الخلفيات الدينية والفكرية اليمينية لخطاب بوش عن حالة الاتحاد
بقلم :راكان
المجالي
وهكذا، نرى أن المحافظين الجدد الذين يحكمون
أمريكا اليوم يعتقدون أنهم وحدهم يملكون الحقيقة والقدرة والقوة على فرض احتكارهم
للحقيقة وهو ما يعبِّر عنه الرئيس بوش كمنفذ لسياساتهم مع اعتقاد الرئيس بأن هذه
الحقيقة إلهية وأنه يتحدث إلى الله وهو الذي يوجهه ويرشده
بثت فضائية «العربية»
برنامجاً تسجيلياً وثائقياً يؤرخ ويوضح الدور الذي قامت به جماعة المحافظين الجدد
كامتداد للحركة الدينية اليمينية المتشددة التي تمثلها الطائفة الإنجيلية وهي حركة
أصولية تؤمن بالعهد القديم «التوراة» وتتركز عقيدتها على عودة السيد المسيح عبر
الولاية الثانية.
والمحافظون الجدد هم
تعبير سياسي فلسفي على قاعدة دينية منبثقة من الفكر الأصولي الإنجيلي، أما بدايات
هذه الظاهرة فيمكن القول إنها بدأت على يد الفيلسوف اليهودي الأمريكي من أصل
ألماني ليوشتراوس الذي ولد في العام 1889 في ألمانيا وعاش فيها حتى العام 1937م،
ثم انتقل في هذا العام إلى أميركا قبل الحرب العالمية الثانية وعاش حتى العام 1973م،
وقد عمل شتراوس بعد وصوله للولايات المتحدة الأمريكية أستاذاً للفلسفة في جامعة
شيكاغو بعد أن كان قد شهد بشكل ملموس ما أسماه انهيار الديمقراطية البرلمانية
الألمانية على يد النازيين والشيوعيين في آن معاً، ولذلك حقد على الأيديولوجيات
الثوتاليتارية حقداً شديداً وقال إن صراعاً حتى الموت أصبح مفتوحاً بين
الديمقراطية وهذه الأيديولوجيات، ووصف هذا الصراع بأنه صراع بين الخير والشر وهو
ما طبقه ريغان بخصوص الاتحاد السوفياتي الذي سماه امبراطورية الشر، وبوش الابن
الذي كرس كل جهوده لمحاربة ما أسماه محور الشر وبالتالي شنُّ حربٍ عسكرية وممارسة
ضغوط سياسية على منطقتنا باعتبارها حسب وجهة نظر الإدارة الأمريكية الحالية «بؤرة
الإرهاب الشرير».
وفي الفيلم الوثائقي
الذي أشرنا له هنالك رصد للدور الذي قام به المحافظون الجدد والطائفة الانجيلية في
مقاومة حكم الرئيس كيندي مع تلميحات لا بد أن يستنتج منها المشاهد أن تيار التطرف
الديني كان وراء اغتيال كيندي، ورصد هذا الفيلم صراع هذا التيار مع كل العهود
والإدارات الأمريكية المتعاقبة ومشاركة هذا التيار الفاعلة في كل الانتخابات
الرئاسية وارتياحه للرئيس ريغان ومراهنته على بوش الأب الذي كان قريباً منهم، ولكن
ليس إلى الحد الذي يلغي فيه سلطته كما هو حادث اليوم مع جورج بوش الابن الذي يعتبر
المحافظون الجدد وصوله للبيت الأبيض ذروة النجاح لتيارهم وغاية المراد من رب
العباد فهو مشبع بأفكارهم بالإضافة إلى أنه ينتمي إلى عائلة لها أصول دينية عميقة
وخاصة جد الرئيس بوش الذي قبل أن نتحدث عن فكره وتوجهاته وكتابه الشهير الذي مثل
التوجهات المبكرة للتيار المحافظ في وقت مبكر، لا بد أن نتوقف عند تطوير فكرهم
السياسي المنظم على يد شتراوس الذي ظل يذكّر دوماً بالارهاصات الأولية لفكره
وفلسفته التي تجد جذورها في مؤلفات وصيحات لمن يعتبرهم الرواد والأدباء الأول
لفلسفته، وقد كان شتراوس كما هو معروف يهودياً قدم من ألمانيا في العام 1937 وهو
الأب الروحي للمحافظين الجدد وليست صدفة أن يكون غالبية تلاميذه هم من أركان
الإدارة الأمريكية الحالية وفي مقدمتهم بول وولفويتز وإبراهام تومسكي وريتشارد
بيرل واليوت ابراهامز وروبرت كاجان ووليم كرستول وعشرات من كبار أركان الإدارة
الأمريكية تجمعوا في هذه الإدارة وأصبحوا يمسكون بالقرار الأمريكي بقبضة قوية وفق
فكر استراتيجي موحد بالنسبة لسياسات الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط كنقطة
انطلاق للهيمنة على العالم.
ولعل العودة لجذور
هذا الفكر وتطوره ليتحول إلى عقيدة وأيديولوجية سياسية هو ما يفسر خطاب الرئيس
جورج حول حالة الاتحاد لهذا العام حيث أعطته الولاية الجديدة اندفاعة أسرع نحو
تنفيذ الاستراتيجية التي بشر بها المحافظون الجدد.
