ثورات بالوكالة:

خرافة التغيير الشعبي من الداخل

 

 

 

بقلم : د. فيصل القاسم

 

لو كان كارل ماركس حياً يُرزق لغير رأيه حول دور الشعوب في صنع التاريخ، فقد أكد ماركس في نظرياته الكثيرة أن التحولات الكبرى لا يصنعها أفراد بل الشعوب. كم كان ذلك المفكر الكبير رومانسياً وواهماً حول دور البروليتاريا بمعناها الشعبي. فقد أثبتت الثورات والانتفاضات الشعبية التي شهدها النصف الثاني من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين أن الذي يحرك الشعوب في الغالب ليست قواها الحية بل القوى الخارجية التي لها مصلحة في إحداث ثورة هنا وأخرى هناك. ولو نظرنا إلى سلسلة التغييرات لوجدنا أن الولايات المتحدة كانت تقف وراء معظمها لأغراض لا تخص تماماً الشعوب الحالمة بالتغيير بل لخدمة مصالح القوى المتحكمة بالعالم أيضاً.

 

لقد طبل الكثيرون وزمروا مثلاً "للثورة الإيرانية" التي أطاحت بالشاه على اعتبار أنها أهم ثورة شعبية في العالم منذ الثورة الفرنسية. وهي كذلك فعلاً من الناحية النظرية، لكن مع ذلك لم تكن لتنجح لولا وجود مصلحة أمريكية وأوربية في إنجاحها. فهناك الكثير من المؤشرات، كما يرى الباحثون الذي حللوا أبعاد وخلفيات تلك الثورة، تدل على أن الشعب وقواه الحية لم تكن صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة في إطلاق الثورة وإنجازها. فقد استقر الخميني في "لوشاتو" قرب باريس وكانت تحميه الشرطة الفرنسية وكل الإذاعات العالمية والصحف الكبرى تنشر ما يقوله ضد الشاه. وكان أتباعه في إيران ينشرون الكاسيتات التي تحتوي على خطبه المثيرة للشعب. كما انضم إلى الخميني القسم الفارسي في هيئة الإذاعة البريطانية في لندن ليذيع كل ما يقوله ويطلبه من الشعب الإيراني حتى أصبح القسم أشبه بناطق باسمه. ولعبت تلك الإذاعة البريطانية دورا هاما في نجاح الثورة لأنها الإذاعة الفارسية الوحيدة التي كان يهتم بسماعها الشعب الإيراني الذي كان يعتقد أنها تجسّد السياسة البريطانية. وكان الاستنتاج السياسي لدى الإيرانيين وساستهم ان الموقف الذي اتخذته الإذاعة البريطانية في حمايتها للخميني والثورة يمثل رأي بريطانيا وان الدول العظمى قد اتفقت على تصفية الشاه. فموقف الأمريكان مع التناقض الموجود في تصريحات الساسة الأمريكيين حول تأييدهم للشاه كان ضعيفا. وموقف بريطانيا كما تشهد به إذاعتهم الرسمية كان مع الخميني والثورة، وإن كانت البيانات الرسمية التي يدلي بها الساسة الإنجليز تناقض اذاعتهم أحياناً. أما فرنسا فقد جندت كل قواها لحماية الخميني واعطائه فرصة للتحرك كما يحب ويشاء. أما الروس فهم ضد الملكية بطبيعة سياستهم وحزبهم (تودة) كان يتعاون مع الثورة والخميني تعاون الصديق مع صديقه. إذن كل القوى العظمى كانت مجمعة على تصفية الشاه وإنجاح الثورة وعودة الخميني إلى طهران عودة الأبطال حيث استقبله ستة ملايين شخص لدى وصوله مطار (مهر آباد) الدولي ولم يُسقط سلاح الجو الإيراني طائرة البوينج التي كانت تقله في سماء إيران. ومع أن قائد الطائرة كان يحمل في قلبه الولاء الكامل للشاه فلم يقدم على هذا الأمر الذي كان آخر بارقة أمل لإنقاذ النظام الشاهنشاهي في نظر المخلصين للنظام.

