تحنيط الأحياء
بقلم : محمود شنب
يكتسب الماء عذوبته من حركته ،
والماء الراكد يصبح بيئة خصبة لنمو القواقع والطحالب وكل ما هو فاسد ..
يقول الإمام الشافعى :
إنى رأيت وقوف الماء يفســــــــــــــده إن ســاح طاب وإن لم يجرِ لم يطب
والأسد لولا فراق الأرض ما افترسـت والسهـــم لولا فراق القوس لم يصب
والتبر كالتراب ملقى فى
أماكنـــــــــــه والعود
فى أرضـــه نوع من الحطب
فإن تغـــــــــــــــــــرب هذا عز مطلبه وإن تغــــــــــــرب ذاك عز كالذهب
ونحن لدينا حكام برعوا فى
الاحتفاظ بمقاعد الحكم لفترات طويلة والاحتفاظ بحاشيتهم إلى أبد الآبدين ، ولقد
برع المصريون القدماء فى تحنيط الموتى ، وكان لهم فى ذلك باع طويل وعلم عظيم للآن لم تقف البشرية على كل أسراره
، أما فى عصرنا الحديث فقد برع الرئيس مبارك فى تحنيط أعوانه وهم أحياء ، وإن أعفاهم من منصب وهبهم غيره
حتى لو فقدوا القدرة على الحركة أو النطق .. لقد برع مبارك فى
تحنيط الأحياء والإبقاء عليهم عقودًا طويلة فى دائرة
الضوء واعتلاء كل المناصب الهامة فى الدولة ، فبقى كل
مسئول فى موقعه لا يزيحه فساد ولا يقصيه عجز ولا تمنعه
شيخوخة ولا يعجزه ضعف ، فتأخرت البلاد كثيرًا وانتشر فيها الفساد وزادت المظالم
وتعطلت المصالح وسبقتنا كل الدول التى كانت تتعلق
بأهدابنا تعلق الرضيع بأمه ، فأصبحنا نحن الذين نتعلق بأهدابهم طالبين العون
والمساعدة ، وأصبحت البلاد تدار كما تدار الإقطاعيات .. كل مسئول يفعل فى قطاعه ما يشاء دون محاسب أو رقيب .
من عشر سنوات مضت وأنا أنظر إلى فريد سيف النصر وزير العدل
وهو يتحدث وأشعر من شدة ضعفه أنه سيموت قبل أن يكمل حديثه !!
وأنظر إلى مصطفى كمال حلمى
فأجده لا يقوى على القيام أو الجلوس أو الحركة ولولا مكبر الصوت الذى أمامه ما سمع نفسه وما أسمع غيره !!
كيف يقوى هؤلاء القوم على العطاء والنهوض بالبلاد وهم فى حاجة إلى من يأخذ بيدهم ويعبر بهم الطريق ؟!!
بمثلهم انكمشت خدمات الدولة وخصخصت
المصانع وأصبح لزامًا على كل مواطن أن يواجه أزمات بلاده بنفسه وأن يتحسس مخرجًا
ينقذه وأولاده من طوفان الفشل الذى ضرب كل قطاعات
الدولة من أول كوب الماء وحتى مصباح الكهرباء ، بعدما سلطت الدولة كل قطاعاتها على
المواطن لتنهش لحمه وتسحق عظامه وتسلب نومه وتسود أيامه !!
