مائة مصباح من مشكاة النبوة
بقلم : الهادي بريك
أخرج الترمذي عن أبي
برزة الاسلمي وعن إبن مسعود والبيهقي عن معاذ إبن جبل وعن إبن مسعود أنه عليه
السلام قال " لاتزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه وعن
شبابه فيم أبلاه وعن ماله من أين إكتسبه وفيم أنفقه وعن علمه ماذا عمل فيه ".
ــــــــــــــــــــــــــــــ
من شواهده " ثم
لتسألن يومئذ عن النعيم " .
موضوعه : أربعة
رساميل يهبها المالك عبده ثم يحاسبه عنها وعن أرباحها .
معلوم أن الانسان
سواء علم ذلك أو جهله أو عمل بمقتضاه أو نبذه عبد مملوك لمعبود مالك وهي حقيقة
ساطعة لا ينكرها دليل حتى أن الانسان لا يكتسب مشروعية إنسانيته تحريرا وتكريما
وتأهيلا سوى تحت سقف تلك الحقيقة الساطعة وسائر ما عداها تجاهلا أو إستكبارا لا
يعتد به كما أنه معلوم أنه سبحانه بنى علاقة العبادة وعقد الاستخلاف بينه وبين
عباده على قاعدة الاتجار " أولئك يرجون تجارة لن تبور " و" تجارة
تنجيكم من عذاب أليم " وذلك لتمليك العابد من الرساميل التي يحتاجها ضمن ذلك
العقد ومن ثم محاسبته عليها وعلى أرباحها وعلى ذات الاساس بنى سبحانه كثيرا من
العلاقات الكونية والاجتماعية وذلك مظهر من مظاهر تحرير الانسان من التواكل والعجز
والبطالة والعطالة ومظهر من مظاهر تكريمه بالعقل والمسؤولية والتوكل والاعتماد على
النفس وخوض التجربة معاينة ومعايشة بحلوها ومرها وذلك بالرغم من أن المالك المعبود
سبحانه لا تزيده تجارة عابده المملوك مهما طفحت أكيالها وربت أرباحها فهو الغني
الصمد كما لا يضره بوار تجارة ولا كساد سوق مما يبرز بجلاء كبير بأن منهج الاتجار
من لدن العابد المملوك في رساميل مالكه المعبود كفيل بتحرير الانسان من الجشع
والانانية وعبادة الذات وبتكريمه بالمال الذي يحقق به طموحه في حياة سعيدة .
أول الرساميل : حياة .
الحياة سر إلهي
رحماني محض لا يتسنى للانسان كنه حقيقته " يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم
عن الاخرة هم غافلون " فهي بذلك عطية مهداة ورحمة مسداة سوى أنها في الجانب
المقابل غنيمة لابد لها من أداء غرمها جزاء وفاقا وهبة الحياة منة دليل ألوهية من
الواهب سبحانه وهي أثر عبودية خانعة من لدن الموهوب له ولو علم الناس سر الحياة
إنشاء من عدم أو تجنبا للهرم وللموت " لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا " و"
لعلا بعضهم على بعض " وليس كالموت ذكرا ولو بتفكير إسلامي غير خالص عند
المؤمنين مطامنا لغلواء الانسان وكابحا لاهوائه الطاغية ولذلك يكثر الطغيان المدمر
عند من لا يؤمن ببعث ولا جزاء أو يرقب فيه سعادة بدعوى أن الرب بزعمهم الكاذب ضحى
بإبنه لغسل ذنوب البشرية جمعاء فسبحانه وتعالى علوا كبيرا عما يقولون.واليوم لا
يشاكس عاقل في كون الحياة هبة رحمانية خالصة يهبها مالك الملك سبحانه لمن يشاء متى
يشاء وينزعها عمن يشاء متى يشاء كما لا يجادل مجادل في كون تلك الهبة الرحمانية
