صعود الإذاعات اليمينية الأمريكية وتأثيره على قضايا المسلمين والعرب

 

 

 

 

 بقلم: علاء بيومي

                    – مدير الشئون العربية بكير

 

ظاهرة صعود الإذاعات اليمينية الأمريكية لا تلقى الاهتمام الذي تستحقه في وسائل الإعلام ودوائر البحث العربية على الرغم من تأثيرها المتزايد على الرأي العام الأمريكي بصفة عامة، وعلى عدد من أهم قضايا المؤثرة على العلاقة بين أمريكا والمسلمين والعرب بصفة خاصة، ويسعى هذا المقال لتسليط الضوء على هذه الظاهرة الهامة من خلال الحديث عن نفوذها وأسباب صعودها خلال السنوات الأخيرة وتأثيرها على صورة الإسلام وعلى السياسة الخارجية الأمريكية وعلى علاقة الشعب الأمريكي بمسلمي وعرب أمريكا. 

 

صعود الإذاعات اليمينية وحجم نفوذها

 

تشير استطلاعات الرأي العام الأمريكي إلى أن نسبة كبيرة من المحافظين الأمريكيين (أكثر من 60 %) شعروا باستمرار على مدى العقد الماضي بأن وسائل الإعلام الأمريكية الكبرى مثل شبكات التلفزيون الرئيسية وغالبية الجرائد الرئيسية - فيما عدا جريدة وال ستريت جورنال - تقع تحت سيطرة اليسار الأمريكي وتروج لأجندته ولمرشحيه في الانتخابات بشكل مباشر أو غير مباشر.

 

وقد دفع هذا الشعور اليمين الأمريكي للبحث عن وسائل إعلام أخرى بديلة حيث ارتبط صعود اليمين كقوة سياسية جماهيرية خلال العقدين الماضيين بصعود موازي في تأثير وسائل الإعلام اليمينية التي تعيش فترة رواج ونفوذ خلال الفترة الحالية بعد أن دخلت وسائل إعلام أمريكية ذات توجه محافظ واضح كقناة فوكس نيوز والتي أطلقت في عام 1996 ومجلات مثل ويكلي ستاندارد ساحة المنافسة مع وسائل الإعلام الأمريكية الكبرى.

 

ولكن النجاح الكبير الذي حققه اليمين الأمريكي إعلاميا وقع في محيط إعلامي أخر غير متوقع للكثيرين وبشكل أذهل المراقبين وهو مجال الإذاعة وذلك من خلال ظاهرة تعرف باسم ظاهرة "برامج الراديو الحوارية"، وهي برامج إذاعية غير إخبارية تعتمد على أسلوب الحوار والجدل كأسلوب أساسي لها، ويتولى مسئولية إدارة الحوار وتوجيهه خلال هذه البرامج مذيعون غالبا ما تسمى البرامج بأسمائهم مثل "رش ليمبو" و"شون هانيتي" و"مايكل سافاج"، وعادة ما يتحول هؤلاء المذيعون خلال برامجهم إلى خطباء أيدلوجيين متحمسين يروجون لأفكارهم ولمعتقداتهم اليمينية بشكل واضح ويتخلون عن وظيفتهم المفترضة كإعلاميين موضوعيين يبحثون عن الحقيقية ويحاولون تقديم وجهات النظر المختلفة، لذا تتسم هذه البرامج في كثر من الأحيان بطابع أيدلوجي قوي وبصدامات صاخبة مع الجماهير ومع التيارات الفكرية المعارضة.

 

          وتشير الإحصاءات إلى أن عدد الإذاعات المخصصة بشكل كلي للأخبار وللبرامج الحوارية زاد من 75 محطة إذاعية في عام 1980 إلى 1400 إذاعة في الوقت الراهن، كما يشير استطلاع أجرته مؤسسة جالوب الأمريكية لاستطلاعات الرأي العام في عام 2002 إلى 22% من الأمريكيين يستمعون لبرامج الإذاعات الحوارية يوميا، كما ينصت 10% من الأمريكيين إلى هذه البرامج مرة واحدة كل أسبوع، في حين يستمع 29 % من الأمريكيين لهذه البرامج على فترات متفرقة، وتعني هذه الإحصائيات - والتي وردت في دراسة نشرتها مجلة المصلحة العامة (Public Interest) الأمريكية في صيف عام 2004 لأستاذ علوم سياسية أمريكي يدعى ويليام ماير - أن البرامج الإذاعية الحوارية تصل إلى ثلثي الشعب الأمريكي وأن ثلث الشعب الأمريكي حريص على متابعة هذه البرامج بانتظام.

 

          فيما يتعلق بسيطرة اليمين على هذه البرامج رصد ماير الإحصاءات الخاصة بأكثر البرامج الإذاعية انتشار، وتوضح هذه الإحصاءات أن أكثر البرامج انتشارا هي برنامج رش ليمبو ويقدر عدد مستمعيه بحوالي 14.5 مليون مستمع، يليه برنامج شون هانيتي والذي يستمع إليه 11.75 مليون مستمع، ثم برنامج المذيعة لورا شلاسينجر ويستمع إليها 5.5 مليون مستمع، والثلاثة هم من المذيعين المعروفين بتوجههم اليميني المحافظ القوي.