يسافر المصرى إلى الخارج
ليكون نفسه وعندما يعود بعد غربة طويلة قد تصل إلى ربع قرن يجد كل شئ فى بلاده مثلما تركه .. الوزير
وزير والغفير غفير واللص لص والسجان سجان .. لقد تعلم الرجل وعمل وتزوج وأنجب
وأوشك أولاده على التخرج من الجامعة ولم تتغير وجوه أهل
الحكم فى مصر ، فمبارك هو مبارك زعيم أوحد من غير نائب
، وعندما سُئل عن ذلك قال : ( إننى حتى الآن لم أجد فى مصر شخصًا واحدًا يصلح نائبًا لى
وأن السادات كان محظوظـًا عندما وجدنى ) الأسبوع ـ العدد 428 ـ الصفحة الأولى ، ولو كانت المصيبة على قدر مبارك لهان الأمر واعتبرناه
رئيسًا شرفيًا لا دخل له بشئ ، لكنه جمع من حوله كل
أطياف الفساد وأبقى على كل أراذل المجتمع وأمد لهم فى
سنوات الخدمة وبرع فى تحنيطهم وهم أحياء ، فهذا فتحى سرور الذى أضله الله على علم
وجعله مزيفا للواقع وشاهدًا للزور ، وهذا كمال الشاذلى بلطجى الحكومة رأس شيطان وجسد ثور ، وهذا صفوت الشريف صاحب
السماوات المفتوحة وراعى الفسق والفجور ، وهذا يوسف والى الذى
ينعم الآن بإستراحة المحارب الذى
فعل فى مصر ما لم تفعله جيوش الغزاه
، وهذا شيخ الأزهر بذئ اللسان منافق السلطان صاحب رسالة التملق والهوان ، وهؤلاء
هم رؤساء التحرير نافع وسعده وسمير ... يحرفوا الكلم عن مواضعه ويحملوا المباخر
لكل حاكم ... لقد بقى كل شئ فى
مكانه .. لا حِراك .. لا عمل ..
لا عطاء ... إنه الثبات على المبدأ والتفوق على الذات وعلى كل النظريات !!
الشئ الوحيد الذى تغير فى مصر هو أن الرئيس مبارك صار له ولدًا كبيرًا أطول منه
وأبرع منه وأكثر ولاءً للبيت الأبيض .. هذا الولد المرشح لخلافة والده كانت على
صدره الببرونه يوم تولى والده زمام السلطة .. اليوم
أصبح محط أنظار الطامعين فى البقاء على مقاعد الحكم فى مملكة الفساد ، وهذا ما جعل رئيس وزراء مصر المدعو نظيف
لقول : ( إننى أرى سمات الحكم فى
جمال مبارك ) ولمن لا يعلم فإن جمال مبارك هو الذى رشح
نظيف لرئاسة الوزراء ... هذا يُبرد لهذا وهذا يُمهد لهذا ، وكل ذلك من أجل أن تبقى
المياه فى مصارفها واقفة وراكدة ..
من يصدق أن كمال الشاذلى وزير
الحكومة لمجلسى الشعب والشورى عضو فى
هذا المجلس منذ الستينيات ؟!!
لقد عاصر هذا الرجل عبد الناصر والسادات و 24 سنة من حكم
مبارك .. صفق للروس وحارب الأمريكان ثم طرد الروس وانحنى للأمريكان وحارب اليهود
وأقام معهم سلام وصفق للإشتراكية وصفق لبيع القطاع
العام ... هذا العضو الذى يتسافل
به النظام على نواب الشعب تحولت كل أسنانه اللبنيه فى عهد مبارك إلى أنياب حديدية يمزق بها كل دعاة التغيير
والإصلاح فى البلاد ويفسد بصوته الغليظ كل مطالب
الأعضاء .
هذه التوليفة القذرة التى تعد
من أجود أنواع الأدخنة الأمريكية لا تستحى مما وصلت
إليه أحوال البلاد فى كل المجالات ، فنحن بالزراعة لم
نرقى لشئ وبالصناعة لم نرقى لشئ
وبالتعليم لم نرقى لشئ وبالبترول لم نرقى لشئ وبالحروب لم نرقى لشئ وبالسلام
لم نرقى لشئ .... لقد نالت مصر الصفر الكبير فى كل شئ على يد هؤلاء الأقزام ..
حتى فى تنظيم المسابقات ولعب العيال فقد نالت مصر الصفر
الكبير فى المونديال ولم تحصل
على أى صوت من أصوات الأعضاء .. حتى تونس وقطر حرموا
مصر من أصواتهم وجعلوا مصر عارية حتى من ورقة التوت ... لقد صارت مصر التى كانت تحفة العالم ودرته أضحوكة العالم وحسرته بفضل مبارك
وعصابته .
إننا نعيش فى عهد كل الأسماء
فيه معكوسة .. الشريف نجس ، والنظيف قذر ، والسرور كآبه وحزن ، وكمال إهانة ونقص ،
ومبارك عزاء ولوعة ، وشيخ الأزهر حاخام ، وزقزوق زوج
اليهودية يسب المرأة الصعيدية ، ويوسف والى رأفت الهجان "نسخة عبرية"
وهؤلاء هم حماة الدولة المصرية !!
