إرهاصات التغيير

 

 

 

 

بقلم:د. عبد الحميد الغزالي

 

لا شك أن الشعوب الحية الناهضة, ذات الحراك الديمقراطي, هي التي لا تقف عند الحدث تهلل له أو تشجبه, وفقًا لإرادة القيادة السياسية, وإنما هي تلك الشعوب التي تسارع بالتفاعل مع الحدث من خلال الدراسة والبحث والتحليل, لتحدد آثاره علي مسيرة العمل الوطني وعلي تشكيل حياتها في الحاضر والمستقبل, بهدف الاستفادة من هذا الحدث لدفع المسيرة لخيرها, بل لخير البشرية جمعاء.

 أما الشعوب التي تعيش حالة حادة من الاحتقان الديمقراطي والكبت السياسي, ولا أقول الديكتاتورية المطلقة والفردية المستبدة, فإنها تقف عند الحدث ولا تتجاوزه.. منتظرة أن يولد الحدث نفسه, أو يقدم من تسبب فيه, تداعيات تشكل في النهاية حياتها.

 وهذا ما حدث بالضبط عند اقتراح السيد الرئيس تعديل المادة (76) من الدستور. فلقد هلل وامتدح الجميع, وبحق, هذه الخطوة «المفاجئة» والإيجابية علي طريق الإصلاح الدستوري وإرساء الديمقراطية في مصر. ولم يتم حتي الآن تناولها التناول المطلوب والمأمول من جل من تعرض لها بالتعليق.

 بل إن مجلس الشعب (وكذلك مجلس الشوري) الذي يفترض أن يشارك في مثل هذه الاقتراحات الخاصة بالتحول الديمقراطي, بل يفترض أن تنبع أيضًا منه, طبقًا لنص المادة (189) من الدستور, سار في ركب الإشادة نفسه, وكأنه هيئة محايدة أشادت بالخطوة واستحسنتها, ثم شمرت عن ساعدها لتنفيذ ما طُلب منها حرفيًا وبالضبط لتنفيذه!

 بدايةً, أود التوكيد أن هذه الخطوة من أهم وأخطر الخطوات في تاريخ مصر, وإن كانت مجرد خطوة في طريق إصلاح دستوري شامل وكامل, خاصةً فيما يتصل باختصاصات رئيس الجمهورية, ولعل التهليل والترحيب من الكافة, وأنا منهم, كان يرجع إلي الأهمية المحورية للخطوة في عملية تحول ديمقراطي حقيقي, وإلي الفجائية التي تمت بها, خاصةً بعد أن كان الموقف الرسمي قبل أيام قليلة هو رفض أي تعديل للدستور في الوقت الراهن.

 وإسهامًا مني -كمواطن- لتفعيل هذه الخطوة الإيجابية علي طريق الإصلاح الدستوري المطلوب والتحول الديمقراطي الممكن والمأمول, أود أن أشير, مشددًا, علي النقاط التالية:

 أولاً: أحذر من خطر الالتفاف حول هذا الاقتراح لتفريغه من مضمونه, وذلك بوضع ضوابط تعجيزية لمن يحق له الترشيح للرئاسة. فبالرغم من أن الاقتراح يؤكد «كفالة الوسائل اللازمة لضمان جدية الترشيح», إلا أن حصر هذه الجدية في المؤسسات الدستورية «القائمة» وفي المجالس الشعبية المحلية -ونحن جميعًا نعلم كيف تم انتخاب أعضائها, كما أن الحزب الوطني الديمقراطي يستحوذ علي أكثر من (90%) من أعضائها- يشكل عقبة كآدّاء أمام التنفيذ الدقيق والأمين والحقيقي لهذا الاقتراح.

وعليه, واستنادًا إلي بعض التجارب المعاصرة, يمكن أن يكون معيار الجدية الأساسي هو حصول المرشح علي عدد معين من التوقيعات لمن لهم حق التصويت سواء علي مستوي الجمهورية, أو علي مستوي كل محافظة من محافظات الجمهورية, علي أن يوضع معيار لضبط هذه التوقيعات مثل تحقيق الشخصية, علي ألا يقل عدد التوقيعات -مثلاً- عن خمسين ألفًا, علي مستوي الجمهورية.

 ثانيًا: أشدد علي ما جاء في اقتراح الرئيس نفسه من ضرورة المساواة بين أفراد وفئات الشعب وقواه السياسية في هذا المجال» حيث أكد أن «المساواة تتحقق بالحرية والتعددية وفتح الأبواب لمختلف القوي السياسية» دون تمييز أو إقصاء. ومن ثم, لا يستثني من هذا الاقتراح أي فرد أو هيئة أو حزب أو قوة سياسية. وعليه, فإن النص علي «إتاحة الفرصة للأحزاب السياسية أن ترشح أحد قادتها» لخوض أول انتخابات رئاسية, يعد حصرًا واستثناءً لا مبرر له. وقد يضر بهذا التعديل ويفرغه من مضمونه.

 ثالثًا: لكي تكون هذه الخطوة جادة وحقيقية, يتعين أن يصحبها إلغاء كل معوقات التحول الديمقراطي من قوانين استثنائية, وعلي رأسها قانون الطوارئ, وتعديل قانون مباشرة الحقوق السياسية لضمان حرية ونزاهة العملية الانتخابية, وإطلاق حرية تشكيل الأحزاب وحرية إصدار الصحف, وضمان حرية العمل النقابي والأهلي والمدني دون تدخل من السلطة التنفيذية, وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وسجناء الرأي, وألا يحاكم المواطن إلا أمام قاضيه الطبيعي.

