زلازل سياسية في بلاد الشام
بقلم :د. محمد
صالح المسفر
توالت الأحداث علي
امتنا العربية والإسلامية واستشرس الأعداء المتربصون بها وتقاربوا علي اختلاف
أهدافهم وأطماعهم من اجل النيل من هذه الأمة وإلحاق الهزيمة بها معنويا وماديا. كانت
نقطة البدء بغداد بوصفها كانت عاصمة اكبر إمبراطورية عربية إسلامية ورمز حضارتنا
فأتوا عليها وشتتوا شمل أهل بلاد الرافدين وأذلوا رجالها وفجروا في نسائها ونهبوا
ثرواتها وذاكرتها التاريخية ومزقوا عراق العرب إلي شيع وأحزاب ونحل وملل وأوقدوا
بين هذه الأعراق الفتنة وما برحوا يجذرونها.
العدو لا عتب عليه
ولا احتجاج فهو عدو لكن ما حدث في بلاد شنعار كان بفعل ثلة من الشعوبيين والدخلاء
عاشوا في بلاد الرافدين سنين طويلة عرفوه وتآمروا عليه مع الأعداء من خارج الحدود،
كانوا طابورا خامسا لدولة الاستكبار العالمي مزروعين في كل عواصم الدنيا يحرضون ويروجون
أكاذيب عن أهل العراق ومؤسساتهم وطموحاتهم وكان لهم ما أرادوا.
هذا العراق أصبح
ميدان تجارب للغرب، صناعة أحزاب عميلة وتسليمها مقاليد الأمور في عاصمة الخلافة
دار السلام وتفتيت وتجزئة تارة باسم الفدرلة وتارة أخري باسم خلق ديمقراطية لتكون
نموذجا في المنطقة يحتذي به.
(2)
اليوم يأتي الدور علي
دمشق عاصمة الخلافة الاولي وقد حذرنا من مستقبل مظلم يحيط ببلاد الشام الجغرافية
منذ منتصف تسعينات القرن الماضي، وقلنا بان المجال الحيوي لسورية كان شرقا أي نحو
بغداد، وعليها أن ترتفع فوق الجراح والخلافات الحزبية مع بغداد في ذلك الزمان،
وطالبنا بتكوين جبهة واحدة من دمشق وبغداد وانتهاء بطهران ولكن دمشق بقيت عين علي
بغداد وأخري علي لبنان وداخل الجسد السوري ينهشه السقم وسرطان الفساد وأجهزة الحبل
السري تلتف حول أعناق البشر فأي نصر يتحقق وأي مواجهة مع الاعداء يمكن أن تكون
فاعلة!!
هاتفني صديق يحتل
مركزا قياديا مرموقا بعد خطاب الرئيس بشار الأسد يسألني ما إذا كنت قد استمعت إلي
خطاب الرئيس بشار الأسد، قلت نعم ولكنه لم يأت بجديد، قال محدثي ماذا كنت تتوقع أن
يقول؟
قلت الأزمات تخلق
القيادات، واستدعيت من الذاكرة خطاب عبد الناصر عندما أمر بسحب قواته من اليمن في
منتصف الستينات وخطابه عندما وقعت كارثة الانفصال بين دمشق والقاهرة في مطلع
الستينات وأمر بسحب القوات المصرية من مشارف بلاد الشام البحرية والبرية حتي لا
تشتبك مع قوات الانفصال في الإقليم الشمالي من الجمهورية العربية المتحدة كيف
استطاع عبد الناصر أن يشكل جبهة عربية شعبية من المحيط إلي الخليج العربي هذه
الجبهة فرضت إرادتها علي السياسة الدولية.
قال محدثي الظروف
تغيرت والناس تغيرت قلت يا سيدي ظروف العالم العربي في تلك الحقبة أسوأ من ظروفه
اليوم، الخليج وجنوب الجزيرة العربية في قبضة اليد البريطانية، القواعد الأمريكية
والبريطانية في ليبيا، القاهرة وبغداد ودمشق ليست علي وفاق، الأردن الشريك المزدوج
كان مضطربا، مصر والسعودية في حالة حرب مسلحة في اليمن، الأسطول السادس علي شواطئ
بلاد الشام ومصر ومعه القوة البحرية الإسرائيلية، إيران الشاه خنجر في الظهر
العربي والبترول في ادني مستوياته السعرية إسرائيل تتحين الفرص للانقضاض علي
الجمهورية العربية المتحدة ـ مصر ـ وفي هذه الظروف العربية السيئة كانت قوي الشر
تتهيب من الاقتراب من الحمي العربي.