الخالصة هي أم النعم وحاضنتها إذ بالموت تستحيل سائر الهبات مهما عظمت أثرا بعد
عين . فالحياة إذن هي أم الرساميل الالهية الممنوحة للانسان سواء بشمولها لسائر
مظاهر الحياة البدنية والنفسية والعقلية والروحية أو بتجددها عبر التناكح والتناسل
وحفظ الذكر بعد الموت وهي لفرط شعور الانسان بعظمتها وأثرها على وجوده وسائر
منافعه يضحى بسائر ما دونها من أجلها لحفظها وسائر ماهو في حوزته هو دونها ولا ريب
حتى أن الانسان مهما بلغ به الكفر والعتو جورا على الفطرة وإستعلاء مستكبرا يعوض به
عن شعور دنيء بالدونية يتنازل عن كل ذلك في ذات اللحظة التي تهدد فيها حياته
بالاخطار " حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وجاءها الموج من كل
مكان وظنوا أنهم قد أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن
من الشاكرين " وليس أدل على ذلك من قالة فرعون التي يرددها اليوم وغدا كل من
سلك سبيله لو تعرضت حياته للهلاك " آمنت بالذي آمنت به بنوإسرائيل " فقيل
له " ألان وقد عصيت قبل ..." . وحياة الانسان مختلفة عن سائر أنواع
الحياة الاخرى فهي أطوار متتالية من صبا إلى شباب ثم إلى كهولة وشيخوخة وهي مزودة
بكل أدوات العمل المختلفة من روح ونفس وعقل وذوق وعاطفة في المستوى الغيبي المعنوي
وبمثل ذلك في المستوى المادي من بصر وسمع وذوق وتحتوي على سائر مظاهر الفعل
والتعبير نظريا باللسان وعمليا بالجارحة ولا ينطبق عليها سوى قوله سبحانه " خلقك
فسواك فعدلك " و" في أحسن تقويم " وهو حسن وتسوية لا يند عنها مظهر
مادي ولا معنوي حتى أن الانسان صنع لملاءمة سائر الاحوال والظروف المناخية
والطبيعية من ناحية والنفسية والروحية من ناحية أخرى وهو الالة الاكثر تطورا
والاشد تقدما ومناسبة لاصلاح نفسه وسائر ما حوله بإمتياز لا يبلى فيه ذلك مهما بلغ
تطوره وتقدمه وما من آلة يصنعها إلا وهو أرقى منها ولو دققت النظر في أي جهاز من
أجهزته النفسية أو البدنية لالفيت إحكاما في الصنعة لا يضاهى فدقات قلبه مثلا تظل
تخفق بإنتظام علىمدى عقود وبمثل ذلك تظل تعمل رئتاه وسائر أجهزته المكونة مما لا
يحصيه حاص حقيقة لا مجازا من أدق الشعيرات والشرايين ذات العلاقات المجهولة في
أغلبها إلى يوم الناس هذا ... وتظل تعمل تلك الالة الانسانية العجيبة العظيمة
علىمدى تلك العقود الطويلة دون توقف مهما كان قصيرا ولو لحاجة رعاية أو صيانة وهو
مالا يحدث لاي آلة أخرى . وبذلك ملكه ولي نعمته ومالكه سبحانه من أول الرساميل
العظمى التي يحتاج إليها في تجارته فهل يعقل أن يترك بعد كل ذلك سدى لا مجال فيه
للحساب ؟ ولذلك كذلك كان الاعتداء على أولى الرساميل تلك ـ رأسمال الحياة ـ سواء
بالقتل أو بالانتحار إعتداء لا يغفر أبدا حال الانتحار ويعسر غفرانه جدا حال القتل
تماما كما لو ملكت أنت ولدك رساميل كبيرة عظيمة لا حد لها كفيلة بإسعاده فعمد إلى
تبديدها هزلا وحمقا وطيشا في لمح البصر غير عابئ بك ولا بجهدك ولا بنصبك وتعالى
سبحانه عن ذلك علوا.
ثاني الرساميل : الشباب
.
