مأساة الإعلام في تونس
بقلم : محمد
كريشان
دعنا جانبا من كل
الكلام السياسي الذي قيل ويقال عن الدعوة التي وجهت لرئيس الوزراء الإسرائيلي
لحضور القمة الدولية للمعلومات في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل في تونس، فما قاله
المعارضون قالوه وما ردت به السلطة ردت به والمسألة ما زالت مرشحة للتداول طالما
ظلت الدعوة قائمة، دعنا من كل ذلك، علي أهميته طبعا، ولنلق نظرة سريعة عن الكيفية
التي تعامل بها الإعلام في تونس مع هذا الحدث لنقف معا عند نفس الأعراض التي تتكرر
باستمرار مما يجعل مرض الإعلام هناك مرضا مزمنا يكاد يصبح شفاؤه ميئوسا منه.
الخبر عرفه التونسيون
من وسائل إعلام أجنبية نقلته بدورها عن صحف إسرائيلية وهذه ليست أول مرة يقف فيها
المواطنون علي ما يدور في بلدهم بهذه الطريقة وهم في بلد يعتبر من أوائل من عرف
الصحافة المكتوبة في عالمنا العربي.
بعد ما فاح الخبر
وعرف به الجميع، في عصر من الغباء الاعتقاد فيه أصلا بإمكانية التعتيم علي الأخبار
كما كان الشأن في السنوات الخوالي، لم تر الصحف التونسية الأمر يستأهل أكثر من
سطرين في زاوية من الزوايا مع أنه كان العنوان الأبرز، أو أحدها علي الأقل، في
معظم الصحف العربية والدولية.
لم يتقدم أحد من
المسؤولين التونسيين في الداخل أو الخارج لشرح حيثيات الموقف كما تراه الحكومة
ومحاولة الدفاع عنه فالكل لزم صمتا مطبقا، كشأنهم دائما عندما يكون المطلوب منهم
أن يتحدثوا. وعندما قرر أحدهم أخيرا الحديث توجه، مرة أخري، إلي التلفزيون الرسمي
مع أنه لو فعل ذلك أولا ثم توجه إلي غيره لاحقا لكان ذلك تصرفا معقولا أما أن
يكتفي بالحديث في تلفزيون، لا يتابعه ولا يقدره الحقيقة كثير من أبناء البلد، فأمر
غير ذي جدوي وهو أشبه ما يكون بمن يختار الرد علي ما يقوله عنه أبناء الحي بالحديث
إلي نفسه في إحدي غرف بيته!!.
من تقدم لشرح الموقف
التونسي، بعد ما يؤذن لهم طبعا، هم ذات الوجوه التي تنبري في كل أزمة وهي في
غالبها إن لم تكن تفتقر للحجة وسلاسة الحديث فهي بالتأكيد تفتقر للمصداقية والسمعة
الطيبة في أوساط رأيها العام الداخلي قبل الخارجي. المضحك المبكي هنا أن بعض هؤلاء
وبعد ما يعتقدون أنهم أبلوا بلاء حسنا في المنابر التي تحدثوا فيها تنهال عليهم
فيما بعد بعض الأقلام في صحف معروفة التوجهات ليشتموا شر شتيمة ويقال لهم من خولكم
الحديث في كذا وكذا والقول كذا وكذا!!.
هناك هيئة تسمي وكالة
الاتصال الخارجي تنظم كل ما له علاقة بصورة تونس في الاعلام الخارجي والعلاقة مع
مراسلي وسائل الإعلام الأجنبية في البلد وخارجه. هذه الهيئة تصمت بالضبط عندما
يكون حديثها مطلوبا. وعندما تتوجه إلي مسؤوليها وسائل الإعلام الأجنبية لمعرفة
موقف تونس الرسمي من مسألة ما، وبالسرعة التي أصبح يتطلبها الإعلام المعاصر طبعا،
لا يفعلون معها شيئا سوي التسويف في الحصول علي جهة حكومية تتحدث إليها وأحيانا
يفضل القائمون عليها عدم الرد علي هواتفهم الشخصية.. فهذا أسلم علي ما يبدو!!
لقد كشفت أزمة دعوة
شارون إلي تونس مرة أخري عورات الإعلام التونسي الذي بات، بكل أسف ومرارة، من أكثر
الإعلام تخلفا وغباء في البلاد العربية والعالم بعد أن كان سباقا في الثمانينات
إلي التعددية وجرأة الطرح. هذا المجال الاستراتيجي الذي تهتم به الدول أحيانا أكثر
من اهتمامها بسياساتها نفسها لما له من دور خطير في رسم صورة البلاد في الداخل
والخارج أصبح في تونس مرتعا لكل العباقرة في عدم الكفاءة وضيق الأفق. الصحافة
الحرة البعيدة عن الوصاية والتعليمات هي في كل بلد صمام أمان قادر علي ضمان معرفة
بوصلة البلاد وما يتفاعل داخل نخبتها من حراك كما أنه القادر دائما علي التنبيه للهزات
وحتي امتصاصها إلا في تونس التي بح صوت أبنائها ومحبيها منذ سنوات طويلة بضرورة
تغيير هذا النهج الإعلامي العقيم الذي طواه العالم إلي الأبد... ولكن لا حياة لمن
تنادي!!