أمريكا ومصر والسعودية
بقلم :د. محمد
صالح المسفر
شاهدت كغيري من
المهتمين في العالم العربي بمسرحية أمريكية عنوانها خطاب حالة الاتحاد الممثل
المسلطة عليه الأضواء جورج بوش الابن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية في الولاية
الثانية له في البيت الأبيض، والكومبارس هم أعضاء الكونغرس بجناحيه. مهندس الصوت
كان دقيقا في إحكام نغمات صوت الممثل لتسمع كلماته بكل وضوح وتضفي علي المتحدث
نوعاً من الجاذبية الصوتية، والمخرج كان متفوقا في إبراز اللقطات المؤثرة سواء من
الممثل الرئيسي ـ جورج بوش الابن ـ أو الكومبارس.
ركز المخرج علي عناق
حار ـ رتب له مسبقا ـ بين أسرة جندي أمريكي قضي نحبه في العراق وسيدة عراقية أدلت
بصوتها في انتخابات 30 كانون الثاني (يناير) العراقية في واشنطن، هذا المنظر جعل
الكومبارس يقف علي قدميه مصفقا رافعا سبابته الملوثة بالحبر، وقال الممثل ـ جورج ـ
نحن اليوم نكرم بكل تقدير المدافعين عن الحرية واسر جنودنا وحدث عناق آخر بين صفية
سهيل ـ ضيفة جورج ـ وجانيت ثوروود ـ والتصفيق وقوفا لمنظر العناق وليس لعبقرية
وانجازات رئيسهم.
وراح الرئيس يشيد
بالقيادات التي تم انتخابها في كل من العراق وفلسطين وأفغانستان واوكرانيا وكأنه
يقول: هؤلاء هم عملاؤنا الجدد الذين نحتفل معهم أيضا بما وصلوا إليه من مناصب
ونتعهد بحمايتهم.
لقد راح جورج بوش
الابن يعدد انتصاراته السياسية والعسكرية خارج الحدود: احتلال أفغانستان وتنصيب
حكومة عميلة، احتلال العراق ونهب ثرواته وذاكرته التاريخية وامتهان كرامة وكبرياء
الإنسان العراقي إلي ابعد الحدود، ورده إلي عصور ما قبل عصر الإله، وتنصيب حكومة
أولي عميلة مجلس الحكم وثانية، والآن يعمل لتنصيب حكومة عميلة ثالثة في اقل من سنة
ونصف سنة، وفي فلسطين مكن إسرائيل من أن تكون هي صاحبة القول الفصل في المنطقة
وأمعن القول في تهديد سوريةة الحبيبة الحكومة السورية عليها أن توقف كل دعم
للإرهاب وفتح باب الحرية، واتهم سورية بأنها ما برحت تواصل السماح باستخدام
أراضيها وبعض أجزاء من لبنان من قبل إرهابيين يسعون إلي تقويض كل فرصة للسلام في
المنطقة والمقصود هنا سلام وامن إسرائيل في المنطقة وسلام وامن قوات الاحتلال في
العراق.
إن الرئيس جورج بوش
الابن قالها علي مسمع من العالم بان الولايات المتحدة الأمريكية لن تنسحب من
العراق فهل بقي أمل عند بعض الحكام العرب الذين أمعنوا القول في إقناع الشعب
العربي بان أمريكا سوف تنسحب من العراق إذا أوقفت المقاومة الوطنية العراقيـة
جـهادها ضـد التواجـد الأجـنبي في العـراق؟
من المؤسف أن يقف
الزعيم الكبير حسني مبارك ليقول للعالم عبر تصريحات له علي محطة أمريكية إن انسحاب
القوات الأجنبية من العراق في الظروف الحالية أمر في غاية الخطورة (الشرق 15/1/2005م)
وأي خطورة يا سيادة الرئيس اشد قسوة وأعظم مصيبة من الاحتلال؟ لقد كان الأمن في
العراق مستتبا قبل الاحتلال الأمريكي وشهد بذلك العالم كله إلا العملاء من
العراقيين الذين غدروا بالعراق وجيشوا ضده كل أعداء الأمة العربية والإسلامية. إن
أسباب عدم استقرار الأمن في هذه الأيام هو الاحتلال وعليه أن ينسحب من بلاد
الرافدين ليعود الأمن في العراق إلي ما كان عليه.
قلنا وما برحنا نقول
ان الولايات المتحدة الأمريكية لا تريد خيرا بالمملكة السعودية وخاصة بعد أحداث 11
ايلول (سبتمبر ، وفي الأسبوع الماضي استخدم الرئيس الأمريكي في خطابه لغة تهديد
شديدة الوقع عند كل صاحب حس سياسي عندما قال علي الحكومة السعودية أن تبرهن علي
دورها القيادي في المنطقة عبر تعزيز دور شعبها في تحديد مستقبله وهذا ضمنا يعني أن
الشعب في المملكة مقهور ونتيجة لقهره المزعوم فانه بدون مستقبل، ويسبق هذا قول
الرئيس بوش إلي من اسماهم بالمقهورين إلي كل من يعيش في ظل الطغيان واليأس (تحديد
المستقبل) بوسعه أن يعلم أن الولايات المتحدة لن تتجاهل ما تتعرضون له من قهر أو
تتلمس العذر لمن يقهرونكم. عندما تهبون من اجل حريتكم سنقف معكم وبلا حدود . إنه
التحريض بعينه علي هذه النظم.
بعد هذا كله هل ما
برح في الدولة السعودية أحدا يتجرأ ويقول أن أمريكا دولة صديقة للمملكة وأنها ستقف
مع النظام القائم ؟ أمريكا تبحث اليوم عن الذرائع لالحاق الأذي بكل الدول العربية
وعلي رأسها المملكة السعودية ومصر وسورية الحبيبة والسودان واليمن. إنها إذا لم
تجد المبرر العسكري ـ كامتلاك أسلحة دمار شامل ـ المفتعل للقتال فإنها تلجأ إلي
فكرة الديمقراطية أو السعي إلي تخليص الشعوب من قهر أنظمتهم أو اعتماد فكرة محاربة
الإرهاب، وعندها قناعة تامة بان الإسلام هو الإرهاب ومرتكزات الإسلام هي مكة
المكرمة والمدينة المنورة والقدس الشريف يضاف إلي ذلك كربلاء والنجف وعلي ذلك لا
بد من تدويل هذه الأماكن الهامة عند المسلمين لتسهل السيطرة علي نفوذ هذه المدن. الولايات
المتحدة الأمريكية تسعي بكل جهد للحصول علي جماعات معارضة لهذه الأنظمة التي أتينا
علي ذكرها وان لم تجد فإنها ستعمل علي تشكيل معارضة تستخدمها في الوقت المناسب كما
فعلت مع المعارضة العراقية وتفعل مع المعارضة السودانية ونماذج كثيرة لا حاجة لنا
بسوقها في هذا السياق.
أريد ان اذكر أن
سابقة محاولة تدويل مدينة القدس وقيام كيان مستقل في النجف وكربلاء كما قال بذلك
موفق الربيعي مستشار الأمن القومي في ظل مجلس الحكم المنحل وكما يقول احمد الجلبي
كلها مؤشرات توحي بمستقبل مظلم للعالم العربي، ولا استبعد حدوث ذلك في الأجل
المنظور وفرض الهيمنة علي المقدسات الإسلامية والتراث الإسلامي ونحن في غفلة من
أمرنا.
أما آن لنا نحن العرب
أن نتعظ من عبر التاريخ؟