الشباب طور من أطوار
الحياة سوى أنه سبحانه خصه بأن جعله رأسمالا مستقلا وذلك تمييزا له عن سائر أطوار
الحياة كما يخص الخاطب مثلا مليحة بعينها من سائر المليحات رغم أنه ينطبق عليهن
جميعا ما قاله عليه السلام لمغالبة الشهوة " فإنه عندها الذي عندها " وسبب
ذلك معلوم لكل الناس سيما من إستمتع بطور الشباب حيوية وتدفقا وقدرة عجيبة على
العمل والعطاء والتحدي والمغامرة حتى قيل " الشباب شعبة من الجنون " والشاب
يفعل في الحياة خيرا أو شرا مالا تفعله أمة كاملة من الصبيان ومعها أمة أخرى من
الكهول والشيوخ لذلك أكد القرآن كثيرا على فتوة كثير من الانبياء والصالحين من مثل
أصحاب الكهف وإبراهيم ولم يكن سائر الاصحاب تقريبا وهم الذين حملوا دعوة الاسلام
إلينا وإلى العالمين حية سوى شبابا حتى أنه عليه السلام أمر أسامة إبن زيد وهو في
العقد الثاني من عمره لذب الروم في أقاصي الشام على مئات من خيرة الاصحاب سبقا
وعلما ودراية وبلاء ممن جاوز العقد الرابع والخامس . ولذات السبب تحرص اليوم الدول
والحكومات العاقلة الراشدة الحريصة على بناء مستقبل بلدانها حتى بعد ممات حكامها
وسلالاتهم على تعديل العمران السكاني على أساس وفرة الشباب عبر تشجيع التناكح
والتناسل لان الشباب هو العائل للبلاد وللامة والشعب بكفاح يديه ضربا في الارض
وبعطاء عقله كشفا للعلوم ولو مات التناكح مات التناسل وهرمت البلاد وورثها من هم
أكثر عدا.ويتوافر الشاب عادة سيما لو لقح بالمنهج الاسلامي على أكبر معطيين
يجعلانه عامل بناء وقهر للشدائد ومصنعا للانسان في محضن الاسرة وهما : القوة
النفسية عبر الطموح والامل والتوكل والقوة البدنية عبر إستواء بنائه الهرموني فإذا
ما بنى عش الزوجية تضاعف ذلك ودر على البلاد خيرات لا حصر لها . وفي تاريخنا
المعاصر لا يمر التغيير سوى عبر الشباب .
ثالث الرساميل : العلم
.
العلم في أصله رأسمال
معنوي روحي نفسي عقلي سوى أن كل تمدن وتحضر فوق الارض هو وليد ذلك الرأسمال كما
تنتج البهيمة عجماء ورأسمال العلم موقورفي الانسان وقرا فطرة " وعلم آدم
الاسماء كلها " وآدم هو من علم الملائكة تلك الاسماء مباشرة بأمر منه سبحانه
تكريما له " الرحمان علم القرآن خلق الانسان علمه البيان " وهو أي العلم
تتعاون في إنتاجه قوتان في الانسان عقله من جانب ونفسه من جانب آخر إذ العلم لدى
خائر الهمة خذلان له وللمتلقي عنه وهو لدى طائش العقل ممتلئا حمقا وبلاهة مضر وليس
كالعلم مظهرا من مظاهر تحرير الانسان وتكريمه وهو به على الملك مفضل مسجود له وهو
به مكلف مؤهل مسؤول مستخلف مستأمن مبتلى والعلم والعمل تماما كالشجرة وثمرها ولك
أن تنظر في حال الناس بأي الشجر يحفلون بالمثر المغدق ولو ظلا أو كلا نعم أم بشجرة
الزقوم ؟ وليس مطلوبا لذاته لطالب الدنيا دون الاخرة ولطالب الاخرة دون الدنيا
ولطالب الدنيا والاخرة معا وهو حال المؤمن دون غيره سوى العلم ولو لم يكن العلم
على ذلك القدر لما كان مفتاح الخطاب الرحماني " إقرأ " ولما كانت سورة
القلم الذي به أقسم سبحانه حتى قال قائل حكيم بأن مدار الاسلام على ثلاث وهي سورة
القلم رمزا لمكانة العلم آلة الانسان في الحياة وسورة الشورى رمزا للجماعة الجامعة
بين مطلبي التوحد والحرية وسورة الحديد رمزا للجماعة القوية قوة مدنية وقوة حربية .
ولو إطلعت اليوم على من حولنا من الامم والشعوب لالفيت بيسر أن العلم من عطاء ربك
غير المحظور على كافر ولا مؤمن كلما طلبه وأن السؤدد لاهل العلم ولو كفروا
والهزيمة والذلة لاهل الجهل ولو آمنوا .
رابع الرساميل : المال
.
