معني الرسالة المفترضة من العراقيين إلي من يعنيهم الأمر
بقلم : محمد
عبد الحكم دياب
كلنا يذكر عام 1991،
في ذلك العام، وبعد أن وضعت حرب الخليج الثانية أوزارها، بادرت الإدارة الأمريكية،
برئاسة بوش الأب، إلي عقد مؤتمر مدريد علي قاعدة الإرض مقابل السلام ، كأساس
لتسوية الصراع الدائر في فلسطين، وحضره ممثلون لأطراف الصراع مع ممثلين عن دول
كبري ذات علاقة بالصراع، منذ ذلك الوقت والأمور تسير من سيء إلي أسوأ، وجاءت أحداث
الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001 لتلغي كل ما استقر عليه المجتمع الدولي وتم
تدوينه في القاموس السياسي العالمي.. نقلت قضايا الاستقلال والمقاومة من خانة
الكفاح المشروع إلي خانة الإرهاب المدان، وتم حشد العالم، بما فيه الوطن العربي
الذي يعاني بدوره من غبن سياسي وإنساني لم يلحق بغيره، في صف المجهود العسكري
والاقتصادي والسياسي الأمريكي الموجه ضد الإرهاب، بمعناه الجديد، وبين عشية
وضحاها، وضعت أمم وشعوب ودول وأديان وعقائد بكاملها علي قوائم هذا النوع من
الإرهاب، وأصبح المطلوب من كل هؤلاء الذين وضعوا علي القوائم أن يسلموا رؤوسهم
لجلاد العصر، القابع في البيت الأبيض، أو الرضا بالعبودية والعمل في بلاط
المحافظين الجدد وطلائع القوي الصهيونية (يهودية ومسيحية)، صاحبة القول الفصل في
تسيير القرار السياسي في واشنطن ولندن وتل أبيب.
تغير مبدأ الأرض
مقابل السلام إلي الأرض مقابل الأمن .. إلي أن استقر المقام مؤخرا علي خريطة طريق
اختزلت مشروع الدولة الفلسطينية في جهاز شرطة، يتم تجهيزه وإعداده لمهمة واحدة، هي
توفير الحماية والأمن لنظام التمييز العنصري (الأبارتايد) الصهيوني، وهو نظام أحاط
نفسه بسور واق لم يجرؤ علي إقامته نظام التمييز العنصري الذي كان قائما في جنوب
إفريقيا حتي مطلع تسعينات القرن الماضي.. لماذا هذه المقدمة والنية مبيتة لتناول
موضوع الإنتخابات العراقية؟ والسبب سنعرفه من خلال ثنايا الموضوع ونحن نقدم قراءة
لما تم يوم الأحد الماضي في العراق.
بداية سنفترض صحة ما
جاء في الإعلام الغربي، وبيانات المسؤولين العراقيين، حول حجم الإقبال علي
الانتخابات ومستواه، ونغض الطرف عن عدم السماح لأجهزة الإعلام والصحافة بمتابعة
الانتخابات إلا في عدد محدود للغاية من اللجان، يعد علي أصابع اليد الواحدة، ونزيد
علي ذلك افتراض آخر التسليم بخطأ الثوابت الوطنية والقومية والإنسانية، وهي ثوابت
تراكمت علي مدي التاريخ البشري، ومن حصيلة التجربة الخاصة بالشعوب، بكل ما طرأ
عليها من تغييرات واكبت نشأة الظاهرة الاستعمارية واستمرارها حتي يومنا الحاضر،
وهي ظاهرة ارتبطت بالتطهير العرقي وإبادة شعوب بأكملها من أجل إحلال شعوب أخري
محلها، وتولت تزكية الأشكال العنصرية وصور عديدة للاستيطان.. نتجاهل كل هذا من أجل
خدمة محاولتنا لقراءة ما جري في العراق.
