«إينشتين الأمريكي» ومعادلة الدمقرطة العربية والتطبيع الإسرائيلي

 

 

بقلم :خالد الحروب 

 

سياسة الارتشاء المتبادل ومقايضة السكوت الغربي إزاء دكتاتوريات الشرق الأوسط مقابل تمرير مصالح غربية معروفة هي سياسة معروفة ومقرفة ودفعت شعوب المنطقة ثمنها غالياً على مدار العقود الستة الماضية. الجديد هو أن يُعاد بعث تلك السياسة يداً بيد مع تعالي الإعلان عن سياسة أمريكية تستهدف دمقرطة الشرق الأوسط. السياسة الأولى «الارتشاء» تبطل الثانية «الدعوة إلى الديمقراطية» وتجعل الدعوة إلى الدمقرطة سخيفة ومزحة سوداء لا فائدة منها سوى تعميق الإحباط الشعبي من فكرة الديمقراطية واستدامة ربطها بالقوى الأجنبية.

 

الوصفة القديمة ـ الجديدة تقول إذا أردت أن تتغاضى الولايات المتحدة عن قمعك لشعبك وتتسامح مع نظام حكمك الدكتاتوري امنح أمريكا ما تريد وقدم لها رشوة من العيار الثقيل. وهناك أنواع مختلفة من الرشى تمتاز بفاعلية كبرى وما عليك سوى اختيار المناسب منها بحسب الظرف و«الإمكانيات»! مثلاً هناك رشوة «التوقف» عن برامج تطوير أسلحة دمار شامل. وهنا إذا أردت أن تتحول من زعيم يهدد أمن العالم والأمن القومي للقوى الكبرى إلى قائد حكيم ويحظى بالود الغربي الفجائي اعترف بأنك كنت منهمكاً في مشروع سري لبناء سلاح من أسلحة الدمار الشامل. ثم أعلن أنك ندمت على فعلتك تلك وأقلعت عن الذنب «ثم افتح أبواب بلدك للتفتيش الدولي ـ الأمريكي ـ بعدها تحصل على صك البراءة» وتواصل استمتاعك بقمع شعبك ولن يزعجك جورج بوش بعدها بقصة الديمقراطية وحقوق الإنسان. وهناك رشوة مشهورة في السنوات القليلة الماضية لها سحر خاص وهي «التعاون مع الولايات المتحدة في حربها ضد الإرهاب»، وهي رشوة بالغة الفعالية في أوساط الدوائر الضيقة بجورج بوش. وبها تستطيع أن تلعثم الرئيس الأمريكي عند الحديث حول أوضاع حقوق الإنسان في بلدك فيتحول بلدك بقدرة قادر إلى واحة ديمقراطية بضربة تصريح واحد من قبل الزعيم الحر الأقوى في العالم.

 

لكن تبقى الرشوة الذهبية الكبرى وذات الفعالية العابرة للظروف الزمانية والمكانية والمتغيرات المتعددة والسنوات والأحداث هي فتح العلاقة مع إسرائيل، فهنا «ضربة المعلم». فإن أردت أن تسكت أي أصوات ناقدة في الكونغرس الأمريكي لا تني تفتح الملفات الوسخة من انتهاكات حقوق إنسان «إلى توالي انتخابات رئاسية هزلية مزيفة ومزورة» وإذا أردت أن يختفي النقد الذي يستحقه نظامك بجدارة من على ألسنة المسؤولين الأمريكيين ومن ورائهم الغربيون عموماً فما عليك إلا أن تولي وجهك شطر تل أبيب! عندها تحل كل المعضلات. وعندها سيكون الرئيس ووزيرة خارجيته ووزير دفاعه وكل أركان حكمه إلى جانبك يشيدون بحكمتك وبعد نظرك وحسك الإنساني المرهف «الذي يغيب تماماً عند تعاملك الوحشي مع شعبك طبعاً».

