الاحتلال والمتعاونون معه والمقاومة بعد الانتخابات
بقلم :ياسر
الزعاترة
بانتهاء الانتخابات
العراقية يكون الأمريكان قد ألقوا بورقتهم الأخيرة في سياق لعبتهم السياسية في
الساحة العراقية، وهي اللعبة التي بدأت بحكاية أسلحة الدمار الشامل التي لم يقتنع
بها أحد في العالم أجمع باستثناء حفنة من حلفاء واشنطن، ثم تبين أنها كذبة كبرى!!
بعد أسلحة الدمار
الشامل جاءت حكاية الحرية التي أصبحت تعويذة المحافظين الجدد لاستباحة العالم
لحساب مشروعهم الإمبراطوري، وهي حكاية ما لبثت أن تلاشت تحت وطأة قصص التعذيب
وانتهاكات حقوق الإنسان في أبو غريب وسواه من السجون العراقية.
في ضوء ذلك كان لا بد
من ورقة جديدة، فكانت الانتخابات التي شكلت قضية الشهور الماضية بالنسبة لزعماء
البيت الأبيض، وبالطبع بوصفها المحطة التي سيحصل العراقيون من خلالها على حق حكم
أنفسهم بأنفسهم بعد عقود طويلة من الدكتاتورية.
والحال أن الصورة
الخارجية للاحتلال لم تكن هي وحدها المستهدفة بلعبة الانتخابات، فإلى جانبها كانت
هواجس الخروج من المأزق الذي وجد الأمريكان فيه أنفسهم بعد التصاعد الكبير في
عمليات المقاومة، والاستنزاف المالي والبشري الذي فرضته المقاومة.
لقد كانت الانتخابات
محاولة للحصول على برلمان شرعي وحكومة شرعية تتولى بالتدريج مهمة الأمن وصولاً إلى
التعاقد مع قوات الاحتلال كقوات صديقة تتواجد بأمر الحكومة الشرعية، والنتيجة هي
انتهاء الاحتلال في وجهه الخارجي مع وجود آخرين بمثابة وكلاء يقومون بالحفاظ على
مصالحه التي جاء من أجل رعايتها.
كان التحرك يقوم على
توفير حالة إجماع عراقية على الانتخابات كمسار سياسي ينهي الاحتلال في مظهره
الخارجي، لكن المفاجأة كانت في قرار العرب السنّة مقاطعة الانتخابات وسحب الشرعية
منها، وهو الموقف الذي جاهد المحتلون والأطراف المتعاونة معهم من أجل تغييره من
دون جدوى.
على مشارف الانتخابات
احتدم الصراع بين فئتين محسوبتين على الشيعة؛ الأولى ويمثلها رئيس الوزراء المؤقت
إياد علاوي، فيما تمثل لائحة السيستاني -كما باتت تعرف- الفئة الثانية التي ينظر
إليها بوصفها تابعة لإيران، مع أن ذلك ليس صحيحاً بالكامل.
في ضوء النتيجة
القائمة ستندلع الأسئلة المتعلقة بما هو قادم من إجراءات وسياسات، وفي هذا السياق
سيتمثل الاحتمال الأول في أن تبادر الولايات المتحدة إلى الإيحاء للحكومة الجديدة
بالطلب إليها جدولة انسحابها من القوات الأمريكية، وحيث تتوفر في الساحة الأمريكية
أصوات تنادي بذلك، الأمر الذي يمنح الحكومة قدراً من الشعبية ويسحب البساط من تحت
أرجل المنادين باستمرار المقاومة، وفي هذه الأثناء سيكون على الحكومة الجديدة أن
تتحرك باتجاه استكمال بناء الجيش العراقي والأجهزة الأمنية القادرة على تسلم مهمات
الأمن بالتدريج من القوات الأمريكية، فضلاً عن القيام بالمهمات الأخرى الأقل أهمية
المتعلقة بإدارة حياة الناس.
ضمن المعادلة الجديدة
سيكون على الحكومة المنبثقة عن المجلس الوطني إن أرادت أن تحظى بالشرعية الحقيقة
أن تثبت أنها حكومة مستقلة وليست تابعة للاحتلال تعمل على الحفاظ على مصالحه، فيما
سيكون عليها أن تؤسس لعراق موحد تسوده العدالة، وهنا سيكون ذلك بمثابة انتصار لقوى
المقاومة التي تسببت في رحيل قوات الاحتلال، ومن حقها تبعاً لذلك أن تملي شروطها
إذا أريد منها أن تلقي سلاحها وتعترف بالوضع الجديد.
الاحتمال الآخر الذي
أكدته تصريحات بوش وكوندوليزا رايس هو أن ترفض قوات الاحتلال مبدأ الرحيل أو جدولة
الانسحاب.
هنا ستتواصل المقاومة
بشكل أكبر، فيما ستبدو الحكومة الجديدة بمثابة حكومة عميلة على شاكلة أنطوان لحد
في جنوب لبنان أو حكومة فيشي في فرنسا، لا سيما إذا تواصلت لعبة السيطرة الأمريكية
على القرارات الرئيسية في البلاد، وسيغدو أركانها محرجين أمام الناس بعد فقدانهم
لمبررات التعاون السابقة ممثلة في التمهيد لرحيل الاحتلال، وسيظهرون أمام الجماهير
بوصفهم تابعين يمددون لقوات الاحتلال بدل أن يطالبوها بالرحيل العاجل.
في هذه الحال سيتواصل
الاستنزاف المالي والبشري لقوات الاحتلال، وبالطبع على نحو أقوى بسبب انخراط مزيد
ن القوى والفعاليات في المقاومة وصولاً إلى وضع لا تتمكن معه تلك القوات من احتمال
كلفة البقاء، وصولاً إلى اتخاذ قرار الرحيل.
هي إذن نهاية معروفة
لا مراء فيها، فيما يبقى السؤال هو متى يعترف المحتلون بالهزيمة ويأخذون قرار
الرحيل، هل سيكون ذلك مبكراً أم بعد نزف الكثير من الدم والمال، ومعه الكثير من
الهيبة والنفوذ أيضاً؟!.