الإنتخابات العراقية بين التكليفين السياسي والشرعي
بقلم :حسن بيان
ايا" تكن
النتائج الرقمية لفرز الأصوات في الإنتخابات فانها لن تغير شيئا" من معطى
الوضع السياسي في العراق إلا لناحية واحدة ، هي تمكين المحتل الاميركي من دخول
مرحلة جديدة من مراحل إختباراتةلإدارة الشأن السياسي.
هذه الإختبارات التي
ثبت فشلها عبر العامين الماضيين عبر دور الحاكم المباشر او عبر دور الأدوات
السياسية المعينة، دفع إدارة الإحتلال لتجربة إختبار ثالث علّه يمكنها من تثبيت
اقدامهاالسياسية والامنية.
لقد طربت الإدارة
الاميركية للعملية الإنتخابية في العراق لتقدير منها إن هذه الإنتخابات ستمنحها
شرعية" ومشروعية" لإحتلالها عبر إستفتاء شعبي عبر فيه العراقيون عن
إرادتهم السياسية بإنتخابهم أعضاء المجلس الوطني ومنه ستنبثق الحكومة التي تتولى
السلطة التي تجعل الوجود الاميركي الإحتلالي وجودا" مشرّعا" بإرادة
سياسية منبثقة عما تعتبره إرادة شعبية.
هذه المشروعية
والشرعية السياسية التي تريد اميركا الحصول عليها فلكي ترد على حركة الإحتجاج
والإعتراض والممانعة التي برزت قبل شن الحرب على العراق واثناءها وبعد وقوعه تحت
الإحتلال.
وإن هذه الشرعية التي
ستحصل عليها من حكومة تعتبرها مفوضة شعبيا"، تكون بمثاية القذيفة السياسية
التي سترمى بوجه كل من يثير تحفظا" او إعتراضا" على الإحتلال، وسيطوي
ملف التبريرات التي اعطيت لشن الحرب مقدمات وسياقات ميدانية.
إذن الإنتخابات في
العراق هي حاجة اميركية بالدرجة الاولى ولولا هذه الحاجة لما إرتقت الى سلم
الاولويات والاصرار على إجرائها رغم مطالبة العديد من القوى السياسية بتأجيلها
ريثما تسمح الظروف بتوفر اوسع مشاركة سياسية وشعبية فيها.
لكن هل يمكن ان يقال
عن هذه الإنتخابات قد تمّت في اجواء طبيعية وإنها بما افرزته من حصص تمثيلية وما
ستفرزه من نتائج سياسية ، هي إنتخابات يمكن أن يقال عنها أنها ذات مواصفات شرعية؟؟
جوابا" على هذا
التساؤل ، فإن هذه الإنتخابات كي تكون حائزة على المواصفات الشرعية التي تعكس
بنتائجها فعلا" لا قولا" الإرادة الشعبية ، لا بد من توفر شرطين أساسيين:
- الشرط الاول: أن
تكون متسمة بالشمولية الوطنية ببعديها الشعبي والجغرافي.
- الشرط الثاني: أن تجري بعيدا" عن وسائط الإكراه السياسي
والمادي والمعنوي وحتى لا تكون إرادة الناخب واقعة تحت تأثير هذه الوسائط المتعددة الجوانب.
من الرجوع الى معطيات
العملية الإنتخابية، هل يمكن القول إن الشرط الاول قد توفرت ارضيّة له، بحيث يمكن
القول ان الإنتخابات إتسمت بالبعد الوطني الشامل؟
إن الجواب على ذلك ،
يأتي من ساحة العراق وخارجه بالحس والملموس، حيث ان نسبة المقاطعة للإنتخابات ،
تحفظا" وممانعة ومعارضة ومقاومة، كانت نسبة مرتفعة، بدليل إن كتلة شعبية
واسعة لم تشارك في العملية الإنتخابية، وهذه الكتلة الشعبية وإن كانت تنتمي
بأكثريتها الى فئة ذات إنتماء إيماني معين، إلا أن جزءا" من هذه الكتلة ينتمي
ايضا" الى مذاهب أخرى ، وهذا ما ينفي عن القوى المقاطعة والمعارضة والمقاومة
صفة الإلصاق المذهبي بها.
