وبعد "القمة" , "إصلاح" أولبرايت و"أمن" رايس : حصاد هشيم

 

 

 

بقلم :أميـر سعيـد

amirsaid@gawab.com

 

وكنا على موعد لاستقبال المرأتين في الشرق العربي , وزيرتي خارجية أمريكا الحالية والسابقة.

رام الله والقاهرة كانتا بانتظار كونداليزا رايس ومادلين أولبرايت , فالوزيرتان المتباينتان في لون البشرة المتوافقتان في لون القلب الكونداليزي ؛ جاءتا لتشدان وتراً في المدينتين يهتز له ضيوف المنتجع الشتوي المصري طرباً.

رايس حلت ضيفة على مبنى المقاطعة في رام الله لتراجع أوراق الرئيس الفلسطيني "المنتخب بعناية" إلى مؤتمر شرم الشيخ , ولتضفي على الرئيس الجديد "شرعية أمريكية" لا تتطلع إليها "الشرعية الانتخابية الشعبية" التي يدعونها له.

والوزيرة الحالية جاءت في زيارة خاطفة بأهداف محددة : ـ

ـ توفير الدعم للرئيس الفلسطيني متزامناً مع ثناء الرئيس الأمريكي على أداء أبي مازن في جهود مكافحة "الإرهاب" , وهذا يحمل بدوره تثبيتاً أكبر للرئيس الفلسطيني كرجل أمريكا المفضل في فلسطين أمام خصومه السياسيين سواء في فتح أو حركات المقاومة الأخرى.

ـ تشجيعه على تقديم تنازلات مهمة فيما يخص الهدنة وتوحيد الأجهزة الأمنية وحماية حدود الكيان الصهيوني الافتراضية.

ـ إبلاغه بتعيين "مندوب سامي أمني" أمريكي على رأس الأجهزة الأمنية الفلسطينية ؛ كمنسق أمني.

ـ تحذيره من مغبة التشدد في مسألة الأسرى الفلسطينيين المفترض مناقشتها تحت سقف تفاوضي متباين الرؤى لحد بعيد بين مطالب الفصائل الفلسطينية المناضلة وحكومة شارون.

أما أولبرايت فقد جاءت لابتزاز مصر قبل أيام من عقد المؤتمر , وهي خاضت معركتها بعيدا عن الطرق الرسمية , فقد قصدت وجهة أخرى ..

كانت زعيمة الديبلوماسية الأمريكية السابقة مع موعد مع "الإصلاح" الأمريكي , "والله يعلم المفسد من المصلح" , ويممت وجهها شطر صحيفة "المصري اليوم" (وهي للعلم لها قصب السبق في كونها أول صحيفة في بلد الأزهر تنشر إعلاناً للخمور , ويشاع بين الصحفيين المصريين أنها تمول من قبل الولايات المتحدة الأمريكية) للاجتماع مع أقطاب "الإصلاح" الذين قبلوا الاستماع إليها من ذوي الميول الأمريكية أو من الطارقين لكل سبل التغير مهما كان الثمن !! (للعلم أيضاً تجاهلت الوزيرة السابقة القوى الشعبية والوطنية وتجاهلوها هم كذلك) , والطريف أن بعضاً من هؤلاء الأقطاب ربما بحسن نية تناقش مع الديبلوماسية الصهيونية بحماس بغية أن يأتي "الخير" على يديها !! ولم تكن راعية "السلام" السابقة ومستقبلة قبلات الراحلين الملك حسين والرئيس عرفات في وارد ترجمة هذه المطالب الحماسية لمضيفيها ضغوطاً على الحكومة المصرية فيما يخص تعديل الدستور أو توسيع هامش المشاركة الشعبية إلا من ضغوط حاولت واشنطن تجييرها لحساب تل أبيب قبل أيام من مؤتمر شرم الشيخ , والذي بدوره يتضمن إقراراً بتعديل لافت لاتفاقية كامب ديفيد يقضي بالسماح لـ 750 جندياً مصرياً بالانتشار على الحدود المصرية مع فلسطين لمنع تسلل السلاح إلى الفصائل الفلسطينية.

ومن هنا فقد جاءت زيارتي الوزيرتين المتزامنتين تقريبا لتعملان كطرفي كماشة يطبقان على الطرف العربي في مؤتمر شرم الشيخ لكي يبقى هامش التحرك العربي محدوداً بجملة من المعطيات ليس من بينها حقيقة أقوى الأوراق التي يمكن أن يمتلكها مفاوض أو حتى يضعها وسيط بالاعتبار ؛ وهي ورقة الانتفاضة , إذ الفعل الانتفاضي يظل هو بالأساس من جعل الصهيونية العالمية تهرع إلينا لالتماس حل باتت يد الآلة العسكرية الصهيو/أمريكية مغلولة عن أن تجد له سبيلاً.