لا يسأل الانسان عن
سائر رساميله من لدن مالكها وواهبها مرتين سوى عن رأسمال المال "من أين
إكتسبه وفيم أنفقه " وذلك بخلاف العلم فلا يختلف الامر في إكتسابه ولو من
كافر ظالم كابر عن كابر كلما كان العلم صالحا نافعا صحيحا وبخلاف الحياة والشباب
لان إكتسابهما هو قطعا منه سبحانه والسبب في ذلك راجع إلى أن الانسان لا يظلم ولا
يظلم في إكتساب حياته وشبابه وعلمه لان حياته وشبابه لا يستشار في كسبهما أصلا فهو
إختيار رحماني محض أما علمه فلا يسأل عن مصدر كسبه لان العقل كفيل بنخل صحيحه من
سقيمه فلا يضر العقل علم ضار لانه مزود بنظام المناعة الذاتية إذ حتى لو تعلم
المؤمن السحر بحسب إبن تيمية فإنه لن يستخدمه سوى لدفع ضره عن نفسه وعن غيره وكذلك
بسبب أن كسب العلم لا يقبل عليه في العادة سوى من قمع هواه وغلب شهوة الدعة فيه
والخمول بخلاف المال فإن المحذور أن ينقاد طالبه بمحض شهوته فيكسبه من حرام لذلك
يسأل عن مصدر كسبه لماله حتى قالت بعض الاحاديث أنه يسأل عن خمس بدل أربع بإعتبار
أن المال ينصرف مرة للكسب ومرة أخرى للبذل . رأسمال المال هو في مقابل رأسمال
العلم ولكنها مقابلة تتكامل لا تتنافى فرأسمال العلم يهتم ببناء النظام الدفاعي
الداخلي بينما يهتم رأسمال المال ببناء النظام الدفاعي الخارجي ولا قوام للانسان
سوى بالعلم وبالمال معا والجامع بين حد أدنى منهما معا هو المؤمن حقا بخلاف الفاقد
لكليهما أو لاحدهما بالكلية وليست الحرب اليوم في الشرق والغرب سوى لاجتثاث كسب
العدو من ذلك وفرض كسبه عليه فرضا فبإسم العلم تعدل مناهج الاسلام في بلادنا وتجفف
ليتمكن المحتل من فرض علمه وبإسم المال تعقد التحالفات وتحتل بلاد النفط والماء
وتنظم العلاقات التجارية على أساس كسر الحواجز أمام حركة المال نقدا وبضاعة ليتغلب
القوي ويقهر الضعيف والقوي بماله لا يقهر عادة حتى لو كان ضعيف العلم والقوي بعلمه
لا يقهر عادة حتى لو كان قليل المال فهل بعد رساميل العلم والمال سيما ضمن طور
الشباب على مستوى أمة من الامم وضمن نعمة الحياة بأسرها رساميل أخرى يمكن أن يمتن
بها عليك ممتن ؟
الخلاصة : أنت تاجر
وهبك الغني رساميل أربعة وهي الحياة والشباب والعلم والمال ودعاك إلى المضاربة في
أرضه برا وبحرا وجوا وزودك بسائر أدوات تجارتك من عقل وقوة وجماعة وأرض وفترة
زمنية كافية وخبرة تاريخية من قصة من سبقك ثم هو سائلك عن رساميلك وأرباحها يوم
القيامة فلا تتبع سبيل من حول الحياة فرصة ذهبية للاستمتاع الرخيص يقضيها بأسرها
عاريا على شاطئ بحر جميل ولا سبيل من إستخدم قوة شبابه إرادة وبدنا للافساد فإن ما أفسد الشباب لن ينصلح إلا
توبة متوبة ولا سبيل من إستكبر بعلمه فطوعه لقتل الناس أو هان عليه فداسته الاحذية
العسكرية والكسروية القذرة صكوك غفران لجرائمهم ولا سبيل من ظلم نفسه مرتين بماله
فكسبه بالسحت والربا والنهب والمسألة ثم أنفقه إسرافا في مباح أو تبذيرا في حرام .
الحياة بسائر رساميلها فرصة وحيدة ولا ريب ولكنها فرصة العامل المجتهد الذي لا
يلغي الاستراحة والمتعة إستقواء على وعثاء الطريق فاليوم عمل ولا حساب وغدا حساب
ولا عمل.