 

لكن كيف تشتغل هذه الرشوة مع الدعاوى الأمريكية للدمقرطة والانفتاح السياسي وسيادة حكم القانون والخضوع للإرادة الشعبية في الخيارات السياسية؟ هذا السؤال غير موجه لك، فما عليك أنت إلا أن تستمتع بعوائد الرشوة التي قمت بها سواء بدعوة إسرائيليين إلى بلدك، أو باحتضان مؤتمر يحضره شارون، أو بإرسال «حجاج» إلى القدس، أو بدعوة وزير إسرائيلي كي يشارك في «حوار» ما سواء تلفزيوني أو غيره في عاصمة بلدك، أو بأية وسيلة أخرى لن تعدم اجتراحها. لكن السؤال موجه إلى «إينشتين الأمريكي» الذي نطلب منه حل هذه المعادلة المستعصية علينا والمتعلقة بإحلال الديمقراطية في العالم العربي. المعادلة تقول ما يلي: الغالبية الكاسحة للأنظمة العربية مستبدة وغير ديمقراطية وشعوبها تكرهها، إسرائيل دولة مغتصبة ومحتلة وعنصرية وشعوب المنطقة تكرهها كما تكره أنظمتها وأكثر، أمريكا أيدت وتؤيد الأنظمة المكروهة وإسرائيل المكروهة، لهذا فهي تظفر أيضاً بكراهية شعبية مزدوجة.

 

أمريكا من جهتها، ومن جهلها، غاضبة على الأنظمة لأنها لم تعرف كيف تدير مسألة «الكراهية المزدوجة للأنظمة وإسرائيل» التي ولدت العنف والتطرف في المنطقة. أمريكا تقول إنها تريد دمقرطة هذه الأنظمة وتنفيس الاحتقان على صعيد الكراهية الشعبية الأولى الموجهة للأنظمة والمولدة للتطرف بأمل أن يؤدي ذلك إلى فسح المجال أمام الغضب الشعبي كي يجد لنفسه تعبيرات سلمية عوض أن ينجرف إلى التطرف.

 

هذا جميل، لكن ماذا على صعيد سبب الكراهية الثانية، كراهية إسرائيل؟ هنا «العبقرية السياسية الأمريكية» حيث تقوم أمريكا نفسها بدفع نفس تلك الأنظمة المكروهة إلى فتح أبوابها للإسرائيليين من دون تحقيق سلام عادل وشامل، ولشارون المتهم بجرائم حرب ضد الإنسانية والمكروه بشكل لا مثيل له في العالم العربي، وهكذا فهي تعزز الكراهيتين معاً. أي أن أمريكا تفاقم من الاحتقان في الكراهية الثانية، ضد إسرائيل، وتعزز الكراهية الأولى ضد الأنظمة التي تخضع للطلب الأمريكي على الضد من الرغبة الشعبية. الانفتاح على إٍسرائيل بطريقة الوله والشبق السياسي المتسرع ليس قراراً ديمقراطياً ولا يتماشى مع الإرادة الشعبية، بل هو ضدها، ويؤدي إلى عكس ما يُراد منه. هو قرار دكتاتوري بامتياز، يكرس الاستقطاب الداخلي. ولأنه يتم في أجواء إنسداد سياسي مطبق لا مجال فيه للعمل فوق الأرض، فإن الرد عليه يأخذ شكل انسحابات باتجاه تيارات العنف والتطرف التي تعمل تحت الأرض.

 

وهكذا، تتفاقم الكراهيتان، كراهية الأنظمة وكراهية إسرائيل، بحيث إن أي انفتاح ديمقراطي أو سياسي أو إنتخابي مهما كان جزئياً ستكون نتيجته الطبيعية هي تفريغ النقمة والغضب باتجاه «المكروهين». ويكون الفائز هو الأعلى صوتاً على أن يكون الممثل الشرعي والوحيد للكراهيتين: إسرائيل والأنظمة. على ذلك، فإن الدمقرطة ستجلب «أعداء» إسرائيل وأمريكا.