 

فماذا مثلاً لو تم إسقاط طائرة الخميني وهي تحلق فوق طهران حيث كان ذلك ممكناً جداً؟ كيف كان سيكون مصير الثورة وتوجهاتها؟ يتساءل المتتبعون لمسيرة الثورات. وهنا يجب التأكيد على أن قادة الثورة لم يكونوا أبداً أدوات في أيدي القوى العظمى الطامحة في التغيير إلى إيران. لكن في الوقت ذاته يجب ألا نشطب العامل الخارجي الداعم والمحرك للثورات لأغراضه الخاصة.

 

وما ينطبق على الثورة الإيرانية ينسحب أيضاً على الثورات التي شهدتها أوروبا الشرقية، فلم تتخلص الشعوب من ربقة الحكم الشيوعي بعزمها وقوتها بل بالدعم والتحريض الأمريكي والأوروبي. ولا داعي لذكر الجهود الإعلامية الجبارة التي بذلها الغرب لإسقاط الشيوعية كإذاعة (أوروبا الحرة) والإذاعات البريطانية الموجهة التي كانت تخاطب كل بلد أوروبي شرقي بلغته الوطنية الخاصة. وقد كانت تحظى تلك الإذاعات بشعبية هائلة نظراً لبؤس الإعلام الشيوعي وقتها.

 

ولا يختلف الأمر بالنسبة للثورات الحديثة التي وقعت في يوغسلافيا السابقة وجورجيا وأوكرانيا. فليس صحيحاً ابداً أن المجتمع المدني الصربي هو الذي أطاح بنظام الرئيس سلوبودان ميلوسوفيتش الذي يُحاكم الآن في لاهاي. وليس صحيحاً أن المعارضة الجورجية والقوى الشعبية هي التي أنزلت إدوارد شيفرنادزا من عليائه. وليس صحيحاً أن المظاهرات العارمة هي التي فرضت على الرئيس الأوكراني أن يعيد الانتخابات كي يفوز بها معارضوه. فمن المعروف أن امريكا هي التي دعمت قوى التغيير في صربيا وحرضتها وساهمت في تجييش الشعب ضد ميلوسوفيتش وإنجاح أنصارها الذين تولوا مقاليد الحكم فيما بعد وأصبحوا رهن إشارتها. ولولا المصلحة الأمريكية في جورجيا ومنطقة القوقاز لما طار شيفرنادزا من منصبه وجاء مؤيدو واشنطن الموثوقون إلى دفة الحكم.

 

صحيح أن الشعب الأوكراني العظيم تعلم الديموقراطية خلال فترة وجيزة ومارسها بجدارة في الشهور الماضية. وصحيح أيضاً أنه خرج بمئات الآلاف مطالباً بإعادة إجراء الانتخابات التي كان يعتقد أنها مزورة لصالح النظام القديم. وصحيح ايضاً أنه يستحق كل الاحترام والتقدير على هبته الشعبية العظيمة. لكن يجب ألا ننسى أن الضجة حول الانتخابات الأوكرانية كانت تخفي وراءها صراعاً مريراً بين أمريكا وروسيا. فالكرملين كان يصارع من أجل نصرة أزلامه كي تبقى أوكرانيا تدور في فلكه وقد وصل به الأمر إلى تشويه وجه الرئيس الأوكراني الحالي بمادة سامة. ومن جانبهم كان الأمريكيون يدعمون أنصارهم كي يضعوا أوكرانيا تحت مظلتهم في ذلك الجزء الحيوي من العالم الذي تسعى واشنطن لتأمينه لصالحها بالغالي والرخيص. ولا يخفى على أحد حجم المساعدات والتأييد الأمريكي للمتظاهرين الأوكرانيين الذين تحدوا الثلوج والأمطار والرياح العاتية. وبالتالي فإن التغيير المنشود في العالم العربي على ضوء ما أشرنا إليه لن يحدث إلا إذا تظافر العاملان الداخلي والخارجي على إحداثه وسيكون له ثمن باهظ يجب أن تدفعه الشعوب إلى القوى القادرة على تحريك الثورات وإنجازها.

