الخواجة كن والصهاينة

 

 

 

بقلم :د. احمد مصطفى

 

يتعرض عمدة لندن كن ليفنغستون لهجمات مستمرة منذ فترة طويلة بسبب مواقفه السياسية التي كلفته من قبل فصله من حزبه (حزب العمال الحاكم في بريطانيا) في انتخابات عمدة لندن السابقة، لكنه فاز واضطر الحزب إلى اعادة عضويته. وعلى رغم ان الحملة الاعلامية على العمدة تصاعدت بشدة منذ استضافته للدكتور يوسف القرضاوي العام الماضي، فلم يسلم كن من ضغوط الصهاينة من اليهود المتشيعين لاسرائيل منذ سنوات طويلة حتى قبل فوزه للمرة الاولى في انتخابات عمدة لندن. وزادت الحملة على الرجل مؤخرا بعد تعليقه لاحد الصحفيين، الذي قال له انه يهودي، فاصر كن على ملاحظته الساخرة.

وهنا دخلت اسرائيل على الخط إلى جانب مجلس نواب الطائفة اليهودية في بريطانيا في اتهام العمدة بمعاداة السامية، وتبجح السفير الاسرائيلي في بريطانيا على العمدة مطالبا اياه بالاعتذار (وبالمناسبة هذا السفير، زفي هيفيتز، الآن محل شكوك باحتمال التحقيق الجنائي معه في اسرائيل في قضية غسيل الاموال في بنك هبوعليم، اذ كان هيفيتز أحد الممثلين السابقين لرجل الأعمال الروسي الإسرائيلي فلاديمر غوسينسكي، صاحب صحيفة معاريف، احد المشتبه في حساباتهم في الفضيحة المالية).

وتقدمت الطائفة بشكوى للجنة الممارسات العامة مطالبين بادانة كن ليفنغستون باعتباره اطلق تصريحا معاديا للسامية!!! ما يعني امكانية حرمانه من شغل اي منصب عام لخمس سنوات. ورغم الضغوط على كن اصر على موقفه ولم يعتذر، مع ان رئيس الحكومة توني بلير صرح علنا بأن عليه الاعتذار. والحقيقة انه يحسب للرجل دوما تمسكه بموقفه وعدم الممالأة لاغراض سياسية او نفعية انتهازية.

الا ان الدنيا قامت ولم تقعد على كن ليفنغستون بعد مقاله في صحيفة الغارديان قبل ايام، والذي قال فيه ان ارييل شارون مجرم حرب مكانه السجن وليس مكتب رئيس حكومة. وجاء مقال كن متسقا تماما مع قناعاته، وواضح في تناوله للتزييف الاسرائيلي الذي يستخدم اسلوب التشويه والتخويف لاخضاع من يخالفونه الرأي. واوضح الخواجه كن في مقاله انه لا يعادي السامية وليس لديه موقف من اليهود او اي ديانة، ولكنه لا يقبل بالطريقة الصهيونية (لم يذكر المصطلح ولكنه تحدث عن اسرائيل وانصارها) في تشويه كل من يعارض السياسات الاسرائيلية باعتباره معاديا للسامية.

وكشف كن عن انه كان يعمل من قبل متطوعا في حملات الطائفة اليهودية والمجلس البريطاني، وحدث شقاق بينه وبينهم بسبب مساعدته لمنظمات يهودية غير منضوية في اطار المجلس، وربما تعارض السياسة الرسمية الاسرائيلية. وهذا اهم ما جاء في مقال العمدة، ويؤكد التوجه شبه العنصري لكل التنظيمات المرتبطة باسرائيل. وضرب كن مثلا بمنظمة جديدة تتولى ترجمة مقتطفات انتقائية من الصحافة العربية وتوزعها بالانجليزية (MEMRI) ويديرها ضابط مخابرات اسرائيلي من الولايات المتحدة (وللاسف الشديد تجد مواد تلك المنظمة طريقها للصحف ووسائل الاعلام العربية ومقالات مفكرين وكتاب عرب مرموقين).

وتستخدم كل تلك الموارد لمهاجمة من يتجرأ على انتقاد اسرائيل او قول كلمة حق لصالح الفلسطينيين او العرب او المسلمين. وهذا ما قصد الخواجة كن إلى التنبيه له وفضحه، لكن للاسف الشديد لم يلق الرجل دعما من احد ممن تحدث عنهم من فلسطينيين اوعرب اومسلمين، رغم انه يتعرض لحملة مشابهة لما تعرض له المفكر الفرنسي روجيه غارودي بسبب انتقاده للصهيونية.

وتجدر الإشارة هنا إلى ان كن ليفنغستون لا يدافع عن الحق الفلسطيني او ينتقد الصهيونية لانه مدعوم من العرب، او له مصالح مع احد، فالرجل معروف بمواقفه الانتقادية لكثير من الانظمة العربية كذلك، لكنه يعبر بصراحة عن قناعاته الشخصية كبريطاني حر في وقت اصبح ذلك فيه شيئا عزيزا.

والغريب ان هذا الخواجه الذي يتبنى مواقف اكثر شجاعة من بعض دوائر عربية تعتبر شارون رجل سلام لا يحظى حتى ولو بالدعم المعنوي لحقه في التعبير عن رأيه. ويكفي الخواجه كن انه ربما كان المسؤول البريطاني الوحيد الذي لا تقف مطامحه السياسية عقبة امام تعبيره عن رأيه والكتابة علنا بان اسرائيل مارست تطهيرا عرقيا بحق الفلسطينيين.

ربما يختلف المرء مع توجهات كن ليفنغستون اليسارية، وربما لا تكون سياساته كعمدة للعاصمة البريطانية محل ترحيب من المواطنين، لكن شجاعته وعدم نفاقه كفيلان بان يكسباه احتراما يفتقده غالبية السياسيين.

واذا كان مطلوبا منا في العالم العربي الان ان نغير مناهجنا الدراسية لطمس بعض جرائم الصهاينة، وتعليم ابنائنا ان شارون رجل سلام، فقد وفر عمدة لندن (ومعه اخرون من المستقلين الذين يعتدون بارائهم الحرة) مرجعا افضل لاولادي يطلعهم على التاريخ من زاوية غير منافقة ولا خاضعة للرغبات الاسرائيلية والاميركية.