إلى الجحيم يا "شرخ" الشيخ!
بقلم :د. عادل
سمارة
في حقبة التضامن
الكمبرادوري العربي، ليس من السهل معرفة ما يدور في كواليس الانظمة الحاكمة، فما
ابعد هذه الانظمة عن "كل الحقيقة للجماهير". وعليه، ليس أمام المواطن
إلا أن يلتقط كلمة هنا وأخرى هناك، او تصريح هنا وآخر هناك ليقترب من معرفة ما
تحيكه الانظمة الحاكمة ضد الوطن والمواطن.
نقول يلتقط لأن معرفة كواليس هذه الانظمة بحاجة لبنية مخابراتية ليست من شأن
المواطن او المحلل السياسي التعاطي معها ولن ينجح لو فعل.
لقد لعب النظام
المصري منذ السادات وحتى اليوم دور المشرف "العراب بعبارة ادق" على
إدخال الفلسطينيين مستنقع التسوية. ولم يكن هذا النظام مجرد مرشد بل أداة ضغط
وتطبيع وتطويع في حالة أي تمنع من قبل القيادة الفلسطينيية التي يتضاءل تمنعها
يوما بعد يوم.
أما رحيل عرفات
فارتبط بتطورات هامة في السياسة الاميركية في الوطن العربي. وهي التطورات التي
تمثلت في لجوء الولايات المتحدة للتغطية على تورطها في العراق بفرض ما يسمى إصلاح
في بلدان عربية اخرى. وقد اختارت الولايات المتحدة مصر لتكون محطة التجارب على اعتبار ان تنفيذ سياسة ما في مصر يمكن ان
تجر ورائها بلدان عربية اخرى.
لكن النظام المصري كي
يحمي نفسه من الركوع المذل للضغط الاميركي قرر تقديم خدمات جلى لامريكا تقبل من
ورائها بتخفيف درجة إذلال هذا النظام وهو الامر الذي تمثل في قرار النظام المصري
الضغط على الفلسطينيين بل وحتى التآمر عليهم لصالح الكيان الصهيوني. بعبارة اخرى
وجد النظام المصري ان عليه تقديم أتاوة مناسبة لإرضاء أمريكا وتخفيف يدها الثقيلة
عن قفاه.
في هذا الصدد صرح احد
اركان الحكم الذاتي الفلسطيني (القدس 5-2-2005) أن هذه القيادة فوجئت بمؤتمر شرم
الشيخ. ويرى هذا الرجل بأن الفلسطينيين كانوا بصدد الحصول على تنازلات من اسرائيل
لولا قيام النظام المصري بترتيب القمة المفاجئة. ويؤكد هذا بأن لهجة اسرائيل قد
تغيرت في اعقاب الاعلان عن تلك القمة، وأن اسرائيل قد تمكنت لهذا السبب من تحويل
القمة الى قمة امنية لا سياسية، وهو الامر الذي حول المسألة من محاولة تطبيق خريطة
الطريق الى تلخيص الامر واختزاله في خطة شارون.
وفي هذا الصدد، لا يكون الخلل المركزي
في سلوك الحاكم المصري او الاردني، بل في سلوك السلطة الفلسطينية التي لا تجرؤ على
التراجع ولا حتى على المطالبة بتأجيل موعد المؤتمر بضعة ايام لترى فيما اذا كانت
ستحصل من الكيان الصهيوني على مرونة ما.
ليس هناك من معنى لمؤتمر يُعقد دون
مفاوضات وحوارات طويلة ومعمقة، وهي المفاوضات التي قطعها اقتراح الرئيس المصري. هذا
دون ان نتناسى حقيقة ان الفلسطينيين ليسوا في موقع من يحصل من الكيان على الكثير
لولا ورقة المقاومة. ولكن حينما تخسر القيادة الفلسطينية كل من ورقة المقاومة
وورقة الضغط العربي الرسمي بل حين يصبح الموقف العربي الرسمي متآمرا على
الفلسطينيين فإن هذا يعطي للقيادة الفلسطينية أقصى المبررات للتنازل.
ادن كان جوهر شرم الشيخ معروفا سلفا. وقد
جاء كليا لصالح الكيان الصهيوني الاشكنازي وجزئيا لصالح الانظمة العربية التي
شاركت وباركت، ولصالح السلطة الفلسطينية، أما الشعب فعليه دفع فواتير ضيافة هؤلاء
جميعا.
لعل المفارقة التي توضح الامر ان هذا
المؤتمر اعطى شارون فرصة رفع "قيمة" ما يقدمه من كونه مقدم للفلسطينيين
بينه وبينهم ليتم تقديمه للفلسطينيين والحكام العرب معا مما يؤكد بأن من يتحكم بما يقدمه الكيان هو
الكيان وأمريكا وليس جزء من العرب او بعضهم. لذا كانت الفضيحة الفضيحة اقل لو انحصر تقديم ما قدمه شارون
لصالح قامة ومقاس الفلسطينيين. ولكن اين للحكام العرب الهرب من غضبة امريكا!
جاء المؤتمر أمنياً
وأكد بأن ما تسمى الدولة الفلسطينية لن تكون إلا دولة أمنية. وحينما نتذكر انها
دولة "رخوة" بسبب الفساد، ومرشية بالتمول من الاجنبي سلطة وقطاع ثالث (أي
غير الحكومي) يضاف لها الجانب الامني نجد ان شعبنا يستحق حقيقة ما هو افضل من هذا
بكثير.
لكن الاخطر من هذا ان
شارون وبوضوح بين "لزملائه" العرب انه معني بتطبيق خطته التي هي أمنية
بحتة، ووعد ببرود انها ستكون مدخلا الى خريطة الطريق الاميركية. وهذا ما يفسر غياب
امريكا التي تريد وتقبل ان يقوم شارون بابتلاع خريطتها في معدته الواسعة ولذا
تغيبت ليجد الحكام العرب انفسهم أيتاما على مأدبة شارون!
لم يتعهد شارون
بالافراج عن المعتقلين بل تحدث عن بضع مئات دون تحديد معايير. ولم يتعهد بانسحاب،
هذا وكأن كل الامر باختصار اننا اليوم قادرون على فرض كل ما نريد وعليكم الامتثال...
نعم ها هم يمتثلون.