هذه الكتلة الشعبية،
تحفظت وعارضت وقاطعت الإنتخابات لسبب سياسي جوهري هو إنها تجري في ظل الإحتلال،
وهو الذي يشرف عليها ويريد توظيف نتائجها لمصلحته. وبالتالي لا يجوز شرعا" ولا
وطنيا" تمكين الإحتلال من توظيف اي عملية سياسية لما يخدم اهدافه بالدرجة
الاولى. وإذا كان قد قيل ويقال بإن بضعة ملايين قد شاركوا في العملية الإنتخابية ،
وهذا صحيح، فإن الصحيح ايضا" إن بضعة ملايين أخرى لم يشاركوا في العملية
الإنتخابية، وهذا يعني أن القوى المقاطعة والمعارضة والمقاومة توازن في فعالية
وزنها الشعبي القوى المشاركة، وبالتالي فإن هذه الإنتخابات التي لم تتسم بالشمولية
الشعبية، وبالتالي لا يمكن أن تتسم بالشرعية الوطنية لإفتقارها الى شرط الشمولية
الشعبية.
وانه بموازاة هذه
المقاطعة لكتلة شعبية كبيرة العملية الانتخابية ، فإن مناطق عديدة لم تجر فيها
الإنتخابات ، إن لسبب سياسي او لسبب أمني، وهذا يعني إن العملية الإنتخابية جرت في
مناطق دون أخرى، وهذه الاخيرة تضم أطيافا" سياسية دينية متنوعة، مما يثبت ان
الإنتخابات لم تتسم بالشمولية الوطنية ببعدها الجغرافي.
هذا الإفتقار
للشمولية ببعديها الشعبي والجغرافي، يحول دون حيازة الإنتخابات المواصفات الوطنية،
وبالتالي تبقى مفتقرة للشرعية التمثيلية.
هذا في عدم توفر
معطيات الشرط الاول ، أما لجهة توفر عناصر الشرط الثاني ، وهو إجراء الإنتخابات
بعيدا" عن وسائط الإكراه السياسي والمادي والمعنوي، فيكفي إستعراض ما يلــي:
- أولا" ، في
الإكراه السياسي
إن الإنتخابات جرت في
ظل الإحتلال الاميركي، وهذا الإحتلال هو الذي حدد آاليات العملية الإنتخابية
كمقدمات وسياقات وصولا" الى النتائج التي يريدها.
إن الاصرار الاميركي
على إجراء الانتخابات في موعدها، رغم مطالبة بعض من تصرف وتحرك في ضوء الإملاءات
والإيحاءات الاميركية بالتأجيل ، يدلل على إن الضغط الاميركي هو الذي فرض نفسه
بوجه المطالب الاخرى، والإكراه السياسي الذي مورس على العراقيين، مورس على درجتين،
درجة الإكراه السياسي الاميركي على الوضع العراقي بكليته، ودرجة الإكراه السياسي
الذي مارسته الاطراف الداخلية المتحمسة للإنخراط في العملية الإنتخابية تحت مظلة
الإحتلال. وإن الإكراه السياسي الذي مارسته اميركا لم يقتصر على نتاج ضغطها على
الداخل العراقي وحسب، بل سعت لتوظيف عناصر ضغطها الخارجي لإنتزاع مواقف مؤيدة
للعملية السياسية التي تجري بإشراف منها وظل رعايتها في العراق والتي تشكل العملية
الإنتخابية واحدة من تجلياتها.