 

          كما أن 4 من أكثر البرامج الإذاعية انتشارا هي برامج يمينية محافظة و11 من البرامج العشرين الأولى هي برامج يمينية، في حين أن الليبراليين يكادوا يكونون شبه غائبين عن قائمة البرامج الإذاعية الحوارية العشرين الأولي والتي يصل عدد المستمعين لأكثرها انتشارا إلى 14.5 مليونا ولأقلها انتشارا إلى 1.25 مليون مستمع، وذلك لأن بقية هذه البرامج إما برامج غير سياسية أو برامج ذات توجه سياسي وسطي أو برامج ذات طبيعة تقدمية لا تصب بصورة مباشرة في صالح التيار الأمريكي السياسي الليبرالي.

 

فأكثر البرامج الحوارية التقدمية انتشارا هو برنامج المذيع الأمريكي المعروف هاورد سترن والذي يحتل المرتبة الرابعة بين البرامج الإذاعية الحوارية الأكثر انتشارا في الولايات المتحدة حيث يصل إلى 8.5 مليون مستمع، ولكن برنامج هاورد سترن يتبنى مضمون وأجندة أخلاقية إباحية يصعب على أي تيار سياسي الارتباط به.

 

أسباب سيطرة اليمين على البرامج الإذاعية الحوارية

 

فيما يتعلق بأسباب سيطرة اليمين على الإذاعة يرصد المراقبون عدد من التفسيرات الرائجة لهذه الظاهرة في دوائر الإعلام والسياسية الأمريكية.

 

حيث يرى البعض أن اليسار الأمريكي يفتقد لمذيعين من أصحاب كاريزما وقدرة على اجتذاب الجماهير مثل رش ليمبو وشون هانيتي وغيرهم من مذيعي اليمين المعروفين.

 

ويرى آخرون أن السبب الحقيقي يرتبط بنظرة اليمين الأمريكي للعالم وللقضايا السياسية والتي عادة ما تركز على المصلحة الوطنية الأمريكية بشكل أناني أحيانا كما تركز على قضايا داخلية واضحة ومحددة للمواطن الأمريكي، كما أن رؤية المحافظين للأمور عادة ما تتميز بالحدة ورفض وجهة نظر الأخر وتفضل النظر للأحداث من زاوية أحادية الجانب إلى حد ما، في حين أن رؤية اليسار الأمريكي قائمة على التعددية ورفض فكرة النظر للعالم من خلال لونين فقط هما الأبيض والأسود، فاليسار أكثر رغبة في النظر للأمور والقضايا السياسية من زوايا وبدرجات مختلفة، وهو ما قد يمثل تحديا إعلاميا لأن المستمعين أو العامة غالبا ما يفضلون النظر للأمور بشكل أحادي مبسط، مما يضعف قدرة الليبراليين على اجتذاب المستمع الأمريكي العادي.

 

فريق ثالث يرى أن اليمين يسيطر على الإذاعات الأمريكية بسبب امتلاك الشركات الكبرى لهذه الإذاعات ولأن الشركات الكبرى مملوكة لأثرياء يمينيين، ويرى ويليام ماير أن هذا التفسير ضعيف لأن فكرة سيطرة اليمين على وسائل الإعلام الأمريكية تعجز عن تفسير ترويج غالبية شبكات التلفزيون والجرائد الأمريكية الكبرى لأجندات ليبرالية، ويرى ماير أن رأس المال وأصحاب الشركات الكبرى عادة ما يتبعون أذواق الجماهير وتفضيلاتهم وليس العكس.

 

هناك فريق رابع يرى أن اليمين الأمريكي يتميز بالوحدة والتجانس العرقي والديني مقارنة باليسار الذي يسعى لتمثيل الأقليات والجماعات الدينية والعرقية والأيدلوجية الجديدة والمختلفة، ويرى هؤلاء أن تعددية اليسار هي أحد أسباب ضعفه لأنها تشتت موارده، لأن الأفارقة الأمريكيين على سيبل المثال والذين يصوت غالبيتهم بشكل منتظم لمرشحي الحزب الديمقراطي عادة ما يفضلون إنشاء ومشاهدة برامج ومحاطات إذاعية خاصة بهم، إذ يشعرون في العادة بأن البرامج الإذاعية الليبرالية اليسارية لا تمثلهم بشكل كافي إذا لم يكن فيها عدد كبير من المنتجين والمقدمين الأفارقة، وعادة ما يعبر اللاتينيون الأمريكيون عن مشاعر مشابهة ويفضلون مشاهدة برامج تتحدث بلغتهم الأصلية.