ما جري في العراق يوم
الأحد الماضي.. لا يختلف عليه اثنان أنه استمرار لواقع، علي الأقل خلال الاثنين
والعشرين شهرا الماضية، قام بالكامل خارج الشرعية الدولية، غابت فيه السيادة
الوطنية علي الأرض، وتلاشت فيه الإرادة السياسية علي مستوي إدارة الدولة، فضلا عن
التدمير الكامل الذي لحق البنية التحتية والفوقية للمجتمع، والانتخابات، في هذا
الواقع، كانت قرارا أمريكيا، رفض كل محاولات الحكومة المؤقتة وكثير من أعضائها
طلبا للتأجيل.. باءت كل محاولات التأجيل بالفشل.. ومطلب التأجيل البسيط لم يجد
أذنا أمريكية صاغية.. وجرت الانتخابات دون اكتمال عملية إعادة بناء الجيش، فهو لم
يتجاوز حدود ثمانية آلاف فرد، وحرس وطني لم يتجاوز عدده أربعين ألف عنصر، ليس بينه
وبين قوات الاحتلال أي توازن، ليس هذا فقط فالتوازن مفقود، كذلك، مع القوات
المعروفة في لغة الاحتلال بالمتمردين - أي المقاومة - وتقول المصادر البريطانية
أنها تتكون من أربعين ألف مقاتل، ومئة وستين ألف رديف، يمثلون مددا وعمقا لهؤلاء
المتمردين .. أي أن قوات المتمردين العاملة ورديفها تصل إلي مئتي ألف. معني هذا أن
الانتخابات جرت في ظروف غياب أي توازن في المدي القصير والمتوسط. وعندما يغيب
التوازن يصبح هدف الانتخابات تثبيت جدول أعمال أصحاب المصلحة في إجرائها.
وجرت الانتخابات
وهناك إصرار أمريكي برفض إعلان جدول زمني لجلاء قوات الغزو، ويصب في هذا الجانب
رفض الحكومة المؤقتة والأحزاب الممثلة فيها المصالحة الوطنية، وعدم الاعتراف
بالمقاومة، وكل التجارب تقول بأن الإنتخابات التي تسبق المصالحة تتم لفرض أمر
واقع، هو في الحالة العراقية يعقد الأمر ولا يخفف من وطأته، ودون مصالحة وطنية
يصبح من الصعب البدء في عملية سياسية من أجل حل نهائي يحقق الاستقرار والأمن،
والأمر زاد تعقيدا بعد ترسيخ التقسيمات المذهبية والعرقية، والقفز علي انجازات
الدولة الوطنية علي مدي ثمانين عاما مضت.
هذا المناخ هو الذي
غيب البرامج والمشروعات السياسية، مما جعل المرجعيات الدينية والنزعات العرقية،
أكثر حضورا لتنشطر أهم وأكبر كتلة بشرية وسكانية في العراق، هي الكتلة العربية.. انشطرت
بين شيعة وسنة ومسيحيين وصابئة، وبعد أن كانت كتلة غالبة تحولت إلي أقليات مغلوبة،
وبذلك تطمس هوية هذه الكتلة، وتطمس معها هوية العراق، وقد كانت العمود الفقري الذي
شد الجسم العربي في العراق، وكانت جماع الرباط الثقافي الذي صاغ الشخصية العراقية،
وقاعدة البناء القومي للدولة منذ ما بعد الحرب العالمية الأولي، وهكذا يتم هدم
العراق وتفكيك كيانة وإلغاء شخصيته الاعتبارية وطنيا وسياسيا.. حتي أن الناخب وجد
أنه أمام خيارات محصورة، إما في تبعية فقهية طائفية، علي النمط الإيراني، أو تبعية
سلفية تتخذ من النموذج الطالباني الأفغاني مثالا، أو خليطا بين الإثنين.. وفي
المواجهة تبعية أخري.. ليبرالية جديدة، تمثل الامتداد العراقي للمحافظين الجدد في
الولايات المتحدة، وأصبح لهذه الخيارات قوي منافحة ومدافعة عنها، بينما تم تغييب
الخيار الوطني المدني الجامع المانع.
ومما ساعد علي ترسيخ
هذا الواقع وقوف النظام العربي مع الاحتلال وتبرير وجوده، في مناخ إقليمي ودولي
داعم للانتخابات، بفعل التأثير الصهيو أنجلو أمريكي، الذي رأي ضرورة هذه
الانتخابات كجزء من ترتيبات الشرق الأوسط الموسع، ومدخل إلي تطبيق المخطط الجديد
للهيمنة علي العالم. وهذا هو مصدر الخطر الحقيقي علي وحدة التراب العراقي.. خطر
وجد غطاءه في أحاديث مطولة وتصريحات مسهبة عن حقوق الإنسان، مع أن من يقر حقوق
الإنسان ويتمسك بها عليه ألا يضعها في تناقض مع حقوق الوطن، في الحرية والاستقلال
والتقدم، والتنكر لحقوق من هذا النوع في الواقع العراقي يخدم، في حقيقته، المشروع
الصهيو مسيحي، والذي يقوم علي مقايضة حرية الإنسان باحتلال الوطن، وهذا شيء لا
يستقيم.