 رابعًا: أن يكون رأي الرئاسة بالنسبة لتفاصيل هذا الاقتراح رأيًا من بين الآراء, محترمًا بكل تأكيد, ولكنه ليس ملزمًا.. فإذا رأي الشعب ضرورة تحديد مدد الرئاسة بمدتين متتاليتين, كل منهما أربع سنوات, فيتعين الأخذ بهذا التعديل. وعليه, علي ممثلي الشعب (مجلس الشعب) إعمالاً للمادة (189) من الدستور أن يقترحوا تعديل المادة (77), والتي كانت أصلاً تحدد المدد بمدتين, وفقًًا لهذا الاتجاه.. ومن ثم, يُعرض هذا التعديل علي الاستفتاء الشعبي مع تعديل المادة (78). فالتدرج لا شك أنه أمر مفيد ومستحب, ولكن في الحالة المصرية, بعد عشرات السنين من احتكار السلطة, يعد التدرج أمرًا لا محل له, ومعوقًا بالتأكيد لمسيرة التحول الديمقراطي.

. خامسًا: الحرص علي عدم تفريغ الاقتراح من مضمونه, خاصةً فيما يتصل باللجنة العليا التي ستشرف علي الانتخابات. إذ جاء في الاقتراح: «تشكيل لجنة عليا يتوافر لها الاستقلال الكامل والحيدة وتعطَي كل الصلاحيات, وتقوم بالإشراف علي العملية الانتخابية من يوم التقدم للترشيح وحتي إعلان نتيجة الانتخابات». وهنا, يتعين التشديد علي ألا يكون أحد من بين أعضاء اللجنة, ناهيك عن رئيسها, من السلطات الثلاث -التنفيذية والتشريعية والقضائية- وإنما تتكوّن من رجال القضاء السابقين والشخصيات العامة, بالعدد المناسب, بحيث تبتعد عن أية شبهة ارتباط مع السلطة التنفيذية أو الرئاسة, علي أن تستعين في أعمالها بإشراف قضائي كامل.

. سادسًا: لضمان جدية العملية الانتخابية, وضمان «إشراف قضائي كامل» وحقيقي, يُقترح أن يكون الانتخاب علي يومين أو ثلاثة, أي جغرافيًا مرحلتين أو ثلاث, بدلاً من يوم واحد كما جاء في الاقتراح الرئاسي.

 سابعًا: الحرص التام, ووضع الضوابط الكفيلة, علي عدم تدخل رجال الأمن والشرطة في العملية الانتخابية, وأن يكون عملهم منحصرًا في تأديتهم لمهمتهم الأساسية وواجبهم الوطني المتمثل في حفظ الأمن والمحافظة علي النظام العام, صيانةً لأمن الوطن والمواطن بإنجاح هذا التحول.

 ثامنًا: أن هذا الاقتراح, وما قوبل به من إشادة وترحيب من جميع أفراد وفئات الشعب ومؤسساته وقواه السياسية, هو حقيقة مطلب مصري خالص وأصيل, وقوي وثابت, وممكن ومأمول منذ سنوات طويلة, لإعادة مصر لدورها الريادي والرائد لتقود بحق مسيرة الحداثة والتقدم في العالمين العربي والإسلامي, وليس بالقطع نتيجة لضغوط خارجية, رغم وجودها, والتي نرفضها شكلاً ومضمونًا, وجملةً وتفصيلاً, من حيث المبدأ والواقع في أي مجال, احترامًا لسيادتنا واعتزازًا بكرامتنا.

 تاسعًا: لضمان نجاح تطبيق هذا الاقتراح, يتعين ألا تقتصر عملية وضع ضوابط الترشيح علي مجلسي الشعب والشوري, بل يجب حث جميع أفراد الشعب وفئاته علي المشاركة الجادة والواعية في مناقشة هذا الاقتراح وتفاصيل تفعيله وضوابط تنفيذه, رفعًا للوعي السياسي للمواطن واحترامًا لإرادته, وحتي يخرج عن صمته وسلبيته, ويحس فعلاً وعملاً أن التحول الديمقراطي هذه المرة عملية جادة وحقيقية, وأيضًا آمنة.

 عاشرًا: ضرورة أن تحدد الضوابط الخاصة بالدعاية الانتخابية, خاصة الجانب الإعلامي منها, وأن تُعطَي فرص متساوية للمرشحين في وسائل الإعلام المختلفة المقروءة والمسموعة والمرئية, خاصةً أنها مازالت تحت سيطرة وملكية الدولة.

هذه هي بعض النقاط المرتبطة بهذه الخطوة التاريخية, والتي أشدد عليها, وأتمني أن تكون محور اهتمامنا ومناقشاتنا ومحاوراتنا خلال الأيام المصيرية المقبلة.. حتي لا تضيع هذه الفرصة الذهبية لإشاعة الديمقراطية من يدنا, وتستمر -لا قدر الله- الحال غير المقبولة علي ما هي عليه, وتنتهي هذه الخطوة الجريئة والرائعة كخطوة شكلية وتجميلية فقط!

***

خير الكلام: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} [الرعد:11].