حرية انتهاك السيادة!!

 

 

 

 بقلم صلاح الدين حافظ

 salahhafez22@hotmail.com

 

خطر على باليي في البداية »اللعب في النخاع« عنوانا لهذا المقال، وهو ليس اسما لمسرحية فكاهية، او عنوانا على الهزل في وقت الجد.. بل هو عنوان صادق لما يجري من اختراقات اجنبية في عمق اعماقنا، دون مقاومة حقيقية من جانبنا، وهو اسم على ما يسمى عن عصر الحرية المطلقة لهم دون ان تكون لنا، حريتهم في اللعب في الدماغ او في النخاع، مقابل حريتنا نحن في القبول و»الانصياع«، تلك الكلمة التي صارت الاشهر في القاموس السياسي والاعلامي الامريكي، تترجم عادة بمعنى القبول بما تفوضه السياسة الامريكية على الآخرين دون مناقشة او ممانعة.. بل بانصياع كامل وخضوع ذليل..

واحسب ان كثيرا مما يجرى في عالمنا هذه الايام، هو النموذج الاهم لانصياعنا للقرار والسياسة والامر الامريكي دون جدال، فلا جدال في الامر، والا حقت العقوبة القاسية او على الاقل التخويف بها!!

ولعلكم تلاحظون ان امريكا الامبراطورية المنفلتة، تطبق علينا ومعنا نوعين من المعاملة، النوع الاول هو استخدام القوة العسكرية الباطشة للاخضاع، كما هو الحال في العراق على ايدي جنودها، وفي فلسطين على ايدي حلفائها، وربما غدا في سوريا ولبنان، لفرض ارادتها دون مقاومة، ورغم ورطتها الكبرى في »المستنقع العراقي« واستنزافها على ايدي المقاومة العراقية، الا انها قد تفكر غدا في معاودة ذات الاسلوب في لبنان لقمع سوريا وقوى المقاومة اللبنانية والفلسطينية الموجودة هناك.

وها انتم ترون رأي العين، كيف يتنادى العربان قاطبة للانصياع، في وحدة غير مسبوقة، للضغط على المقاومة العراقية بكل تصنيفاتها، لكي توقف مقاومتها المسلحة، بحجة عدم التكافؤ على الآلة العسكرية الامريكية الجبارة المسنودة عالميا، في حين بدأ الامريكيون المجاهرة بالبحث عن الوسيلة الأسلم والاسرع للخروج من هذا المستنقع الدامي، الذي لم يكونوا يتصورون وعورته وصعوبته!

ثم ها انتم تلاحظون - مرة اخرى - كيف يجرى الحال في الساحة السورية اللبنانية، لتوفير غطاء عربي، لانسحاب سوريا من لبنان فورا، بحجة تفويت الفرصة على الرغبة الامريكية الفرنسية، ربما بالمغامرة العسكرية هناك.. اما المقاومة اللبنانية والفلسطينية، فاتركوا امرها لغيرنا.. المهم هو الانصياع للارادة الامريكية قبل فوات الاوان!! وقد حدث وجرى الانصياع!!

لن يفاجأ احد غدا، حين يرى هذا السيناريو وقد تم انتاجه واخراجه وتمثيله عربيا في الظاهر، وامريكيا في الحقيقة.. هل تنتظرون معي حتى موعد القمة العربية القادمة بعد نحو ثلاثة اسابيع لنعرف الحقيقة!!

اما النوع الثاني من المعاملة الامريكية معنا فهو الاخف شكلا وان ظل هو الاخطر فعلا، ونعني التسلل الى شراييننا واختراق اعماقنا وانتهاك سيادة دولنا جهارا نهارا، بل بمباركة من حكوماتنا الرشيدة.. وامامنا عشرات بل مئات الادلة والنماذج.

لكنني سأختار لكم الاحداث من هذه النماذج.. فقد نبهتني قبل ايام قلائل قاضية مرموقة عميقة الحس الوطني والقومي، الى انها تلقت دعوة مشبوهة من هيئة قانونية امريكية، لحضور مؤتمر انعقد فعلا في البحر الميت بالاردن، يومي 17 - 18 فبراير ،2005 باشراف وتمويل وتنظيم »مبادرة الشراكة على الشرق الاوسط« التي سبق ان اعلنتها الادارة الامريكية في العام الماضي، بهدف فرض الاصلاح على حكومات المنطقة وفق المفهوم الغربي.

