الانتفاضة اللبنانية ولعبة الأقليات والتفتيت
بقلم : ياسر
الزعاترة
من الطبيعي أن نتساءل
في ضوء ما جرى في لبنان منذ اغتيال الحريري إلى الآن عن اليوم التالي لرحيل القوات
السورية، وهو تساؤل لا يسعى إلى وضع الحب في طاحونة الطرف المؤيد لبقاء تلك القوات
حتى لو كان لنا رأينا في طبيعة العلاقة اللبنانية السورية الذي لا يلتقي بالضرورة
مع طروحات المعارضة، فيما يتفهم الموقف الشعبي العام من التواجد المباشر، وربما
ثقيل الوطأة، للسوريين في الحياة السياسية والاقتصادية اللبنانية.
من المؤكد أن الذين
تحالفوا ضد الوجود السوري سيعودون مباشرة إلى قواعدهم القديمة متمترسين خلف
انتماءاتهم التقليدية طائفياً ومذهبياً، وصولاً إلى النزاع حول كيفية توزيع الكعكة
السياسية. وهنا يمكن القول إن قسمة الطائف، وإن بدت حلاً، إلا أنها ليست عادلة
بالمفهوم الديمقراطي. ولعلنا نتساءل هنا: هل يقبل سادة الحرية والديمقراطية في
لبنان نظاماً ديمقراطياً تعددياً لا يقوم على المحاصصة الطائفية ويتبنى نظام صوت
واحد لرجل واحد بصرف النظر عن تعداد الطوائف والمذاهب؟
من المؤكد أن أمراً
كهذا لن يكون مقبولاً بحال من الأحوال نظراً للقناعة بأن الشيعة في لبنان سيشكلون
الطائفة الأكثر عدداً إذا كانت القسمة طائفية ومذهبية في آن، فيما سيكون المسلمون
أكثر من النصف، ربما بكثير إذا كانت القسمة طائفية فقط، أي مسلمين، مسيحيين.
نطرح هذا التساؤل، لا
لتعزيز الانقسام، بل لنشير إلى حقيقة المعادلة التي تحكم اللعبة في لبنان، والتي
تتكرر في أكثر من بلد عربي، أعني لعبة الأقلية والأغلبية، أو الأقليات عموماً، تلك
التي تخضع في تحولاتها الاحتجاجية لمعادلات خارجية أكثر منها داخلية، ففي كل الدنيا
توجد أقليات مضطهدة، بل هناك فئات هي بمنطق الحساب أغلبية، لا زالت تعامل كأقلية
في صناعة القرار، لكن معادلة تحركها الاحتجاجي إنما تخضع لمعادلة خارجية داعمة أو
مشجعة، وهو وضع لا يبدو حكراً على الدول العربية والإسلامية أو دول العالم الثالث،
بل يتوفر في بلدان كثيرة، من بينها دول غربية وأوروبية، كما هو الحال في بريطانيا
مثلاً التي يشعر فيها كل من الشعب الاسكتلندي والويلزي أنه أقل شأناً من الإنجليز
على مختلف المستويات.
في سياق ما يفعله
الدعم الخارجي نتذكر حكاية الأكراد في شمال العراق، ترى هل كان بوسعهم التحرك والانفصال
عن العراق بزعامة صدام حسين لولا دعم الولايات المتحدة، تلك التي كانت شاهداً بل
مسانداً للزعيم العراقي في حربه ضدهم قبل ذلك بسنوات؟
ماذا بشأن ما يجري في
مصر الآن بالنسبة لقضية الأقباط؟ هل ثمة جديد في سلوك الدولة معهم هذه الأيام، أم
أنهم يشعرون أنهم أكثر قوة بالإسناد الأمريكي الذي لا يستهدف مصالحهم بقدر ما
يستهدف ابتزاز النظام المصري؟
منذ متى كان الأقباط
يتظاهرون من أجل فتاة اعتنقت الإسلام بمحض إرادتها، ثم يتمكنون من ردها إلى أهلها
رغماً عنها؟ مع أن هناك شيوعيين في مصر من المسلمين والأقباط لا يسألهم أحد عن
كفرهم، ولو قالت الفتاة إنها شيوعية لا تؤمن بالأديان كلها لما كان ثمة مشكلة على
الإطلاق!!
ماذا عن ارتفاع صوت
الأكراد في سوريا منذ العام الماضي، هل جاء بسبب أنواع جديدة من الظلم، أم بسبب
معطيات الواقع الخارجي الجديدة؟
ما ينبغي التذكير به
في هذا السياق هو أن سياسة التفتيت وإثارة الأقليات كانت فكرة صهيونية المنشأ
هدفها إضعاف الوضع العربي عموماً، لكنها غدت في السنوات الأخيرة معتمدة في الدوائر
الأمريكية تحت لافتات تتحدث عن حقوق الأقليات والحريات الدينية إلى غير ذلك،
وبالطبع في سياق شرذمة ما تبقى من وحدة الأمة وابتزاز أنظمتها. يحدث ذلك في معظم
البلدان، بما في ذلك إثارة قضية البربر في الجزائر والمغرب، وقضية الشيعة في
السعودية.
نتذكر على هذا الصعيد
تلك الدراسة التي يمكن القول إنها كانت بمثابة مؤشر على انطلاق مشروع استثمار وضع
الأقليات من قبل الولايات المتحدة، والتي صدرت عن معهد الولايات المتحدة للسلام
خلال النصف الأول من عقد التسعينات تحت عنوان «أقليات في خطر» وكانت من عمل الباحث
الأمريكي تيد روبرت جار، وقد رصدت الدراسة الأقرب إلى الموسوعة وضع 230 أقلية في
العالم، لكن توقيتها على مشارف مدريد ثم أوسلو كان لافتاً للانتباه، وهي الفترة
التي كان الصهاينة يسنون أسنانهم لالتهام المنطقة. وقد صدرت الدراسة بترجمة مركز
يافا للدراسات في القاهرة وصدرت عن دار مدبولي للنشر.
وكان الاهتمام
الإسرائيلي بموضوع الأقليات قد بدأ منذ الخمسينات من خلال الأكراد الذين تربطهم علاقات
مبكرة مع الدولة العبرية عادت إلى الأضواء مؤخراً إثر تقرير الصحفي الأمريكي
الشهير سيمور هيرش عن التواجد الإسرائيلي العسكري والأمني في شمال العراق بعد سقوط
نظام صدام حسين.
يشار هنا إلى أن
الدراسة قد رصدت وضع الأقليات في مختلف الدول العالم، فيما رصدت وضع (31) أقلية في
الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
لسنا في وارد التفصيل
في هذا الأمر، لكننا نشير إلى ذلك كله من باب التعريف بالطريقة التي يفكر فيها
العدو والأهداف التي يرمي إلى تحقيقها من ألعابه السياسية بتحريض الأقليات على
الاحتجاج والتمرد، من دون أن يعني ذلك دفاعاً عن الظلم والتمييز.
إننا بالتأكيد لا
نبرئ الأنظمة مما جرى ويجري، فموقفنا من ممارساتها معروف، لكننا بصدد تفسير
الحالة، في ذات الوقت الذي ننبه فيه إلى خطورة التدخلات الخارجية، تلك التي لا
تستهدف نصرة المظلومين، بقدر ما تسعى إلى تفتيت وحدتنا، وشل ما تبقى من قوتنا
تمهيداً لوضعنا تحت إمرة السيد الصهيوني المقدس في دوائر المحافظين الجدد!!.