 

ولو قرأ كارل ماركس التاريخ العربي والإسلامي جيداً لاكتشف أنه على مدى أكثر من أربعة عشر قرناً لم يحدث التغيير شعبياً بالمعنى الرومانسي الذي كان يحلم به ماركس، فالقاعدة التاريخية الغالبة تؤكد للأسف الشديد، كما يرى الباحثون، "أن الدولة العربية (الاسلامية) لا تتغير من الداخل، أي من خلال الانتفاضات الشعبية السلمية، أو تنازل الحاكم الطوعي عن السلطة، فقد جري التغيير السلطوي في المجال السياسي العربي خلال الأربعة عشر قرنا الماضية، إما عبر الغزو المسلح الخارجي أو الانقلاب العسكري الداخلي". وإن من يعتقدون أن اللبنانيين أسقطوا حكومتهم قبل أيام بهبة شعبية محضة لمخطئون.

 

صحيح أن الشعب اللبناني رغم القمع والتدجين ما زال لديه بقية من ديموقراطية وحيوية عظيمة على عكس كل الشعوب العربية البائسة والقانطة التي استمرأت "ثبات الأوتاد تحت المطارق"، لكن هبته الأخيرة لم تكن لتقلع وتحقق أهدافها لولا الظروف المؤاتية والدعم والضغوط الدولية الهائلة على النظامين في لبنان وسوريا ولولا مصلحة قوى مؤثرة في الغرب في إنجاح التحرك الشعبي اللبناني لغايات في نفس يعقوب. أليس حرياً بنا أن نتساءل لماذا لم تحظ المعارضات العربية الأخرى بنفس الدعم والتأييد الغربي الذي حظيت به المعارضة اللبنانية في الشهور القليلة الماضية؟ فقد شاهدنا كيف أن رؤوساء أوروبيين كباراً يستقبلون هذا المعارض اللبناني أو ذاك، كما شاهدنا كيف دخل قداسة البابا على الخط ليستقبل بدوره زعيم هذا الفصيل اللبناني أو ذاك.

 

لا شك أنه من حق الشعوب العربية الأخرى أن تتفاءل خيراً بما حدث في لبنان أخيراً على أمل أن يحدث التغيير في بلدانها، لكن يجب أيضاً ألا نخدع ونعلل أنفسنا بالأوهام أو بآمال زائفة، فالتغيير إن حصل في هذا البلد العربي أو ذاك لن يكون من أجل سواد عيون هذا الشعب أو ذاك، بل من أجل خدمة مصالح القوى الدولية التي يهمها أن يحصل التغيير لخدمة غاياتها ومشاريعها. ومادامت أمريكا متقاعسة عن مساعدة الشعوب العربية في التغيير فهذا يعني أنها ما زالت مستفيدة من إبقاء الأوضاع على حالها أي تمكين الأنظمة الحاكمة. وفي اللحظة التي تبدأ فيها القوى العظمى بتحفيز الشعوب العربية فعلياً على الانتفاضات الشعبية فاعلم وقتها أن زيت الحكومات العربية قد نفد وأنها أنهت الوظيفة المنوطة بها وأنه مطلوب لاعبون جدد للقيام بالمهمة. وبالتالي لابد من تغيير المثل العربي الدارج "التغيير سنـّة الحياة" ليصبح "التغيير سنـّة الأقوياء". ويجب ألا ننسى أيضاً أن الشعوب في رأي "البروتوكولات" الشهيرة ليست أكثر من "غوييم" أي دهماء أو قطعان مسيّرة، وهي كذلك فعلاً في أحيان كثيرة كما صورها غوستاف لوبون في كتابه الرائع (سيكولوجية الجماهير). لكن التغيير مهم في كل الأحوال، فالمثل الانجليزي يقول للذين سئموا عيشتهم أو تعبوا من حياتهم: "التغيير مهم كأهمية الاسترخاء والراحة" وسبحان مغيـّر الأحوال كي لا أتورط وأقول شيئاً آخر!