ورغم ان القاضية المعنية رفضت الدعوة بمبادرة شخصية منها، الا ان غيرها كثيرات ذهبن وحضرن المؤتمر، قاضيات ومحاميات وقانونيات عربيات من مختلف الدول، وبعد يومين خرج المؤتمر بما ارادته المنظمة الامريكية، وهو انشاء »الشبكة القانونية للنساء العربيات«، فروعها في البلاد العربية وجذورها واصولها مربوطة في واشنطن، عضواتها عربيات، وعقولها امريكيات صاحبات الفكرة والمؤتمر والتنظيم والتمويل والاغراء، والهدف صريح هو اختراق النخبة في سلك القضاء والمحاماة والقانون، خصوصا عبر النساء العاملات فيه، بحجة مساعدتهن في مواجهة المشاكل والضغوط!!

ورغم ان الهيئة الامريكية صاحبة الفكرة والمؤتمر ادعت في البدء انها هيئة نقابية قانونية اهلية وغير حكومية، تريد مساعدة »القاضيات والمحاميات العربيات«، الا ان اوراق مؤتمرها وصيغة دعوتها، تعترف صراحة بان هذا النشاط هو جزء من مبادرة الشراكة الحكومية الامريكية، وبصرف النظر عن هذا الاعتراف المتناقض، فان ما يهمنا هو ان سياسة »اللعب في الدماغ حتى النخاع« الامريكية، الحكومية وغير الحكومية، تشق طريقها في مجتمعاتنا بأسهل السبل واكثرها اغراء.. بالمال الوفير والتمويل السخي، بينما ننام في سبات عميق، يستوي في ذلك الحكومات، والنقابات والاتحادات والمنظمات الاهلية، التي تكتفي بمراقبة التسلل الى شرايينها الدقيقة بانصياع مذل للارادة الامبراطورية، دون ادنى مقاومة، اللهم الا بالاستنكار وكأنه غاية المنى ونهاية القصد!

***

ولاننا كتبنا في موضوع الاختراق الامريكي لادمغتنا والتسلل الى نخاعنا وشرايينا مرات عديدة »دون ان يتحرك احد« فاننا نكتفي هنا بذكر نماذج سريعة اخرى، تجند فيها السياسة الامريكية اموالها الضخمة القادرة على اغراء واجتذاب كثيرين، حتى من النخب المثقفة.. للأسف!

ربما تكون الاحزاب السياسية هي الان الاكثر عرضة للاغراء والاختراق الامريكي، مراهنة من واشنطن على تحريك هذه الاحزاب واختراقها وتمويلها لتكون رأس الرمح في عمليات التغيير المطلوبة، والمحرك الفعلي »للثورة البرتقالية الديمقراطية« على غرار ما فعلته امريكا في صربيا وجورجيا واوكرانيا من قبل، وعلى غرار ما تفعله الان في لبنان..

ورغم تقديرنا الكبير لموقف معظم الاحزاب المصرية، التي اصدرت بيانا في الاسبوع الماضي، بتوقيع مسؤولي 15 حزبا، يرفضون فيه بقوة اي صورة من صور التدخل الامريكي في الشؤون الداخلية، الا ان ذلك لا ينفي حقيقة ان تدخلات امريكية عديدة قد نجحت في الاختراق، وقدمت فوق الاغراء المال المسال، وما زالت تفعل وتتقدم وتجاهر بما تفعل في اوضح صور التحدي!

لكن الاختراق الاخطر في رأينا، الذي يترجم فعلا وقولا، عنوان اللعب في النخاع، هو ما يجري في منظمات المجتمع المدني، من جمعيات وهيئات وروابط ومراكز دراسات تتخفى وراء العمل الاهلي والتطوعي والبحث والقانوني والعلمي، وتهتم بقضايا الديمقراطية وحقوق الانسان والمرأة والشباب والاعلام وحقوق الاقليات، وكلها قضايا حيوية ومهمة وجاذبة، وفيها مشاكل معقدة لا تجد لها حلا.

ويلفت النظر تكاثر هذه الجمعيات والمراكز، وتكاثر الفطريات وبسرعة النباتات المتسلقة، مثلما يلفت النظر امكانياتها المالية العالية، وقدراتها التنظيمية الدقيقة، على نحو ما يحدث في اجتماعاتها وندواتها ومؤتمراتها الكثيرة، دون معرفة دقيقة لمصادر هذا او منابع ذاك، وفي بلد مثل مصر، سألت صديقا من العاملين القدامى في مجال حقوق الانسان، عن تكاثر مثل هذه المنظمات والمراكز، فقال لي انه يقدر انه اكثر من 300 مركز وجمعية وهيئة، ظهرت خلال السنوات العشر الاخيرة، بعضها علني وشفاف، وبعضها الاخر غير ذلك، بينما قال لي مسؤول احد اهم مراكز الدراسات العريقة في الاردن، ان هناك 170 مركزا جديدا ظهر في الاردن وهو بلد صغير الساحة محدود السكان، يتلقى معظمها تمويلا من الخارج، ويخدم اجندة اجنبية ويعقد الندوات والمؤتمرات مرورا بصدى ما يأتي من واشنطن.. وان كان هذا لا ينطبق على الكل، فثمة نماذج نظيفة امينة اخرى!!