- ثانـيـا"، في
الإكراه المـادي
إذا كان الإكراه
السياسي الذي مارسته اميركا في داخل العراق وخارجه شديد الوضوح، فإن الإكراه
المادي لم يكن اقل منه وضوحا"، وهذا الإكراه المادي برز من خلال الإجراءات
التي قامت بتنفيذها إدارة الإحتلال والادوات الواجهية المرتبطة بها، من خلال تطبيق
أحكام ، قرار إعلان حالة الطوارىء ومنع التجول، وفصل المناطق عن بعضها البعض
وتقطيع أوصالها، وإقفال الحدود، وتحويل الثكنات العسكرية ومراكز تموضع القوات الى
مراكز إقتراع، وتوظيف الماكينة الإعلامية الاميركية وملحقاتها في إبراز صورة
مغايرة للواقع، والتأثير على إرادة الناس بالترهيب والترغيب.
- ثالثـا"، في
الإكراه المعنوي
إن من يراقب المقدمات
التي سبقت التحضير للعملية الإنتخابية ، لا يحتاج الى كثير عناء، ليكتشف حجم الضغط
الذي وقعت تحت تأثيره الجماهير العراقية، فضلا" عن الإكراه السياسي والمادي
اللذين جرت الإشارة اليهما، فإن كتلة شعبية واسعة وقعت تحت تأثير الإكراه المعنوي،
وهذا الإكراه المعنوي تجلّى بشكل اساسي بالفتوى التي أعطاها السيستاني والتي اعتبر
فيها المشاركة في الإنتخابات ، تكليف شرعي او ترتقي الى مستوى التكليف الشرعي. ومن
يعرف جيدا"، التأثير النفسي الذي تتركه مثل هذه الفتوى الصادرة من أعلى مرجع
لطائفة معينة، يدرك مدى الضغظ
المعنوي الذي يمارس
على كتلة شعبية تأخذ بالتقليد وتنفيذ التكليف الشرعي بغض النظر عن قناعاتها.
وإن القوى السياسية
التي أبدت حماسا" للإنتخابات وانخرطت بها بكل إمكاناتها لم تكتف بتوظيف هذه
الفتوى في ممارسة الضغط المعنوي الناخب وحسب، بل وضعت صورة المرجع على ملصقاتها،
لتجعل التأثير اكثر فاعلية، وبالتالي إيصال هذا التأثير المعنوي عبر الصورة لمن لم
تصله عبر وسيلة أخرى.
هذه النماذج الثلاث
لوسائط الإكراه تركت تأثيرها المباشر على إرادة كتلة شعبية واسعة في عموم العراق.
وعلى هذا الاساس ،
فإن العملية الإنتخابية التي جرت في ظل ممارسة وسائط الإكراه السياسي والمادي
والمعنوي، تكون قد عطلت الإرادة الحرّة للناخب بوضعه تحت التأثير المباشر لوسائط
الضغط المشار اليها.
وإذا كانت الفتوى
التي اصدرها المرجع الاعلى بإعتبار المشاركة في الإنتخابات هي تكليف شرعي ، وتجسد
حالة ضغط معنوي على إرادة الناخب، فإن القرار الاميركي بإجراء الإنتخابات في ظل
الآليات التي وضعها، تجسد حالة ضغط مادي وسياسي، فهي تعتبر تكليفا" سياسيا"
إفتتت به لإنجاح العملية الإنتخابية ولو في إطارها الشكلي.
وبهذا فإن العراقين
وضعوا تحت تأثير تكليفين، تكليف سياسي وتكليف شرعي، فإن هذين التكليفين اللذين يشكلان حالة إكراه وضغط
سياسي ومعنوي، يجعلان العملية الإنتخابية مفتقرة لشرعيتها لأنها اجريت في مناخات
التكليف السياسي والشرعي المعطلان للإرادة
الحرّة وبالتالي ، فإن العملية الإنتخابية مشوبة بالبطلان لأنها جرت في مناخات
إكراهية.