وللتعرف على فكر
الرئيس بوش وتوجهاته وزيادة في الإيضاح فإنه لا بد من العودة إلى فكر الفيلسوف
ليوشتراوس ولا بد كذلك من مراجعة الكتاب الذي وضعه جد الرئيس بوش، أما شتراوس فقد
استعاد فلسفة أفلاطون التي تركز على تفوق النخب حيث يقول شتراوس: «إن الحقائق
الأساسية عن التاريخ والمجتمعات الإنسانية يجب أن تمسك بها النخب وحدها، وأن يُقصى
عنها الآخرون الذين لا يملكون القدرة على تحمل المكاره والصعوبات من جراء التعامل
مع الحقيقة، ولذلك كانت الحقيقة عند أفلاطون أصعب من أن يتحملها الناس العاديون
وإن التطلع التقليدي نحو الحقيقة باعتبارها هدفاً إنسانياً أمر لا يمكن الوصول
إليه، لذلك كان لا بد من إغراق الناس بالأكاذيب حول طبيعة الحقيقة السياسية. أما
النخب فإنها وحدها قادرة على تمييز الحقيقة وعلى أن تحتفظ بها لنفسها، الأمر الذي
يعطيها معرفة أعمق وقوة أكبر من تلك التي يمتلكها الآخرون».
وهكذا، نرى أن
المحافظين الجدد الذين يحكمون أمريكا اليوم يعتقدون أنهم وحدهم يملكون الحقيقة
والقدرة والقوة على فرض احتكارهم للحقيقة وهو ما يعبِّر عنه الرئيس بوش كمنفذ
لسياساتهم مع اعتقاد الرئيس بأن هذه الحقيقة إلهية وأنه يتحدث إلى الله وهو الذي
يوجهه ويرشده لكن لتفسير هذا الهوس الديني والفكري عن الرئيس الأمريكي جورج بوش
الذي لا بد من معرفة جذور ذلك في عائلته وخاصة كتاب جده الذي أشرنا له، فقد تم
مؤخراً كشف النقاب عن كتاب صدر في العام 1820 كتبه جورج بوش الجد الأكبر للرئيس
الأمريكي الحالي، ويصف الأستاذ حافظ طوقان هذا الكتاب بأنه كتاب مثير ويتوقف عند
فصوله حيث تمت ترجمته إلى العربية لأول مرة في هذا العام على يد أحد المهتمين
بالدراسات المقارنة بين الأديان هو الأستاذ الدكتور عبدالرحمن عبدالله الشيخ، عنوان
الكتاب المترجم «محمد مؤسس الدين الإسلامي ومؤسس امبراطورية المسلمين» صدر عن دار
نشر سعودية استهدفت كما يقول الناشر في مقدمة ترجمة الكتاب أنه أقرب أن يكون
وثيقة، ويمثل واحداً من أهم مصادر الكراهية الأمريكية للإسلام التي يغذيها تيار
أصولي قديم النشأة يدعي أن العرب مجرد أعراق محنطة ومتوحشة يستحقون الإبادة كما
حدث للهنود الحمر، ويرى جورج بوش الجد، إن الإسلام «مجرد بلاء جاء به الداعي (محمد)
ساعد الرب على انتشاره عقاباً للكنيسة التي مزقتها خلافات البابوات بهرطقاتهم اتي
بدأت في القرن الرابع الميلادي وتصاعدت في القرن السابع لتمزق الكنيسة إرباً إرباً
وتربك العقيدة المسيحية وتزيد من حدة الخلافات المذهبية التي شابها الانحراف إلى
حد دفع الفرق المسيحية إلى العنف صراعاً على المناصب الدينية، ولأن الكنيسة
المنقسمة على نفسها أضعفت عقائد الدين المسيحي، وأبعدتها عن ينابيعها الأولى اختار
«الرب محمداً» كي يكون سوط عذاب على الكنيسة عقاباً موقوتاً على انحلالها حتى تعود
إلى ينابيعها الصحيحة، ساعتها ينزاح العقاب ويزول هذا العذاب المتمثل في دين محمد
وتتم هزيمة الإسلام».
ولدى متابعة فصول
الكتاب العنصري يمكن التفكير في حجم الأثر الذي يمكن أن يكون قد خلفه كتاب الجد
الأكبر في فكر حفيده الرئيس الأميركي الحالي.
وعاد السؤال من جديد
هل كانت بالفعل زلة لسان عندما وصف جورج بوش الحفيد حربه على الإرهاب بأنها حرب «صليبية
مقدسة» أم أن زلة اللسان تكشف بالفعل عن توجه ثقافي موروث أنشأ هذا الخلط الشائن
بين العنف والدين الإسلامي حتى وصل الأمر إلى حد التجريح العلني لشخص الرسول
الأعظم النبي محمد عليه صلوات الله، وتصوير عنف جماعات الإرهاب على أنه جزء من
البنية الفكرية للإسلام؟
وكما هو واضح فإن
الرئيس بوش كان متأثراً بخلفيته الدينية العائلية، بالإضافة إلى هوسه بالغيبيات،
وقناعته الراسخة بالولادة الثانية للمسيح التي تتحقق بقيام دولة يهودية عنصرية
خالصة على أرض فلسطين.
ولم يعد خافياً أن
الهوس الديني والفكر اليميني المتصهين والمحافظ الذي أسسه اليهودي شتراوس هو ما
يحكم سياسات الإدارة الأمريكية الحالية إلى حد اتخاذ إجراءات متشددة داخل أمريكا
لتكون كلمة اليمين المحافظ هي العليا، حيث تصنف نفسها أنها هي النخبة وهي التي
تمتلك الحقيقة المطلقة والقوة اللامحدودة التي تيسر هيمنة الولايات المتحدة
الأمريكية على منطقة الشرق الأوسط التي ركز عليها الرئيس بوش في خطابه باعتبارها
المرتكز والمنطلق للهيمنة على بقية العالم.