 

والأهم من ذلك هو أن «الأغلبية الصامتة» التي يحلو لبعض المحللين الأمريكيين الأمل بها في البلدان العربية هي في الواقع كارهة للولايات المتحدة وللأنظمة التي تؤيدها. لهذا فالمشكلة ليست في واقع الأمر مع جماعات هامشية متطرفة، تقدم بتطرفها وعنفها الأعمى في أغلب الأحيان مسوغات كبرى للمنطق الأمريكي، بل هي مع الغالبية الكاسحة من الشعوب التي ترى أن السياسة الأمريكية لم تساند أنظمة قهرتهم فحسب، بل وتريد أن تفرض عليهم أن يقبلوا إسرائيل شريكاً وصديقاً لهم من دون أن يكون لهم رأي في ذلك، بل وأن يقبلوا ذلك في نفس الوقت الذي يُهان ويُذل فيه إخوانهم الفلسطينيون من قبل نفس هذه الـ «إسرائيل». إنها ديمقراطية بالمطرقة الأمريكية الخارجية والسندان الإسرائيلي الإقليمي، فهل هذا ما يريده «المشروع الأمريكي لدمقرطة الشرق الأوسط»؟ سواء هذا ما كانت تريده أم لا فإن نتيجته النهائية لن تكون سوى ترسيخ التطرف وتذريه الاعتدال وجعله يبدو تافهاً وعميلاً في نظر الغالبية الشعبية.

 

تلعب السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط دور الراعي الحريص على تنمية التطرف، من دون تبرئة الظروف والعوامل الذاتية، وعلى رأسها الأنظمة القامعة وفكر التطرف الديني الذي لا يرحم أحداً. وعندما تصر الولايات المتحدة على «تطبيع العلاقات العربية مع إسرائيل» قبل أن تنجز الحدود الدنيا من الحقوق الفلسطينية ويشعر الشعب الفلسطيني بأن أرضه حررت وأن قدرا من الأمن والاستقلال والاستقرار قد تحقق، فإن الولايات المتحدة «ومعها إسرائيل» تصران على إخصاء أي تطور سياسي طبيعي نحو الديمقراطية في المنطقة. وتصران على تشويه فكرة الديمقراطية عندما تجعلانها مربوطة قسراً بالانفتاح الإجباري على إسرائيل وبالخضوع الطوعي للولايات المتحدة. وهنا فإن الفائز الوحيد من وراء هذه السياسة الصفيقة هو التطرف والدعوات المتطرفة.

 

فعندما تطأ قدما شارون أرضاً عربية وهو لا يزال يدوس بقدميه ذاتهما على حقوق الفلسطينيين صباح مساء فإن النتيجة ليست تطبيعاً بل دفعاً لمزيد من التطرف ولمزيد من الاحتقان. وعندما يتم ذلك على أرض وطن يتمنى أن يزوره مئات إن لم يكن آلاف المعارضين اللاجئين في الخارج المحرومين من العودة إلى بلدهم فإن ذلك لا يستجلب إلا نقمة إضافية على نظام الحكم، وعلى إسرائيل، وعلى أمريكا معاً وعلى أية ديمقراطية يمكن أن ترافق هذا الثلاثي.

 

ما يفوت على «إينشتين الأمريكي» في «رؤيته» للديمقراطية في الشرق الأوسط هو أنها لصيقة الصلة بإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي. وأن أي التفاف حول ذلك الصراع، ومحاولة تجاهله ثم المضي في أي مشروع سياسي إقليمي هو تجاهل ينم عن غباء.

 

كما أن أي تسريع في فرض التطبيع على المنطقة رغماً عن أنف شعوبها وعن طريق الاحتماء بأنظمتها الفاقدة للشرعية لا يجلب غير مزيد من الاحتقان الداخلي وغير مزيد من تغذية التطرف. وارتباط إسرائيل بمسألة الدمقرطة العربية ليس ارتباطاً متعسفاً بل مجرد تعبير عن تعقيد المشكلات في المنطقة وتداخلها المعقد.