قلت لمحدثي علي الرغم
من هذه الخلافات العربية والحروب البينية إلا أن نخوة المعتصم لم تنعدم ولم تجد
دولة الاستكبار العالمي مجالا واسعا لاختراق الجبهة العربية، لكن لايعني ذلك
انعدام الثغرات في الجسد العربي الا انها ثغرات محدودة وليست كما هي اليوم، وافقت
صاحبي أن قادة اليوم من العرب ليسوا بقيادات تاريخية كما كانت في الزمن الذي مضي،
بعض قيادات العرب اليوم تستمد شرعيتها من قوي خارجية أما قيادات الأمس فكانت
شرعيتها مستمدة من شعوبها وشتان بين القيادتين.
(3)
ما يجري حول دمشق هذه
الأيام يماثل ما جري لبغداد سيناريو يعيد نفسه، مفتشون دوليون كانوا في بغداد
يبحثون عن أسلحة دمار شامل، وحول دمشق مفتشون دوليون يبحثون عن قتلة الحريري، نظام
بغداد الأسير كان في عرف دولة الاستكبار نظام شمولي دكتاتوري وكذلك الحال في دمشق
كما يدعون، نظام بغداد كان متهما بأنه مأوي لتنظيم القاعدة الإرهابي ودمشق اليوم
في عرفهم تؤوي منظمات إرهابية وتحمي قوي أخري، وجاء مقتل رفيق الحريري ووجود بعض
قطاعات الجيش السوري في لبنان ذريعة لتشديد الهجمة علي سورية الحبيبة ومع الأسف
الشديد سورية النظام لم يعرف التعامل مع هذه الأزمة لسبب واحد هو أن الرأي الحر لم
يستخدم بعد.
في الجانب العربي بعض
الأنظمة جندت نفسها لخدمة الأهداف الأمريكية في هذه الأزمة يقول زعيم دولة عربية
كبيرة إني أدعو سورية إلي سحب قوتها وأجهزتها الاستخبارية من لبنان، وا نتظر ردها
علي هذا المطلب قبل فرض أية عقوبات دولية عليها (الشرق 24/2/2005) وقال ماحدش يقدر
يحوش أمريكا وزعيم دولة عربية كبيرة قال للرئيس الأسد كما نقلت وسائل الأعلام
تتحدد علاقتنا بكم بقدر استجابتكم لسحب قواتكم من لبنان وتعاونكم علي كشف هوية
قاتل الحريري .
سؤالي للزعيم العربي
الكبير لماذا لا تطالب من أمريكا وبريطانيا سحب قواتهما المحتلة للعراق ـ وكذلك
عملاءها وأجهزتها قبل فوات الأوان كما طالبت سورية أن تفعل؟ ولماذا أيها الزعيم لا
تفرض مطالبك علي إسرائيل أن تسحب قواتها من المدن الفلسطينية وتوقف بناء
المستوطنات وبناء سور الفصل العنصري؟ ولماذا لا تطلب من أصدقائك في واشنطن بالكف
عن التدخل في شؤون السودان الداخلية؟ اجزم يا صاحب الفخامة بأنهم سيستجيبون لك لأنك
قدمت لهم خدمات جليلة لاتقدر بثمن أهمها خدماتكم في عام 1990 وحتي نهاية حقبة
التسعينات في الشأن العراقي والفلسطيني وخدمات اكبر قدمتها لهم عام 2003 عشية
احتلال العراق فهل ممكن الاستفادة من هذه الصداقة لصالح الأمة العربية؟
كلمة اخيرة اتوجه بها
إلي دمشق الحبيبة: لا عاصم لك يا دمشق اليوم من عبث قوي البغي إلا بإحداث ثورة
شاملة علي الفساد والمحسوبية والطائفية والاستبداد ولجم جماح الأجهزة السرية
وتكوين جبهة قومية حقيقية لا وهمية لصناعة القرار الاستراتيجي الوطني، إن الحزب
الواحد لم يعد ذا فاعلية في عالم متغير وتحت ذريعة الحزب الواحد سيلحق بك الأعداء
يا دمشق أسوأ العواقب.