أتدرون من وضع خطة البلطجة الأخيرة التى
واجهت بها الدولة دعاة الإصلاح يوم الاستفتاء الأسود .. يوم انتهكت الأعراض فى الطرقات وضرب الشرفاء بالأحذية فى
الشوارع والساحات ؟!! .... إنه كمال الشاذلى عميد
الإجرام فى مصر .
لقد وضع كمال الشاذلى خطط
البلطجة الأخيرة بعد أن جربها فى دائرة "الباجور" أكثر من 20 مرة أذاق فيها أهل الباجور كل ألوان الذل والقهر والعبودية ..
قص لى أستاذ جامعى من الباجور ما كان يفعله
كمال الشاذلى مع أبناء دائرته عند كل انتخابات برلمانية
عن طريق رجال العصابات التى رباها وفرض بهم سطوته على
كل شبر من أرض الباجور للدرجة التى
جعلته يفوز بالتزكية فى أكثر من دورة بسبب عدم قدرة أى شخص على الترشح أمامه ... يقول الأستاذ الجامعى : لى إبن
أخت "صايع" كان من أهم رجالات الشاذلى ـ هذا الصايع كان لا يفتح
مكتب الشاذلى إلا بحذائه وكان مسموحًا له بالدخول فى أى وقت يشاء وكان ضمن مجموعة
كبيرة يعلفها الشاذلى طول العمر فى
دائرته من أجل يوم واحد هو يوم الانتخاب .. هذه المجموعة مهمتها ترويع أبناء
الدائرة وقذف الرعب فى قلوب الآمنين ، وممنوع على أى شخص أن يرشح نفسه أمام الشاذلى فى هذه الدائرة ، وإذا حدث فقل على هذا الإنسان السلام فلابد
أن يصبح عبرة لكل من تسول له نفسه فعل ذلك حيث حرق الزراعات وتسميم المواشى وتدمير المنشآت وتلفيق الإتهامات
وإطلاق الشائعات وتقفيل اللجان بقوة السلاح والبلطجة
...
وهكذا استمر الشاذلى عضوًا
برلمانيًا لأكثر من 40 عامًا .. هذه التجربه نفذها الشاذلى على مستوى بعض دوائر الجمهورية وذلك فى مواجهة بعض المرشحين ممن لا ترضى عنهم الدولة ، والآن
ينفذها أمام كل الحركات الشعبية المطالبة بالتغيير !!
يتصور الطغاة دومًا أنهم مخلدون فى
الدنيا ويتصرفوا على هذا الأساس ولا يفكروا أبدًا فى
حقيقة الموت والوقوف بين يدى الله ، ولذلك فإنهم لا
يقربوا من مجالسهم إلا أجارم القوم ولا يمكنوا من
المناصب إلا كل من لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر .. يحبون من يثنى عليهم ويكذب
على الشعب ويفتح لهم أبواب اللهو والفساد .. لا يقربوا
منهم إلا سواقط العلماء وتوافه الكتاب ومدمنو التملق
ومتقنو النفاق ..
لقد أكمل فضيلة المرحوم جاد الحق على جاد الحق شيخ
الأزهر حياته الوظيفية زاهدًا فى كل منصب وجاه ولم يبحث
إلا عن رضا الله ، وعاش غير راغبًا فى مواصلة حياة سيطر
عليها التملق والرياء والبعد عن تعاليم الإسلام ، وكان ـ رحمة الله عليه ـ معتزًا
بنفسه مدركًا لقيمته ومكانته ، وكان له موقف تجلى فى
إحدى المرات التى دُعى فيها
للمشاركة فى الاحتفال السنوى
الذى كانت تنظمه وزارة الأوقاف المصرية احتفالا بمولد
المصطفى صلى الله عليه وسلم ، والذى كان يتم فيه تكريم
العديد من الدعاه وبعض حفظة القرآن الكريم من الأقطار
العربية والإسلامية فى حضور الرئيس مبارك ... الشيخ جادالحق لم تعجبه هذه الاحتفالات بعد أن تحولت بفعل النفاق
إلى مواكب للتملق والرياء بغية الفوز برضا الحاكم ونيل رضاه ، وفى إحدى هذه
الاحتفالات زادت جرعة النفاق عن الحد المحتمل وتحولت المناسبة إلى مدح وتعظيم
وثناء فى الرئيس مبارك وابتعدت الكلمات والأشعار الملقاه عن صاحب المناسبة واقتربت ـ بل والتصقت ـ بمقام
الرئيس مبارك ، وظهرت علامات الخجل والقلق على وجوه الأتقياء ممن حضروا هذه
الاحتفالية ، وكان على رأس الغاضبين فضيلة الشيخ جادالحق
الذى شعر أنه استدرج لمشاهدة فعل فاضح من أفعال
المنافقين وأصحاب المصالح الدنيا وأن هذا لا يليق بمقام سيدنا رسول الله ، ولما
وقف ليلقى كلمته أوجزها غاضبًا فى كلمات معدودات قائلا
: ( إن الكلمة أمانة ) وأعطى بهذا الإيجاز درسًا بليغـًا لأصحاب النفوس المريضة ..
