يموت الشعب و تقتل القضية ويبقى المفاوض حيا...!!!
بقلم :عبد
الرزاق عمري
الحرب وسيلة تحقيق ما
عجزت عن تحقيقة المفاوضات، ولا يمكن للعكس ان يكون صحيحا. وهذا ما تردد على لسان
عبد الناصر مرارا وتكرارا حين قال "ما اخذ بالقوة لا يسترد الا بالقوة" بعد
حرب حزيران 1967 .
فمفاوضات السلام ممكن
لها ان تعقد بين خصمين متكافئين ويكون ثمن التنازلات المتبادلة من كلا الطرفين اقل
كلفة من غمام الحرب وكوارثها. اما في حالة عدم تكافؤ الخصمين، فلن تكون المحادثات
محادثات سلام، بل محادثات استسلام، حيث
يملي الطرف الاقوى شروطة على الطرف الاضعف وما على الطرف الاضعف الا الاذعان. وإذا
رفض الطرف الاضعف تلك الشروط، فهناك خياران:
الاول: ان يعاود
الخصم الاقوى الضرب ليعيد الطرف الاضعف للمفاوضات بشروط اصعب هذه المرة.
اما الخيار الثاني،
فهو إهمال الطرف الأضعف ووقف المفاضات الى ان يستجدي هذا الطرف متابعة المفاوضات، وهنا يعود الى
طاولة المفاوضات بسقف متدني اكثر مما كان في جولتة السابقة.
فهل يتوافق هذا الطرح مع الحالة
الفلسطينية؟
نعم. بل انه الحالة
الفلسطينية بعينها. فلنعد قليلا للوراء
ونشخص الحالة الفلسطينية والإستجداء والتراجعات وتدني السقف بعد كل عظمة رميت
لللاّهث الفلسطيني، وبُعيْدَ كل جولة مفاوضات خاضها ذاك المفاوض الفلسطيني الفذ.
من المعلوم ان منظمة
التحرير الفلسطينية تاسست بقرار عربي رسمي. وكان الهدف من تاسيسها غسل اليد
العربية الرسمية من مسؤولية القضية الفلسطينية وما يخبىء لها القدر الامبريالي
آنذاك. فبعد حرب السويس أو "العدوان الثلاثي على مصر كما هو معروف" ودخول
السوفييت المنطقة العربية من البوابة المصرية، بدأت تتكشف نوايا الغرب الامبريالي
بانهاء القضية الفلسطينيه وتكريس الكيان الصهيوني كأمر واقع مقبول ومتعايش معه في
المنطقه العربيه. لاقت تلك النوايا والتوجهات الترحاب العربي الرسمي وتكلف الحبيب
بورقيبة، الرئيس التونسي آنذاك، مهمة
التمهيد والترويج للحوار العربي الصهيوني على ارضية قرار التقسيم 29/11/1947. في
تلك الفترة، إذن، تأسست م.ت.ف. لتكون هي المسؤوله عما سيحل بالقضية الفلسطينيه. ورغم التراجع العربي الرسمي وشراسة العدو
والخلفية التركيبية لأعضاء المجلس الوطني الذي اسس م.ت.ف. ذالك الحين "حيث
عينت غالبية اعضائة بتزكية وبمباركة أو إقتراحات الانظمة العربيه "، الا ان
هذا المجلس لم يتخطى بل لم يحاول تخطي
الخطوط الحمراء التي رسمها الشعب الفلسطيني بعفويته الثوريه آنذاك.
في الخفاء، كانت قد
تبلورت حركة فتح من تجمعات يمينيه وبعضها من ذوي الطموح الكومبرادوري. ولقد سال لعاب تلك القياده
الناشئه على ما طرحه الحبيب بورقيبة، فأصبح تمثيل القرار الفلسطيني وليس تحقيقه هو الغاية الاولى لهذه القيادة.
وعليه، فقد تربصت تلك
القياده بمنظمة التحريرالفلسطينيه ورفضت الاشتراك بمؤتمراتها او مؤسساتها الا اذا
تسلمت قيادتها. ونجحت تلك القياده بتحقيق مأربها في الدوره الرابعه للمجلس الوطني
الفلسطيني الذي عقد في عمان سنة 1968 والتي كانت اول دورة تشارك بها الحركه. وعلى
اثره تسلم ياسر عرفات رئاسة اللجنه التنفيذيه لمنظمة التحرير واعتلت كوادر فتح
قيادة مؤسسات م.ت.ف. بما فيها رئاسة المجلس الوطني الفلسطيني.