وحيث يمضي المفاوضون في شرم الشيخ أوقاتهم في البحث عن حلول لإزاحة "كابوس" الانتفاضة , وترسيخ دعائم عمل تطبيعي عربي/"إسرائيلي" مشترك , والانطلاق من خلال قاعدة سلطوية فلسطينية جديدة متطرفة في براجماتيتها نحو تغيير قناعات الشارع الفلسطيني سياسياً أو أمنياً ؛ تتحرك الفصائل بشكل معاكس لكسب أوراق مهمة وغالية في هذه اللحظة الدقيقة , أو لنقل بالأحرى لكسب أرض جديدة محررة بعدما كادت أن تحرر غزة من ربقة الاحتلال الصهيوني بغض النظر عن من سيحكم قبضته عليها بعد , وليس الجالسون فقط في فنادق شرم الشيخ البديعة هم رابحو الجولة الآنية ؛ فثمة من يعي هذه المرحلة بدقة , ويصبو لجني ثمار من هذه المرحلة كذلك , وهذه أهمها :

1 ـ استغلال فترة التهدئة الحالية في تأكيد شرعية شعبية على فصائل المقاومة الرئيسة ؛ لاسيما حركة المقاومة الإسلامية , التي نجحت في الإعلان عن نفسها كرقم شعبي كبير لا يمكن تجاوزه من خلال الانتخابات البلدية وغيرها (فازت فيها الحركة في غزة بنسبة 70% من عدد المجالس البلدية). وهو مغنم للحركة لم تكن تتطلع إليه في ظل الاجتياحات التي كانت تمنع إجراء هذه الانتخابات.

2 ـ تبني الحركة الإسلامية لمطالب الشعب الفلسطيني الاقتصادية والاجتماعية من خلال تمددها ونشاطها النقابي والعمالي , المتمثل في الانتخابات النقابية والاعتصامات العمالية والطبية , والذي استغلت فيه أيضاً لحظة الهدوء العملاني في أعمال المقاومة وهجمات العدو على حد سواء.

3 ـ حشر رئيس السلطة الفلسطينية في زاوية تنفيذ تعهداته للفصائل والخاصة بتحقيق مكاسب من خلال جولاته التفاوضية , وتعتبر مجمل الفصائل الفلسطينية أنها لا تمنح أبو مازن تفويضاً على بياض للحديث باسم المقاومة , وإنما فقط تمنحه عبر التهدئة الميدانية فرصة لطرح مشروعه التفاوضي , وعن ذلك يقول القيادي البارز في حماس د.محمود الزهار : "نحن أعطينا تهدئة ذاتية لاختبار النوايا" (المركز الفلسطيني 8/2/2005) . ويضع د.رمضان شلح زعيم الجهاد الإسلامي شرط الحركة بالإفراج عن جميع الأسرى مقابل الهدنة (قناة الجزيرة 7/2/2005).

4 ـ في ظل وجود استطلاعات رأي مجحفة , صارت الانتخابات البلدية الفلسطينية عنواناً لشرعية الانتفاضة الشعبية وجماهيريتها , وقد نقل المركز الإعلامي الفلسطيني عن أحد مسؤولي الحركة القول ـ دون الكشف عن اسمه ـ "الناس تنتخب فكرا ومنهجا ودعوة ومقاومة وسلاحا، وكل ذلك يتمثل في الأشخاص الذين ترشحهم حماس وتنتخبهم الجماهير" , ولم يكن ذلك أيضاً ممكن إلا في ظل هذه التهدئة.

5 ـ عدم السماح للعروة الفصائلية ـ لاسيما بين الأجنحة العسكرية ـ أن تنفصم , بإتاحة المجال لحركة فتح , ومن ثم كتائب شهداء الأقصى التابعة لها أن تغرد خارج سرب الفصائل المقاومة ؛ بمنح المفاوضين الفلسطينيين في شرم الشيخ شرف التحدث باسمها , وقد كان لافتاً تصريح أبي الليث الناطق باسم الكتائب قبل القمة بيوم واحد لوسائل الإعلام في مؤتمر دعي إليه المراسلون , والذي أكد فيه ـ وهو ملثم ـ ضرورة الإفراج عن كل الأسرى لاسيما منفذو عمليات المقاومة التي سببت في سفك دماء الصهاينة ..

 

وغني عن البيان أن هذا الوعي الفصائلي لا ينتقص من طرف المخاوف التي تلف هذه "القمة" , والتي نجح فيها شارون في الحديث كرئيس وزراء "دولة مجاورة" داعياً نظراءه إلى الوقوف في وجه ما أسماه الأصولية , وفي إعادة السفيرين المصري والأردني , وفي اقتناص موافقة غير مشروطة من محمود عباس على وقف لـ"العمليات الإسرائيلية" مقابل "العنف الفلسطيني" (بغض النظر عن مسرحية المشادة بين عباس وشارون حول الأسرى الفلسطينيين!!) , وفي الترويج للسفاح كـ"داعية سلام" , وفي رفع أسهمه الانتخابية والشعبية , وفي التقاط الأنفاس في وقت أزعجه سكان سيديروت بإلحاحهم عليه للتدخل لإنقاذهم من صواريخ القسام ؛ وأظهرت آخر الإحصاءات تدني أعداد المهاجرين اليهود إلى داخل الكيان الصهيوني عام 2004 عن الأعوام السابقة له برغم السعي الحثيث الاجتذاب يهود الفلاشا مجدداً ..

.. ولكن أليس الترويج لشارون كـ"داعية سلام" أو ارتدائه هذه المسوح هو أحد دلالات نجاح هذه الانتفاضة الإيمانية المباركة ؟ أليس إفلاس اليمين الصهيوني واتخاذه مواقف "حمائمية" ـ إن جاز التعبير ـ هو أحد صور الانتصار الذي يرى ضوئه البارق في نهاية نفق الألم ؟