فعل ذلك فى حضور مولاهم وسيدهم الذى
لم يفهم شئ لأن فضيلة الشيخ كان حريصًا على ألا يتعرض
لشخص الرئيس أو لأصحاب المصالح الدنيا .
إن أخطر ما أبتلينا به بسبب قانون الطوارئ هو تفشى ظاهرة
التملق والرياء حيث هادن الجميع النظام ووجدوا مصالحهم فى
طاعته والسير وفق هواه ، وعاشوا بين خيارين إما التملق الذى
يؤدى للمناصب وإما التصادم الذى يقود إلى السجن .
إن الشرفاء لا يمكن البحث عنهم فى
أكوام القمامة ، وكل ما يطفو الآن على السطح فى مصر لا
يعدو غير أسماك ميتة ونفايات عالقة ، أما الأعماق ففيها تسكن دُرر الشعب وكنوزه ،
وفى مصر من الشرفاء ما يكفى لإصلاح ما أفسده الآخرين لكن السلطة تطاردهم مطاردة لا
هوادة فيها .
إن الشرفاء فى مصر يعصوا عن
العد والحصر ، لكن مبارك ونظامه الإجرامى هو الذى استبعدهم بعد أن فشل فى أن
يستعبدهم ، وإننى أقولها بكل صدق : إن لم تحدث ثورة
شعبية قبل إجراء الانتخابات الرئاسية القادمة فإن مبارك سينجح حتى لو وقف ضده
الشعب المصرى كله ، فأمريكا غير جاده
فى الإصلاح وصلاحها إفساد ، ومبارك غير جاد فى الإصلاح وصلاحه إستعباد ،
والشعب غير جاد فى التحرك من كثرة ما بلغ من الضيق
واليأس ، والقائمين على قيادة حركات التغيير لا يملكوا من وسائل التعبير ما يبلغ
رسالتهم إلى الناس من كثرة التضييق عليهم وحرمانهم من كل المنابر الإعلامية ، ولقد
تحركوا من قبل أن يبنوا فى الخفاء قاعدة شعبية تتحرك
معهم فى الوقت المناسب فى كل
محافظات الجمهورية من أجل إحداث صدمة تردع النظام وتجعله غير قادر على التعامل
معها ، وهذا ما جعل أصوات المطالبين بالتغيير خافتة وغير مرتفعة ورمزية وغير مؤثرة
.
إن مصر فى أمس الحاجة إلى
طوفان شعبى يفرض إرادته على الجميع ويقوى على إحداث
تغيير لا ترعاه أمريكا ولا يرعاه العملاء .. إن العيب ليس فى
الحركة وإنما فى الإعداد لها ، فقد فشل الجميع فى ربط الشارع بالأحداث والتفاعل مع التغيير بإيجابية .
إننا نواجه نظام إجرامى بكل
معنى الكلمة .. نظام يُغير من خططه من أجل دوام مُلكه وسلطانه
.. انتخابات بالقائمة وانتخابات فردية وانتخابات بقضاء صورى
وانتخابات بغير قضاء وانتخابات تحدث بالتزوير وانتخابات تحدث بالبلطجة وانتخابات
يسبقها القبض على القيادات والزج بهم فى السجون ، وكل شئ يتم فى ظل قانون الطوارئ الذى مكن اللصوص من الحركة والنيل من الشرفاء ، وأبقى على
حاشية مبارك فى كل المناصب الهامة التى
احتكرها اللصوص منذ تولى مبارك الحكم .