اتفاق الطائف
بقلم : د. كمال
رشيد
أي اتفاق هذا الذي
يجمع عليه، وينادي به، ويحتكم اليه جميع الاطراف المعنية بالمسألة اللبنانية،
والوجود السوري في لبنان، الحكومتان السورية واللبنانية تستندان الى اتفاق الطائف،
والمعارضتان، المعارضة الحميدة والمعارضة الخبيثة، تناديان بتنفيذ اتفاق الطائف،
والدول العربية التي تحاول التوسط لحل الخلاف تتكىء كلية على اتفاق الطائف.
كل هذا يعني ان هذا
الاتفاق قد نال من العناية والرعاية والرشد والحكمة ما نال حتى استطاع ان يصل الى
تلك البنود المنصفة للجميع.
والذي عاصر الواقع
اللبناني يومها، وادرك التصرعات والانقسامات والانهيارات في الكيان اللبناني، في
الامن والاقتصاد، ووحدة الارض ووحدة الشعب، والذي شهد المجازر والمذابح في اكثر من
موقع، وابرزها مذابح مخيمات صبرا وشاتيلا - على يد شارون، الذي كان وزيرا للدفاع،
وهو اليوم مقبول، وعلى حب السلام مجبول، وهو الذي قتل الآلاف من الفلسطينيين في
السنوات الاربع الاخيرة، وهو الذي يُدعى للعواصم العربية، وهو الذي يتمنى بعض
القادة الفلسطينيون النظر في وجهه الكريم.
والذي عاصر الفتنة
الطائفية في لبنان، وقد اخذت ابعد مدى لها، والاطراف كثيرة ومتعددة، وكل له من
اسباب القوة ماله، وكل له ميليشيا، والايدي على الزناد، وبيروت لا تنام، بل قتل
واغتيالات ومعارك ودمار.
واحيانا على بكر
أخينا
اذا ما لم نجد الا
أخانا
الشيطان عشعش في
القلوب، وشارون وصل بيروت، لينصر فئة على فئة، ليقبل بعض الآلاف من أعدائه
الفلسطينيين، وليقول ان العواصم العربية تحت المنال، وغير عصية.
في هذا الجو، وفي هذه
الاثناء، كانت المعجزة، وكان اتفاق الطائف الذي استطاع ان يجمع الاعداء والفرقاء،
في مكان واحد، وتحت وساطة واحدة ترتضيها جميع الاطراف، هي الوساطة السعودية، وكان
القول »لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم، ولكن الله ألف بينهم«.
وفي ذلك المؤتمر كان
للمرحوم رفيق الحريري الدور الأكبر، بل كان هو مهندس ذلك اللقاء التوافقي الذي حل
الأزمة، وفك خيوط الشيطان، لانه كان مقبولا من جميع الاطراف.
في ذلك المؤتمر، افرغ
كل طرق حمولته، وقال قولته، وطرح مطالبه، بكل ثقة وصراحة، واستطاع المؤتمر ان
يستوعب الجميع، وأن يصل الى اتفاق يحفظ ماء الوجه للجميع.
ولهذا لم يحسب اتفاق
الطائف انتصارا لفريق، مغنما لرفيق، ومغرما لفريق آخر.
لقد كان الاحوال
اللبنانية اسوأ مما هي عليه الان مئات المرات، ولكن الفارق الآن، ان التدخلات
الغربية - فرنسا وامريكا - لم تكن بهذا الوضوح والصراحة والسعار والعدوان والتهديد.
وفارق آخر ان مؤتمر
الطائف كان اتفاقا عربيا، في بيت عربي، وسقف عربي، دون تدخل الاجنبي.
لكل هذا يحق لجميع
الاطراف المختلفة في لبنان وعلى لبنان ان تحتكم لاتفاق الطائف الذي جاء ندرة في
السياسة العربية والاتفاقات العربية.