 

كما يعتقد البعض أن الإعلام اليميني في صعود لأن أمريكا بطبيعتها هي بلد محافظ وأن أعداد من يشعرون بالانتماء للأيدلوجية المحافظة بشكل مستمر وقوي هم أكثر من الليبراليين، وعادة ما يستشهد أنصار اليمين الأمريكي خلال الشهور الأخيرة بكتاب جديد أصدره مراسلا مجلة ذا إيكونوميست البريطانية في واشنطن وهما إدريان ولدريدج وجون ميكلثويت في صيف العام الماضي بعنوان "أمة اليمين: قوة المحافظين في أمريكا" والذي يروج لفكرة أن أمريكا مقارنة بأوربا والدول الغربية هي أمة يمينية محافظة.

 

نظرية أخيرة ترى أن اليمين اتجه للسيطرة على الإذاعة لشعوره بسيطرة شبكات التلفزيون والجرائد الأمريكية الكبرى مما دفعه للبحث عن بديل أخر مختلف، ويرى هؤلاء أن اليسار لا يسيطر على الإذاعات الأمريكية لأنه ليس في حاجة إليها، ومن الواضح أن هذه النظرية تتبنى وجهة نظر اليمين تجاه الصراع القائم بينه وبين اليسار على السيطرة على وسائل الإعلام الأمريكية كما أنها تقلل من حجم الأزمة التي يشعر بها اليسار الأمريكي بسبب خسارته لمعركة السيطرة على البرامج الإذاعية الحوارية متزايدة الأهمية.

 

تأثير الظاهرة على قضايا المسلمين والعرب

 

          بغض النظر عن الأسباب الحقيقية الواقفة وراء صعود الإذاعات اليمينية ودورها في تشكيل الرأي العام الأمريكي ينبغي علينا الانتباه إلى حقيقة هامة وهي أن هذه الظاهرة باتت مؤثرة على قضايا المسلمين والعرب في أمريكا على مستويات ثلاثة هامة ومترابطة.

 

          المستوى الأول هو مستوى صورة المسلمين والعرب كجماعة وصورة الدين الإسلامي، فخلال السنوات الأربعة الأخيرة اعترض مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية (كير) - المعني برصد ما تتعرض له صورة الإسلام في وسائل الإعلام الأمريكي من تشويه والرد عليها – على محتوى بعض برامج التي أذاعها ثلاثة من أشهر أربعة مذيعين محافظين وهم شون هانيتي ولورا شلاسينجر ومايكل سافاج، وكان سبب الاعتراض هو تبني هؤلاء رؤى شديدة الإساءة للإسلام والمسلمين بشكل مباشر أو من خلال استضافتهم ببعض القادة الدينيين اليمينيين المتطرفين من أمثال المبشر الأمريكي المعروف والمتطرف بات روبرتسون.

 

          المستوى الثاني هو مستوى السياسة الخارجية وقد لعبت وسائل الإعلام اليمينية دورا مثيرا للقلق في تأييدها الصاخب للحرب على العراق ولسياسات إدارة الرئيس جورج دبليو بوش تجاه العالمين والعربي والإسلامي وللتيارات المنادية باعتبار الإسلام عدوا جديدا للولايات المتحدة، وقد لفت هذا التأييد انتباه بعض المحللين والمراقبين العرب الذين هالهم موقف وكالات الإعلام اليمينية والتي تحولت إلى أبواق أيديولوجية غير مبالية بالموضوعية، ولكن للأسف انصب غالبية هذا الاهتمام على شبكة فوكس نيوز اليمينية بشكل أساسي وعلى بعض مجلات اليمين، ولكنه لم يتطرق لمتابعة ودراسة إذاعات اليمين ومحتواها ونفوذها، وذلك لأن الإذاعات بطبيعتها ظاهرة محلية داخلية يشعر بها المقيمون في أمريكا أكثر من غيرهم.

 

          المستوى الثالث هو دور الإذاعات اليمينية في التأثير على العلاقة بين الشعب الأمريكي ومسلمي وعرب أمريكا، فالمعروف عن بعض فئات اليمين تأييدها لأجندات معارضة للمهاجرين وللأقليات إلى حد ما، كما أظهر استطلاع أعلنت كير نتائجه في شهر أكتوبر الماضي أن المحافظين الأمريكيين أكثر ميلا بشكل ملحوظ للنظر للإسلام والمسلمين بشكل سلبي مقارنة بالمنتمين للتيار الليبرالي الأمريكي، كما أظهر استطلاع أعلنت نتائجه جامعة كورنيل الأمريكية في شهر ديسمبر الماضي أن 44% من الأمريكيين يعتقدون أن الحد من حريات مسلمي وعرب أمريكا هو أمر ضروري، وقد أظهر الاستطلاع نفسه أن أصحاب الأجندة اليمينية المتدينة أكثر ميلا للمطالبة بالحد من الحريات مسلمي أمريكا مقارنة بغير المتدنيين بنسب واضحة تصل للضعف أحيانا.

 

          وتؤكد هذه الإحصاءات والأفكار على حقيقة هامة وهي ضرورة الوعي بهذه الظاهرة الخطيرة واسعة التأثير والتخطيط لها ولمواجهتها فلم يعد كافيا أن تقتصر معرفتنا بوسائل الإعلام الأمريكية على شبكات التلفزيون والجرائد الأمريكية الكبرى فقط.

 

 

 

 

نقلا عن الجزيرة نت