قمة شرم الشيخ: معايير النجاح والفشل..!

 

 

بقلم :فهمي هويدي

 

ما هو معيار النجاح أو الفشل للقمة الرباعية التي انعقدت أمس في شرم الشيخ؟

أنبه الى ان هذه المقالة تكتب قبل إعلان نتائج المؤتمر، الأمر الذي يعني ان الاجابة على السؤال لا تخلو من مغامرة. باعتبار انها نوع من الحدس يعتمد على المعلومات التي توفرت، والاتصالات التي تمت خلال الاسابيع والايام الاخيرة التي سبقت انعقاد المؤتمر.

اذ المفهوم ان ثمة «شائعة» سياسية قوية راجت بعد التخلص من الرئيس ياسر عرفات مفادها أن ثمة «فرصة تاريخية» لإقرار السلام في المنطقة، موحية ضمنا بأن الرجل ـ رحمه الله ـ كان يشكل العقبة التي حالت دون بلوغ تلك الغاية. وايا كان تقييمنا لتلك الخلفية، فالشاهد ان مياها كثيرة تحركت بعد رحيل عرفات، وتسلم السيد محمود عباس رئاسة السلطة الفلسطينية. وكان الهدف من ذلك «التحريك» هو استئناف مسيرة السلام من خلال تطبيق خريطة الطريق التي تبنتها أميركا لتكون مخرجا من الازمة، أو هذا ما يتصوره البعض على الاقل، وفي حدود ما هو معلن فقد انهالت الطلبات على ابو مازن لكي يحقق الآمال التي علقها عليه الاسرائيليون والاميركيون بوجه اخص (علما بأنه تلقى رسائل من بعض الدول العربية في ذات الاتجاه)، وكان محور هذه الضغوط هو «ضبطه» الاداء وإعادة ترتيب البيت الفلسطيني، سواء على مستوى اجهزة السلطة الامنية، أو على مستوى فصائل المقاومة. وقد سمعت من قادة حماس والجهاد الذين زاروا القاهرة في الاسبوع الماضي ما يفيد ان ثمة ثقة قائمة بينهم وبين أبو مازن، الذي امتدحوا فيه الوضوح والاستقامة، وقالوا انهم سمعوا من الرجل كلاما مطمئنا على انه لن يتجاوز الخطوط الحمراء المتعارف عليها فلسطينيا، وهو ما تجاوب معه الذين اجتمعوا معه، وأعربوا عن استعدادهم للتهدئة التي دعا اليها، وركزوا على امرين، اولهما ان تترجم التهدئة المنشودة الى وقف متبادل للعمليات، وثانيهما ان يستصحب ذلك إفراج عن المعتقلين والاسرى الفلسطينيين في السجون الاسرائيلية الذين يتراوح عددهم بين 8 وعشرة آلاف شخص.

في الوقت الذي كان فيه ابو مازن يجري مشاوراته مع الفصائل الفلسطينية، كانت هناك اتصالات موازية بين الحكومتين المصرية والاسرائيلية، ولأن الموضوع الأساسي كان واحدا على الجبهتين، فقد كان منطقيا ان يحدث التلاقي بين هذه الاطراف بحيث يسمع المقربون مباشرة من قادة حماس والجهاد وجهة نظرهم في التهدئة، كما يسمع اولئك القادة من المصريين انطباعاتهم ومعلوماتهم عن الاستعدادات الاسرائيلية في هذا الصدد. ولأجل ذلك دعي الى القاهرة وفد حماس الذي رأسه السيد خالد مشغل رئيس المكتب السياسي ووفد حركة الجهاد الذي رأسه الدكتور رمضان شلح. ويفترض ان يدعى بعد ذلك ممثلو الفصائل الاخرى.

في حدود علمي فإنه في الاجتماعات التي تواصلت في القاهرة، عرض كل منهما ما عنده على الاخر وكانت الرسالة التي نقلها المصريون ان شارون لديه استعداد كبير لإخلاء غزة بالكامل، ولاتخاذ مجموعة من الاجراءات الاخرى التي تخفف من معاناة الفلسطينيين، كما انه ابلغ الطرف المصري بأن الفلسطينيين يستطيعون الشروع من الآن في تجهيز ميناء غزة تمهيدا لتشغيله.

ومن جانبهم قال قادة حماس والجهاد انهم يقبلون بفكرة التهدئة لاختبار نوايا الطرف الاسرائيلي وذكروا أن تفصيلات التهدئة المتبادلة يجب ان يكون متفقا عليها من البداية اذ ينبغي الا تشمل وقف اطلاق النار فحسب، ولكنها ينبغي ان تشمل وقف مختلف صور العدوان، حيث لا معنى لوقف اطلاق النار من الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي في حين تواصل القوات الاسرائيلية تجريف الاراضي وملاحقة الفدائيين وتستمر في اعتقالات الشبان الفلسطينيين.

من ناحية ثانية، فإن قادة الفصيلين شددوا على مسألة الافراج عن الاسرى والمعتقلين، ورفضوا فكرة الافراج الرمزي الذي تحدثت عنه المصادر الاسرائيلية، وذكرت انه يشمل 900 شخص على مراحل، تبدأ بـ 500 شخص، تبين ان اغلبهم ممن اوشكت محكوميتهم على الانتهاء، الامر الذي يوحي بعدم الجدية في التعامل مع هذا الملف.