المقايضة احتاجت إلي
أيديولوجية، وليس هناك غير الإنعزالية ، التي استشرت في المنطقة بأسرها،
كأيديولوجية تبرر بها النخبة العراقية، المستوردة مع الاحتلال، ما تقوم به من
أفعال وتصرفات، فبدونها يصبح توزيع اللحم العراقي الحي علي مفترسيه عملا شاقا،
وبها ترتفع الأصوات التي تتبرأ من العروبة والانتماء العربي، وتنادي بفصم العلاقة
مع الأمة العربية، وهذا أفرز خطابا متناقضا يقول أين كان العرب، المؤيدون
للمقاومة، والعراقيون يعانون من استبداد صدام حسين، في الوقت الذي يلهث طلبا لدعم
جامعة الدول العربية ومساندة الحكام العرب واعترافهم(!!). خطاب يتعمد الخلط، عمدا،
بين الموقف من صدام حسين والموقف من العراق، فيكيل التهم ضد المدافعين عن العراق
باعتبار ذلك دفاعا عن صدام حسين(!!) الانتخابات ليست كل الديمقراطية.. الديمقراطية
منظومة كاملة تمثل الانتخابات واحدة من آلياتها، ووجود الاحتلال يسيء لها إساءة
بالغة، والغزو هو الذي ألغي أي جاذبية للمشروع الصهيو أنجلو أمريكي.. كل ما في
الأمر أن الرئيس بوش كان في حاجة إلي عمل يروج به للاحتلال، ويسوغ به مشروعه
ويسوقه، حتي أن صديقا اتصلت به في ألمانيا أسأله الرأي في الانتخابات العراقية قال
لي تقصد الانتخابات الأمريكية في العراق (!!).. رد بالغ الدلالة.. فعندما تتغلب
المصلحة الأمريكية تلغي باقي المصالح، وقد عكست تصريحات المسؤولين الأمريكيين
السعادة البالغة بالإنتخابات، وكان الإعلام البريطاني، المرئي والمسموع، قد أصيب
بالسكتة بعد يوم الانتخابات، وكان قد قام بمظاهرة إعلامية غير المسبوقة يوم
الانتخابات، وتعودنا كمتابعين لهذا النوع من الإعلام أن نراه يصاب بـ السكتة عندما
يكون هناك شئ غلط في حسابات مسؤوليه قد حدث يجعله يتخلي بسرعة فائقة عن حماسه
وفرحته. وسوف تكشف الأيام السر فور أن يخرج علينا مراسل أو صحافي محايد فيكشف
حقائق ما جري في ذلك اليوم.
شرط صلاحية
الانتخابات هو أن تجري في دولة مستقلة، وإن لم تكن مستقلة، كفلسطين، فتجري علي
أساس برنامج وطني هدفه تسوية تحقق خروج الاحتلال وتحرير الأرض، وقد غاب ذلك عن
الانتخابات العراقية، فلا البرنامج الوطني كان معروضا، ولا التسوية وخروج الاحتلال
كانت مطروحة، والاحتفالية الأمريكية بإجراء الانتخابات كانت احتفالية بنجاح
المقايضة ، كأساس للنموذج المراد تطبيقه، وفقا لمشروع المحافظين الجدد المعد
للمنطقة، وهي في النهاية لن تحقق الحرية.. الضامن الأول والأساسي لصلاحية
الانتخابات. ومع كل هذا لو كان ما ذكره الإعلام الغربي، وبثته وكالات الأنباء، علي
لسان المسؤولين في بغداد، عن حجم الاقبال صحيحا، فإن هذا الإقبال المفترض يحمل
رسالة من الشعب العراقي تشير إلي رغبته الملحة في الاستقرار، وبسعيه لسحب كل
الذرائع من أيدي الاحتلال وأدواته العراقية، وإتاحة الفرصة أمام من يدعون أن
الانتخابات هي الحل، فها هي الانتخابات قد جرت وكل واحد يورينا شطارته ، كما يقول
المصريون، والكل في انتظار النتيجة، إن لم تأت ترجمة لهذه الرغبة وذاك السعي،
وقتها قد يتحول الناخبون إلي رصيد للمتمردين .. آسف.. أعني المقاومة بما لا يسمح
بتبادل الوطن مقابل الإنتخابات .