى لو رغب اللبنانيون الآن واتفقوا على نزع سلاح حزب الله فلا يوجد من يستطيع أن يفعل ذلك من الفرقاء اللبنانيين.

وفي جميع الحالات فهذا الملف سيكون مرتبطا بالمتغيرات والتطورات الإقليمية والدولية، وهو ليس موضوعا داخليا خالصا كما يحاول البعض أن يقول؛ فهو مربوط بقرار دولي 1559 صادر عن الأمم المتحدة، وقد يستغل بفرض عقوبات على لبنان أو حتى احتلاله لتنفيذ بند نزع سلاح حزب الله إذا أرادت أمريكا ذلك، أو إذا فشل اللبنانيون في نزع سلاحه، وهو ما لن يسمح الحزب بأن يتم دون أن يقول كلمته.

سلاح المنظمات الفلسطينية

رابعا: البحث في سلاح المنظمات الفلسطينية في المخيمات الفلسطينية وفقا لبرنامج توافقي مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس أبو مازن، وهو أيضا موضوع شائك ومتعلق بالقرار الدولي 1559 الذي يشير إلى ضرورة نزع أسلحة المليشيات اللبنانية وغير اللبنانية. وقد يتم اللجوء إلى صفقة تسهل هذا الأمر تقضي بسحب السلاح مقابل تحسين أوضاع اللاجئين الفلسطينيين الاجتماعية والإنسانية والاقتصادية، وبالتالي تسليم السلاح الفلسطيني إلى الدولة. وهذه الإجراءات قد تكون مدخلاً للتوطين في ظل وجود سيناريوهات مختلفة يشير بعضها إلى مشروع توطين يقتصر على 150 ألف لاجئ فقط على أن تمنح للأعداد الباقية هوية السفر إلى أية دولة أوربية أو أمريكية يختارونها، مقابل المساعدة على سداد ديون الدولة اللبنانية أو تجنيس بعض المهاجرين في الخارج من أصول لبنانية وهم في غالبيتهم من المسيحيين؛ وبذلك يعود التوازن من جديد. لكن التوطين مسألة مرفوضة من الجميع بما فيهم الفلسطينيون الذين يشيرون أيضا إلى أن السلاح خفيف ويقتصر على مخيمين في صيدا وصور، وأنه للدفاع الشخصي عن النفس ولا يتعدى ذلك.

تطبيق اتفاق الطائف

خامسا: السعي الحثيث لتطبيق اتفاق الطائف بحذافيره، وخاصة ما يتعلق بتشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية استنادا إلى المادة 59 من الدستور، وإن كانت هذه المادة من أصعب المواد وأكثرها استحالة على التنفيذ؛ نظرا لطبيعة البلد الطائفية، ونظرا لتمسك الجميع بالطائفية، رغم الحديث عن نيتهم إلغاءها، أضف إلى ذلك أنه من المتوقع أن يتم الحديث عن مساعٍ لإنشاء مجلس شيوخ برئاسة شخصية درزية، خاصة أن الدروز كانوا يلحون دائما على تحقيق هذا المطلب؛ بحيث يضم هذا المجلس ممثلين عن كل الطوائف اللبنانية، ويكون له الصفة التقريرية وفقا لما جاء في اتفاق الطائف.

وفي جميع الأحوال فإن المعطيات تشير إلى أنه لا تغيير في الخريطة السياسية اللبنانية بعد الخروج السوري؛ إذ لم تقدم هذه الانتخابات وجوهًا سياسية جديدة ما عدا بعض الاستثناءات التي لا تقدم ولا تؤخر، إلا أن الفارق قد يكون في السياسات المتبعة من قبل مجلس النواب لعام 2005 من حيث الأهمية والمسئوليات والمهمات المصيرية والمفصلية التي قد يواجهها. لذلك فإن القوى السياسية تعير الانتخابات النيابية أهمية بالغة، وتتسابق على إنتاج مجلس نواب تكون فيه الأكثرية لصالح هذه الفئة أو تلك التي قد تتحكم بوضع دعائم الجمهورية الثالثة بعيدًا عن أي وصاية سورية، ولكن بعد استبدال هذه الوصاية الإقليمية بأخرى دولية قوامها باريس وواشنطن كما أصبح واضحا الآن فالعهد القادم هو عهد التدويل، وقد يتفاجأ اللبنانيون فيما بعد بأن الحرية والسيادة والاستقلال قد تكون في يد أمريكا وليست في يد اللبنانيين.