وهم يشرحون وجهة نظرهم قالوا ان القبول باستمرار احتجاز الاسرى والتهاون في امر الافراج عنهم يعد خيانة منهم لرفاقهم اذا اكتفوا بمجرد وقف اطلاق النار، وهو ما لا يقبلون به.

والحوار مستمر في القاهرة اعلن عن الدعوة لعقد مؤتمر شرم الشيخ، وهو ما فوجئ به ممثلو الحركتين وعكر اجواء المباحثات مع الطرف المصري لبعض الوقت، وعبر بعض القادة الفلسطينيين عن قلقهم من ان يضعهم المؤتمر امام الامر الواقع، بحيث ينتهي أو يفرض عليهم اشياء لم يتم الاتفاق حولها، ذلك انهم اذا كانوا قد اتفقوا على التهدئة المتبادلة من حيث المبدأ، الا ان التفاصيل التي سبقت الاشارة اليها لم يحسم امرها مع الطرف الاسرائيلي، واعلان المبدأ من دون الاتفاق على التفاصيل سوف يوفر لشارون وحكومته فرصة للتلاعب والمراوغة، بحيث يحقق الاسرائيليون ما يرون في حين لا يحصل الفلسطينيون على شيء يذكر ومن ثم يصبحون هم الخاسرين.

بسبب من ذلك فقد اعتبر الفلسطينيون انه من وجهة نظرهم فإن قرار الدعوة الى عقد المؤتمر الرباعي اتسم بالتسرع، وتمنوا لو ان المؤتمر عقد بعد الانتهاء من تسوية المسائل المعلقة في هذه التهدئة في العلاقات الفلسطينية الاسرائيلية، واذ نقلوا هواجسهم تلك الى مفاوضيهم المصريين، معبرين بوضوح عن انهم لا يريدون أن يكونوا تحت ضغط مؤتمر شرم الشيخ، كما انهم لا يتمنون ان يفرض عليهم المؤتمر شيئا يتعارض مع مواقفهم المبدئية، أو مع امور ما زالت محل تشاور ولم يتفق عليها. في حدود المعلومات المتوفرة، فإن حوارا مهما جرى بين الطرفين حول جدوى استمرار المشاورات في ظل المفاجأة التي استجدت، كما تطرق الى مؤتمر شرم الشيخ وما يمكن ان يسفر عنه، وقد عاد بعده الطرف المصري في اليوم التالي معبرا عن تفهم وجهة نظر قياديي حماس والجهاد، ووعد بألا يتعرض بيان مؤتمر شرم الشيخ الى الامور التي لم تحسم في المشاورات أو ان يضع الفصائل الجهادية امام أمر واقع يرفضونه.

في ذلك اللقاء الاخير الذي تم صبيحة الجمعة الماضي (4/2) تم الاتفاق على عقد جولة اخرى بعد ثلاثة أو أربعة اسابيع، ستكون موسعة هذه المرة، بحيث تشترك فيها بقية الفصائل الفلسطينية لكي يصبح موقف الجميع متقاربا ومتفقا عليه أو متفاهما حوله.

ازاء ذلك سافر اعضاء وفدي حماس والجهاد ولديهم اقتناع بأن مؤتمر شرم الشيخ سيسفر في الاغلب عن تطورات في العلاقات المصرية الاسرائيلية، والاردنية الاسرائيلية (عودة السفيرين الى تل ابيب مثلا)، اكثر ايجابية من التطورات المرجوة في العلاقات الفلسطينية الاسرائيلية التي اتضحت فيها الخطوط العريضة ولم تتضح التفاصيل، ناهيك عن ان ازمة الثقة بين الطرفين اعمق بكثير منها على أي جهة اخرى، ثم لا ننسى ان شارون في علاقاته المفترضة مع مصر أو الاردن، يمكن ان يأخذ ولا يعطي، وبالتالي فإن الأمر بالنسبة اليه بلا تكلفة تذكر. ومأزقه الحاد يتمثل في أن الاستجابة لذلك المطلب أساسي عند فصائل المقاومة، في حين ان الممانعة فيه تمثل خطا احمر لدى حلفائه الليكوديين الذين يرفضون الانسحاب من غزة أو إخلاء بعض المستوطنات.

مع ذلك فالزعم ان شارون سيكون الفائز الاول والاكبر في كل الاحوال، يكفي انه سيظهر في الصور مرحبا به على سواحل مصر، ومحاطا بثلاثة من القادة العرب، في حين ان صورته في الذاكرة العربية ظلت دائما ملطخة بدماء الفلسطينيين الذين أمر بقتلهم في كل مسؤوليه تولاها، وهذه الصور موضوعة في إطار من جثث وأشلاء ضحايا سياسته الوحشية.

اذا تحقق ذلك الإنجاز لشارون، مضافا اليه اعادة السفيرين المصري والاردني الى تل ابيب، في رد على النوايا الطيبة التي يمكن ان يعبر عنها الرجل في شرم الشيخ، فإننا سنكون قد قبضنا كلاما في الهواء، في حين كسب شارون الكثير على الارض.

والأمر كذلك، فإنني أزعم ان معيار النجاح أو الفشل في شرم الشيخ، من وجهة النظر العربية، ينبغي ان يقاس بمقدار ما يتحقق في فلسطين على الارض، وبهذا المعيار وحده يمكن ان نقرأ ونقيم ما يصدر عن القمة الرباعية، وما يترتب عليها من آثار. وبه أجيب على السؤال الذي طرحته في السطر الاول.