يعتقدُ البعض، وهذا
ما تروج له القياده الفلسطينية وأبواقها، ان الشعب الفلسطيني وقيادته الفذه فقدوا
كل الخيارات وما كان خيار أوسلو إلا "مكرهٌ أخاك لا بطل" والحقيقه ان
القياده الفلسطينيه قد اختارت طريق مدريد - أوسلو "مؤتمر جنيف سابقاً" منذ
توليها قيادة م.ت.ف. فلقد عملت هذه القياده، وبدأب، على حرف المسار الثوري وتفسيخ
الثوره وإفراغها من محتواها الوطني وعزلها عن عمقها الجماهيري القومي العربي. كما
سحقت كل الاصوات الثوريه والوطنيه المعارضه لنهجها في الساحة الفلسطينية ولم
تتوانى عن ممارسة الإرهاب من فصلٍ وتجميد وتشريدٍ واغتيالات لخيرة ابنائها بهدف
تعميم سياسة "يا وحدنا" وتيئيس الشعب الفلسطيني ليتنازل عن طموحاته الوطنيه
وحقوقه التاريخيه ويقبل بأي عرض. فما بين مشروع روجرز والإعلان الهزلي للدوله
الفلسطينيه في الدوره الخامسة عشر للمجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر، وقبل ان
تدعى رسمياً للمفاوضات, تنازلت القيادة الفلسطينية عن كل ثوابت الشعب الفلسطيني
ولم يصل المفاوض الفلسطيني الفذ الى طاولة المفاوضات إلا عارياً مُخفياً عورته
بالعلم الأبيض.
فالمتتبع لنشأة ونمو
حركة فتح، يستطيع وبسهوله أن يتلمس الطموحات الحقيقيه لقيادة هذه الحركه والتي هي
أي شيء إلا التحرير. فرغم كل الشعارات الثوريه والوطنيه التي رفعتها فتح، لم يكن
لتطبيق هذه الشعارت اي حيز في برامج اعمالها. وما كانت إلا رقصٌ على المِنضَده، عل
وعسى ان يلحظها السيّد الإمبريالي ويمنُّ بدعوتها للمفاوضات. في الطرف الآخر من
المعادله، لم يغمض العدو الإمبريالي- الصهيوني عينيه عن الرقص الفلسطيني وإن تظاهر
بعدم الإكتراث ليس إلامن باب الإهمال ليتسارع خلع الثياب الفلسطيني حتى العراء
الكامل والإستجداء. فحيث لم تنجح القياده الفلسطينيه بخلق حالة غليان ثوري
جماهيري، ليس في المنطقه العربيه فحسب، بل حتى في الساحه الفلسطينيه. وللحقيقه،
فلقد كانت هذه القياده ترتعب من الحاله الجماهيرية وتحول دون تبلورها خشية أن يفلت
زمام الأمور من يدها. فقد استبدلت حرب الشعب بعسكرة الثوره وانتهجت اسلوب العمليات
الموسمية التحريكيه. ولعدم نجاعة هذا النهج، فقد استمرت القياده الصهيونيه بإهمال
العامل الفلسطيني في المعادله والإسهاب بالحديث عن الطاوله المستديره للمفاوضات
العربية - الصهيونية متجاهلةً الوجود الفلسطيني بكل اشكاله حيث لم تجد الرسمية
الصهيونية اي ضرورة للحوار مع القياده الفلسطينيه والتي لم تنعتها بالإرهاب بل "المخربين"
لتنزع عنها اي صفةٍ تاثيريه في المنطقه.
ما هي النتائج
المتوخاة من المفاوضات؟
كما ورد سابقاً، فقد
أخفقت القيادة الفلسطينية في إيجاد اي ضرورة للقيادة الصهيونية لأن تتحاور معها. حتى
ان تلك القيادة الغت مبرر وجودها المسلح في لبنان حين وافقت على وقف اطلاق النار
مع العدو الصهيوني سنة 1981 والذي بدوره لم يحترم تلك المعاهدة طويلاً حيث قام
بإجتياح لبنان سنة 1982 وتشتَّت القيادة الفلسطينية وقوات الثورة في اصقاع الأرض
العربية تحت الإشراف العسكري المباشر للدولة المستضيفه. وهنا، تم إغلاق الملف الفلسطيني في الأرشيف
الصهيوني وتحركت آلة القضم الصهيونية على قدمٍ وساق بمصادرة الأراضي وبناء
المستعمرات في الضفة الغربية وقطاع غزه حيث وجد الإنسان الفلسطيني في تلك المناطق
ذاته مهددة بالتلاشي، فهب الشعب بإنتفاضته الباسلة سنة 1987 وتالق نجم الطفل
الفلسطيني دوليا. والذي بحجره تحدى آلة الدمار الإمبريالية وحقق ذات الطفل وبفترة
وجيزه، ما أخفقت عن تحقيقه قيادة الثورة في عقدين. حيث تعرى الجيش الصهيوني من
مقولة "جيش الدفاع" وظهرللعالم على حقيقته العدوانية العنصرية وأعيدت
فكرة الأبارتهايد للذاكرة الدولية وارتفعت وتيرة التضامن العالمي مع الشعب
الفلسطيني الى ان وجدت الرسمية الصهيونية ان لا مفر من انهاء الإنتفاضة سلمياً
وباي ثمن. هنا أصبحت للمفاوضات ضرورة من وجهة النظر الصهيونية، ولكن من يمثل هذا
الشعب فهي أم القضايا. فمنظمة التحرير هي المؤهل الوحيد دولياً الا ان العدو
الصهيوني رفضها دون شروط مسبقه راح ضحيتها الميثاق الوطني وعدد من القادة ( أبو
جهاد وأبو إياد وأبو الهول) إضافة الى نبذ
كافة اشكال النضال ضد العدو الصهيوني وإقرار تلك القيادة بنبذ الإرهاب
واعتبار الكفاح المسلح الفلسطيني ارهابا.ً هذا، بالاضافة إلى القبول بالقرار مجلس
الامن 242 كإطار وارضية للمفاوضات والإعتراف المسبق بالكيان الصهيوني كدولة ذات
حقوق وسيادة في فلسطين دون ان يقدم الكيان الصهيوني اي اعترافٍ بحقوق الشعب
الفلسطيني
هذه هي المقدمات التي
قادت الى مدريد – اوسلو حيث وصل الوفد الصهيوني وقد حقق كل مآربه مسبقاً، كما وصل الوفد الفلسطيني متعرياً من كل
إمكانياته سلفاً. ففي ظل هذه المعادله. كيف تجري المفاوضات؟ للإجابه على هذا
التسائل، لا بد من تحديد مآرب كلا الطرفين على مائدة المفاوضات.
