بقلم :حسن السرات
حضرت في عدة ملتقيات حول القرآن الكريم وحول
"آية" الصحوة الإسلامية في هذا الزمان. واتخذت الملتقيات لنفسها عناوين
وأسماء لا تعد ولا تحصى، وتنوعت مقاصد تلك الملتقيات والندوات والمحاضرات حسب
الجهات التي تنظمها تحت ضوء الشمس وفي وضح "السراج الوهاج" أو تحت أشعة
القمر ونور"السراج المنير"، أو تلك التي تنظمها هيئات من وراء هيئات، أو
منظمات لصالح منظمات في لعبة الخفي والمعلن والظاهر والباطن، أو تلك الجهات التي
تتخذها جهات أخرى أعلى وأخفى مجسا للنبض ومختبرا لتحديد النوايا المبيتة وأحوال
الطقس القادمة خلال الشهور والسنوات المقبلة. أو ملتقيات تقوم بها حركات ومنظمات
إسلامية بيانا للرأي العام والخاص وبلاغا مبينا للناس أجمعين أو إقامة للحجة
وتصحيحا لنظرات خاطئة وتحليلات زائغة وكلمات في غير محلها. وهذه الملتقيات الكثيرة العدد تدل على أن
الإسلام دين ظاهر في هذا الزمان وفي الزمان القادم، وأنه أصبح عابرا للقارات
والدول والأوطان والملتقيات العلمية والسياسية، وتلك "آية" من آيات الله
الذي (أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله).
أذكر أنني حضرت في الأسبوع الأول من شهر مارس 2005
مناسبتين من هذه المناسبات، الأولى كانت
مناظرة بين الدكتور سعد الدين العثماني (خريج دار الحديث الحسنية بالمغرب، وطبيب
نفساني خريج كلية الطب، والأمين العام لحزب العدالة والتنمية المغربي)ورشيد بن
الزين (ولد بالقنيطرة المغربية وهاجر صغيرا مع أسرته إلى فرنسا حيث تابع الدراسة
الجامعية، وباحث في الهرمونيطيقا وتلميذ محمد أركون بفرنسا). وقد نظمت هذه الندوة
"مجموعة الديمقراطية والحداثة" يوم الثلاثاء فاتح مارس 2005 بكلية الطب
بالدار البيضاء تحت عنوان ّأي قراءة للقرآن في القرن الواحد والعشرين؟".
والثانية هي اللقاء المنظم من لدن مركز طارق بن زياد ومجلة "نوافذ" بدعم
مالي من المؤسسة الألمانية "كونراد أدناور" حول "تدبير الشأن
الديني بالمغرب" يوم السبت 5 مارس 2005 بمدينة ميدلت جنوب المغرب. شيء مثير
أخذ انتباهي بقوة في عدة ملتقيات ومنها هذان الأخيران وهو الاستشهاد بالآيات
القرآنية لدى بعض المتدخلين الذين ينحازون طوعا وعلانية إلى الصف الحداثي وينادون
بأعلى صوت بتحديث الإسلام وتجديد الخطاب الديني وإعادة قراءة القرآن قراءة جديدة
وموافقة للعصر ومتملصة من تفسير الطبيعة بالغيبيات وربط الإيمان بالعلم والسياسة
وسائر شؤون الحياة وجوانبها. القوم يستشهدون بالآيات ويا ليتهم استشهدوا بها في
مواضعها أو دون أن يخطئوا في قراءتها ونقلها. سمعت أحدهم في الندوة المذكورة سلفا
يقرأ نص سؤال مكتوب فيه آية كريمة هي قوله تعالى (وأن احكم بينهم بما أنزل الله)،
فإذا به يقرؤها "وأن أحكم" بالهمز المفتوح والكاف المكسورة. أما في
ميدلت فقد سمعت وقرأت كلمة مسؤول في مركز طارق بن زياد يستشهد بآيات في غير محلها
وعلى غير ما قرئت به، إذ اسشهد بالآية الكريمة (ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما
ترك على ظهرها من دابة) فبدل كلمة مكان كلمة فجعل "وجهها" مكان
"ظهرها"، ليؤيد بها معنى يريده في حين أن منطوقها ومعناها ضد ما أراد أن
يقول. ولم يكتف بهذا، بل استشهد بحديث في غير موضوعه.
قلت في نفسي، وقلت لغيري وكتبت هذا من قبل، إن أدنى شروط
التحدث عن موضوع كبير وخطير مثل القرآن وتفسيره والاستشهاد بآياته هي النطق الصحيح
بها وتصحيح الخطأ إذا ما ورد فيها، وإن من أخلاق العلم قول (لا أدري) التي عرف بها
الإمام مالك رضي الله عنه والأئمة الكبار من أمثاله رضي الله عنهم وأرضاهم. وقد
قال علماؤنا الأجلاء قديما إن القرآن كشاف يكشف عن المتعاملين معه ويستعصي عن
التحريف ويأبى إلا أن يشهد على كل من يتلوه بما فيه.
فقليلا من التواضع العلمي يا أيها الإخوة الحداثيون.