اما النموذج الأوضح لعمليات الاختراق واللعب في الدماغ حقيقة، فهو مجال الصحافة والاعلام خصوصا التلفزيوني والاذاعي، وها هي الساحة تزدحم بصحف ومجلات جديدة، وبمحطات اذاعة وفضائيات صاخبة، من تلك التي تلوك السياسة وتطحن الكلام، الى هذه التي تثير الغرائز وتدغدغ العواطف المراهقة، عبر الغناء الصاخب بالاجساد الفاتنة والابهار الجذاب والاغراق في التحذير والتغييب والتسطيح!!

وغدا تزداد هذه الظواهر الهاجمة والاختراقات النافذة والاموال المتدفقة، قوة ونفوذا او تأثيراً من مجتمعاتنا، بينما الكل هنا نائم في غيابات الجب، رغم كل اجراس التحذير، ربما استسلاما طائعا او انصياعاً خاضعا، بحجة بليدة هي، وكيف نقاوم امريكا!!

 

***

ولذلك اقول باختصار شديد، ان ما يجري هو قمة انتهاك سيادة الدولة في افظع صورها، ربما ادعى انها افظع من انتهاك سيادة العراق بالاحتلال العسكري المباشر.

واحسب ان حكوماتنا الرشيدة هي »المسؤول الاول والاخير« ليس فقط من تشجيع المخترقين، ولكن اساسا بتفريطها في السيادة الوطنية التي هي عنوان الاستقلال ورمز الحكم، ذلك لأننا نرى هذه الحكومات بعد ان اوصلت المجتمعات الى حال الفقر والقهر والنساء و الاستبداد، تسارع بطلب المعونات وقبول المساعدات الاجنبية المشروطة، وكانت النتيجة التي نعايشها ونعرفها جميعا ان مانحي المعونات ومقدمي المساعدات، يتدخلون في كل شيء من حياتنا، بما في ذلك اسلوب الحكم واحكام القضاء!!

يتدخلون »رسميا« في رسم السياسات الاقتصادية وفق هواهم وتحقيقا لمصالحهم، ويتدخلون في السياسات الاعلامية والثقافية، وفي مناهج التعليم وفي الدراسات الدينية ويشيرون باختصارها واغلاق بعض مدارسها، ويتدخلون في صياغة القوانين والتشريعات، ويضغطون على القضاء ويبتزون القانون، وقبل ذلك وبعد يتدخلون في اعادة صياغة نظم الحكم ومؤسساته من اعلى منصب الى اصغره.

يحدث كل ذلك تحت الشعار الجذاب، الاصلاح الديمقراطي وتحرير الاقتصاد وتحديث التشريعات وتغيير المفاهيم والقيم، لكي تتماشى مع الحضارة الحديثة.. وهو امر يضع امثالي من حرج شديد، فثمة تيار وطني وديمقراطي حقيقي انتمي اليه ينادي بالاصلاح الديمقراطي، ويسعى نحو ترسيخ الحريات العامة، ويعمل من اجل محاربة تحالف الفقر والفساد والقهر والاستبداد، لكن حكوماتنا الرشيدة تصادر هذا التيار الوطني وتقيد حركته وتتجاهل مطالبه، بينما هي »تنصاع« للاملاءات الاجنبية على الفور، حتى وان بدت غير مقتنعة او غير راغبة!!

لذلك قلنا ونكرر اننا ضد فرص الاصلاح من الخارج، وبنفس القوة ضد اجهاض الاصلاح من الداخل، ضد الاصلاح المستورد المرتبط بأجندات اجنبية، وضد استمرار تحالف الفقر والقهر المرتبط بشلل داخلية، نقاوم انتهاك سيادتنا وحقوقنا، من الداخل او الخارج على السواء.

ونختم فنقول اننا نستطيع مع غيرنا، الاجابة على سؤال يقول لماذا يخترقنا المتحالف الاوروبي الامريكي ويتسلل الى نخاعنا بهذه القوة والسرعة، فكلنا نعرف الاجابة.

لكننا نقف حيارى مذهولين امام السؤال الأهم، وهو لماذا ينجحون في اختراقنا بهذه السهولة، وأين حكوماتنا واحزابنا ونقاباتنا ومؤسساتنا، من استنزاف دمائها وانتهاك سيادتها، دون مقاومة.

ام ان المقاومة، لفظا ومعنى، اصبحت كلمة مشبوهة مكروهة مدانة!!

*****

** خير الكلام: تقول فدوى طوقان:

حريتي.. حريتي.. حريتي

صوت أردده بملء فم الغضب

تحت الرصاص، وفي اللهب!

 

 

 

نقلا عن الدستور