فعلى الجانب الصهيوني
والذي حقق اهدافه سلفاً، فقد كان هدفه من المفاوضات هو استمرار المفاوضات لإنهاك
المفاوض الفلسطيني وكسب الوقت قدرالإمكان فالوقت لصالح الطرف الصهيوني الذي تتسارع
مؤسساته الإستيطانيه والعسكرية بخلق متغيرات جديده على الأرض تخدم المفاوض
الصهيوني وربما لتعيد المفاوضات الى المربع رقم (1) كما فعلت المؤسسه العسكرية
لاحقاً بقيادة شارون وأعادت إحتلالها للضفة والقطاع وخلقت متغير الجدار الأمني
لمزيد من الإبتزاز وتقويض السقف الفلسطيني. وكان خير من عبر عن هذا النهج هو إسحق
شامير رئيس الوزراء الأسبق للكيان الصهيوني حين قال تعليقاً على مؤتمر مدريد "لو
كنا نحن (ويقصد حزب الليكود) في السلطة لاستمرت المفاوضات عشر سنوات اخرى دون
الوصول الى مدريد".
اما على الجانب
الفلسطيني، كما ذكر سابقا فقد وصل المفاوض الفلسطيني الى مائدة المفاوضات عديم
الخيارات الاّ الإذعان او في احسن الأحوال الإستجداء. وأي خيار آخر قد يلغي وجوده
أو ضرورة وجوده. والواضح من طبيعة سير المفاوضات، ان المفاوض الفلسطيني غير معني
بتحقيق اي حق للشعب الفلسطيني بقدرعنائه على تسويق العرض الصهيوني او فرض قبوله في
الشارع الفلسطيني.
فالمفاوض الفلسطيني
ليس مفاوضاً بل هو سمسار ما بين الكيان الصهيوني وجماهير الشعب الفلسطيني. فقد
لوحظ، منذ بدء المفاوضات، إفتقار جوقة المفاوضات الفلسطينية لاية صفة من صفات
المفاوض. فكثيراً ما دخلوا قاعة المفاوضات دون وثائق اوخرائط او حتى القرطاسية
منها. حيث اعتُمدت الوثائق والخرائط (السطحية/الطوبوغرافية والديموغرافية والجوفية
"الإسرائيلية"). فالهدف من المفاوضات للجوقة الفلسطينية هو الوصول الى "وفاق"
باي ثمن. فالوفاق "والإستقرار الأمني" يعيد الشركات "الإسرائيلية"
والدولية للتعامل مع الدولة العتيده، كما يفتح باب التبرعات الدولية لإعادة اعمار
وبناء "الإقتصاد" الفلسطيني، تلك التبرعات التي وإن وجد بعضها الطريق
خارج الحسابات الخاصة الى الصندوق الرسمي الفلسطيني، فسيجد مخارجه كمستحقاتٍ
لشركات الإستثمار والمقاولات التي تمتلكها جوقة المفاوضين وقادتهم.
ختاماً وبايجاز، تحلم
هذه الجوقة من الكومبرادور النامي في فلسطين بتلك الكعكة والتي ستوضع على المائدة
للإقتسام فور التوصل "للوفاق" فكلهم اصحاب شركات مسجله تنتظرالعقود او
وكلاء شركات اسرائيلية ودولية لن توقع العقود قبل التوصل الى "وفاق".
اما جماهير الشعب
الفلسطيني والتي التي تتعرض طموحاتها وحقوقها الوطنية التاريخية في فلسطين
للمتاجرة والتجاهل، فلن يتغير عليها سوى قوى القمع من الإسرائيلية الناطقة
بالعبرية اثناء الركل والشتم الى الفلسطينية الشاتمة بالعربية اثناء القمع.