الإنتخابات ومعالم
الصورة السياسية المستقبلية
هذه اللاشرعية
الشعبية والوطنية للإنتخابات في العراق ، هل ستغير شيئا" في طبيعة المشهد
السياسي العراقي؟
بطبيعة الحال إنها لن
تغير شيئا"، لأن القوى التي إنخرطت بها، كانت ومنذ البداية تقف على ارضية
الموقف السياسي الاميركي، قبيل شن الحرب واثناءها، وبعد وقوع العراق تحت الإحتلال
والقوى المقاومة للإحتلال ، تقف على ارضية الموقف النقيض، وهذه القوى لم يتغير
موقفها من الإحتلال ومن أدواته سواء ما عبر عنه سابقا" بمجلس حكم او حكومة
مؤقتة، وما ستفرزه النتائج الإنتخابية من ادوات سياسية. بل على العكس ، إن
المقاومة استطاعت أن تشدّ الى ارضية موقفها قوى كانت تمالىء الإحتلال وكانت جزءا"
من إدارته الواجهية، وانه ايا" كانت التبريرات التي تعطيها هذه القوى للموقف
المتحفظ والمعارض لإجراء الإنتخابات في توقيتها، فانها ما كانت لتأخذ هذا الموقف
لولا المقاومة وقدرتها على إثبات حضورها
وفاعليتها بإعتبارها المرتكز الاساسي لإصطفاف القوى المقاومة للإحتلال وإن تعددت
تلاوين مواقفها.
إن المقاومة إنطلقت
وإستمرت وستسمر لان في العراق حاضنة شعبية لها، وهي ستبقى تتعامل مع كل عملية
سياسية تجري في ظل الإحتلال ورعايته بانها واحدة من إفرازاته ومنها العملية
الأنتخابية. وكما كانت الأدوات التي شكلها
الإحتلال هي ادارة واجهية له، وعلى هذا
تعاملت معها المقاومة، فإن ما ستفرزه العملية الإنتخابية لن يخرج عن سياقات ذلك
التعامل.
وإذا كانت إدارة
الإحتلال بما تملكه من وسائط ضغط داخلي وخارجي، تظن إن إفرازات العملية الإنتخابية
ستمكنها من إحتواء الوضع في العراق سياسيا" وامنيا" إستنادا" الى
شرعية مفوضة لها، فان ظنها في غير موقعه، لإن الإنتخابات لن تغير شيئا" من
معادلة الوضع السياسي في العراق، لان المقاومة ستبقى قائمة طالما بقي الإحتلال
الاميركي قائما" ايا" كانت التسمية التي يطلقها على نفسه وايا" كانت
الإطارات التي يقدّم نفسه من خلالها، وايا" كانت طبيعة التشريع الداخلي الذي
ستمنحه إدارة إنبثقت عما سمي إرادة شعبية مورست عليها كل اشكال الضغط السياسي
والمادي والمعنوي.
ومن يعتقد على إن
الامور سوف ترسو في العراق على استقرار سياسي وامني، فإن هذا الاعتقاد خاطىء لان
المقاومة سوف تستمر طالما استمر الإحتلال ، ولان الاصوات التي تدعو لكيانية سياسية
في الجنوب واستقلالية في الشمال، تؤشر على إن الإنتخابات التي ارادات لها اميركا
ان تمنحها شرعية لاحتلالها، يريد من انخرط فيها توظيف نتائجها الرقمية في إعادة
رسم معالم الكيان الوطني العراقي، وهذا يعني انه سيدخل العراق نفق تعقيد جديد
لاوضاعه الداخلية وهذا ليس بعيدا عن الخطط الاميريكية البديلة عبر إعادة صياغة
الكيان العراقي بعد تعذر صياغة النظام السياسي القادر من تمكينها إحتواء العراق
والسيطرة على مقدراته. وعند هذه النقطة تكون مهمة المقاومة مواجهة الإحتلال وقوى
التقسيم ، وعندها ستدفع قوى جديدة للإنخراط في هذه المقاومة بحيث تأخذ بعدها
الوطني الشامل شعبيا" وجغرافيا"، وهذا هو الرد على العملية السياسية
التي ادارتها اميركا تحت عنوان الإنتخابات لتغليف إحتلالها بصيغ جديدة.